H.Bاقتصاد الشرق
حين يتنفّس الفيدرالي يختنق العالم
الأسواق المالية

حين يتنفّس الفيدرالي يختنق العالم

حسام بعكة

حسام بعكة

٢١ فبراير ٢٠٢٦ · 8 دقائق

قرار واحد من مبنى واحد في واشنطن يُحرّك تريليونات الدولارات ويُحدد مصير عملات وأسواق ودول بأكملها. هذه ليست مبالغة، إنها بنية النظام.

في مبنى رخامي يقع على شارع كونستيتيوشن أفينيو في واشنطن، يجتمع اثنا عشر رجلًا وامرأة حول طاولة مستديرة ثماني مرات في السنة ليتخذوا قرارًا يبدو تقنيًا في ظاهره، رفع سعر الفائدة أو خفضه أو تثبيته، لكنه في جوهره يُعيد رسم خريطة الثروة والفقر على امتداد الكوكب بأسره. الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي ليس مجرد بنك مركزي لدولة واحدة، إنه البنك المركزي الفعلي للعالم، شاء العالم ذلك أم أبى. فالدولار الأمريكي يُشكّل نحو 58% من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية، ويُسعّر أكثر من 40% من التجارة الدولية، ويهيمن على أكثر من 88% من معاملات سوق الصرف الأجنبي. هذا يعني أن كل نقطة أساس يُحركها الفيدرالي تنتقل عبر شرايين النظام المالي العالمي كموجة زلزالية لا تعرف الحدود الجغرافية ولا تحترم السيادة الوطنية. حين يرفع الفيدرالي أسعار الفائدة، ترتفع تكلفة الاقتراض في أنقرة وبوينس آيرس والقاهرة، لا لأن هذه الدول اتخذت قرارًا سياديًا بذلك، بل لأن جاذبية العائد الأمريكي المرتفع تسحب رؤوس الأموال من أسواقها كمغناطيس لا يرحم، فتنهار عملاتها ويرتفع تضخمها وتتعمق أزمات ديونها. إنها الجغرافيا الحقيقية لأسعار الفائدة، جغرافيا تتحكم فيها واشنطن وتدفع ثمنها عواصم الجنوب.

مبنى الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي رمز السلطة النقدية العالمية

صدمة فولكر: الدرس الذي لم يتعلمه العالم

لفهم القوة التدميرية التي يمتلكها الاحتياطي الفيدرالي على الاقتصاد العالمي، يجب العودة إلى لحظة مفصلية في التاريخ الاقتصادي: أكتوبر 1979، حين قرر بول فولكر، رئيس الفيدرالي الجديد آنذاك، خوض حرب شاملة ضد التضخم الأمريكي الذي تجاوز 13%. رفع فولكر سعر الفائدة إلى مستويات غير مسبوقة بلغت 20% في يونيو 1981، فأدخل الاقتصاد الأمريكي في ركود عميق لكنه كسر ظهر التضخم في نهاية المطاف. لكن ما لا يُذكر عادةً في كتب الاقتصاد الأمريكية هو أن صدمة فولكر أشعلت حريقًا اقتصاديًا في العالم النامي لم تنطفئ ناره لعقد كامل. فالارتفاع الحاد في الفائدة الأمريكية ضاعف تكلفة خدمة الديون الخارجية، المُقومة بالدولار، على دول أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا. المكسيك أعلنت عجزها عن السداد في أغسطس 1982، وتبعتها البرازيل والأرجنتين وبولندا ونيجيريا في ما بات يُعرف بـ"أزمة ديون العالم الثالث" التي أغرقت قرابة أربعين دولة في عقد ضائع من الانكماش والتقشف والمعاناة. الدرس واضح وقاسٍ: السياسة النقدية الأمريكية ليست شأنًا أمريكيًا داخليًا، إنها سلاح اقتصادي شامل الدمار يُستخدم لتحقيق أهداف محلية بتكاليف تتحملها بقية الكوكب. والمؤرخ الاقتصادي آدم توز يصف ذلك بـ"السلطة الهيكلية"، أي القدرة على فرض قواعد اللعبة دون الحاجة إلى ممارسة إكراه مباشر، فمجرد وجود الدولار كعملة مرجعية يجعل كل قرار أمريكي قرارًا عالميًا بالضرورة، وكل مصلحة أمريكية مصلحة يتحملها الآخرون شاؤوا أم أبوا.

المثلث المستحيل: قيود السيادة النقدية

يُلخّص الاقتصادي الكندي روبرت مونديل ما يُعرف بـ"المثلث المستحيل" أو "الثالوث النقدي المستحيل" بالقول إن أي دولة لا تستطيع أن تحقق في آنٍ واحد ثلاثة أهداف: حرية تدفق رؤوس الأموال، وسعر صرف مستقر، وسياسة نقدية مستقلة. عليها أن تتخلى عن واحد منها. وفي عالم يهيمن عليه الدولار، تجد معظم الدول النامية نفسها مُجبرة على التخلي عن استقلالية سياستها النقدية لمجاراة تحركات الفيدرالي. فحين يرفع الفيدرالي أسعار الفائدة، تُضطر البنوك المركزية في الأسواق الناشئة إلى رفعها أيضًا، حتى لو كان اقتصادها يحتاج إلى خفضها، لمنع نزيف رؤوس الأموال وانهيار عملاتها. تركيا حاولت تحدي هذا المنطق حين أصرّ الرئيس أردوغان على خفض الفائدة رغم ارتفاعها أمريكيًا، فكانت النتيجة انهيار الليرة بنسبة تجاوزت 80% بين 2021 و2023 وتضخم قارب 85%. مصر كذلك اضطرت إلى رفع الفائدة إلى مستويات قياسية تجاوزت 27% وتحرير سعر الصرف في مارس 2024 تحت ضغط نزيف الاحتياطيات. والأرجنتين التي عاشت دورات متكررة من الانهيار النقدي وجدت نفسها في نهاية المطاف أمام خيار الدولرة شبه الكاملة تحت رئاسة ميلي. كل هذه الحالات تُجسّد حقيقة واحدة مريرة: في ظل هيمنة الدولار، السيادة النقدية للدول النامية هي سيادة مشروطة ومحدودة ومنقوصة. وحتى الدول التي تملك احتياطيات ضخمة من النقد الأجنبي، كالصين التي تحتفظ بأكثر من 3 تريليونات دولار، تجد نفسها مُقيّدة بمنطق النظام ذاته: فبيع هذه الاحتياطيات دفعة واحدة سيُضر بقيمتها قبل أن يُضر بالدولار، في معادلة يصفها الاقتصاديون بـ"توازن الرعب المالي" الشبيه بالردع النووي المتبادل.

شاشات أسواق مالية تعرض تقلبات الأسعار والمؤشرات الاقتصادية العالمية

نوبة الغضب: حين يهمس الفيدرالي فيصرخ العالم

في مايو 2013، وقف بن برنانكي، رئيس الفيدرالي آنذاك، أمام الكونغرس وأشار بحذر إلى احتمال "تقليص" برنامج التيسير الكمي، أي تقليل مشتريات البنك من السندات. لم يُعلن قرارًا فعليًا، لم يرفع الفائدة، لم يُغيّر شيئًا في السياسة النقدية، مجرد إشارة شفهية إلى نية مستقبلية. لكن تلك الكلمات أطلقت ما بات يُعرف بـ"نوبة الغضب من التقليص" أو Taper Tantrum، وهي موجة بيع عنيفة ضربت أسواق الأسهم والسندات والعملات في الاقتصادات الناشئة. خسر مؤشر بورصة ساو باولو 15% في أسابيع، وانهارت الروبية الهندية إلى أدنى مستوياتها التاريخية، وتراجع الراند الجنوب أفريقي والبيزو المكسيكي والليرة التركية والروبية الإندونيسية بنسب حادة. خمس دول أُطلق عليها اسم "الهشة الخمس"، البرازيل والهند وإندونيسيا وتركيا وجنوب أفريقيا، لأنها كانت الأكثر عُرضة لنزيف رؤوس الأموال بسبب عجز حساباتها الجارية واعتمادها على التدفقات الأجنبية. والعبرة من "نوبة الغضب" أن الأسواق الناشئة لا تحتاج إلى قرار فعلي من الفيدرالي لتهتز، يكفي أن يُلمّح الفيدرالي إلى نية لتنقلب الأسواق رأسًا على عقب. هذه الهشاشة البنيوية ليست عابرة ولا عرضية، إنها سمة جوهرية في نظام مالي عالمي بُني على هيمنة عملة واحدة. ولم تكن تلك المرة الأخيرة، ففي 2022، حين بدأ الفيدرالي أسرع دورة رفع فائدة منذ أربعة عقود لمواجهة التضخم المتفجر بعد الجائحة، تكرر المشهد بأشكال مختلفة: الين الياباني سقط إلى أدنى مستوياته منذ 32 عامًا، والجنيه الإسترليني اقترب من التكافؤ مع الدولار، والعملات الناشئة تراجعت بنسب تتراوح بين 10% و40%، مما أجبر عشرات البنوك المركزية على رفع فوائدها بشكل استثنائي لاحتواء النزيف.

هيمنة الدولار: إمبراطورية بلا جيش

تعود جذور هيمنة الدولار إلى مؤتمر بريتون وودز عام 1944، حين فرضت الولايات المتحدة، الخارجة منتصرة من الحرب العالمية الثانية، الدولار كعملة مرجعية عالمية مربوطة بالذهب. وحين ألغى نيكسون قابلية تحويل الدولار إلى ذهب عام 1971، لم تنهر الهيمنة كما توقع كثيرون، بل تعززت عبر آلية جديدة: "نظام البترودولار" الذي ربط تسعير النفط بالدولار عبر الاتفاق السعودي-الأمريكي في 1974، والدور المحوري للدولار في التمويل الدولي والتجارة العالمية. اليوم، تمنح هذه الهيمنة الولايات المتحدة ما سمّاه فاليري جيسكار ديستان "الامتياز المُفرط"، القدرة على الاقتراض بعملتها الخاصة بتكاليف منخفضة، وتصدير تضخمها إلى العالم، واستخدام النظام المالي كسلاح جيوسياسي عبر العقوبات. لكن هذا الامتياز بدأ يتآكل، ببطء لكن بوضوح. حصة الدولار في الاحتياطيات العالمية انخفضت من 72% عام 2000 إلى نحو 58% اليوم. والبنوك المركزية في العالم تشتري الذهب بكميات غير مسبوقة، أكثر من 1000 طن في عامي 2022 و2023 على التوالي، في ما يُفسّره المحللون بأنه تحوّط ضد هيمنة الدولار واستخدامه كسلاح. الصين وروسيا تبنيان نظام مدفوعات بديلًا عبر منظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة بريكس، والسعودية تُبدي انفتاحًا غير مسبوق على تسعير النفط بعملات غير الدولار. لكن إسقاط الدولار عن عرشه يبقى أمرًا مختلفًا تمامًا عن تحدي هيمنته، فلا بديل حقيقي يلوح في الأفق بعد. واللافت أن كل أزمة جيوسياسية كبرى، من حرب أوكرانيا إلى التوترات في مضيق تايوان، تُعزز الطلب على الدولار كملاذ آمن بدلًا من أن تُضعفه، في مفارقة يصفها الاقتصاديون بـ"ابتسامة الدولار": فالعملة الأمريكية ترتفع حين يكون الاقتصاد الأمريكي قويًا وحين يكون العالم في أزمة، أي في كل الأحوال تقريبًا. وهذه الديناميكية تجعل من مشروع التخلي عن الدولار مسارًا أطول وأصعب بكثير مما يتصور دعاة "نزع الدولرة".

سبائك ذهبية ترمز إلى الاحتياطيات النقدية والتحوط ضد هيمنة الدولار

أزمات العملات: حين تدفع الشعوب ثمن الجغرافيا النقدية

تُشكّل أزمات العملات في الأسواق الناشئة الوجه الأكثر وحشية لجغرافيا أسعار الفائدة العالمية. فحين تنهار عملة دولة نامية، سواء بسبب رفع الفيدرالي للفائدة أو بسبب أزمة ثقة محلية، فإن الأثر لا يقتصر على المتداولين في أسواق الصرف بل يطال حياة ملايين البشر بشكل مباشر: ترتفع أسعار الغذاء المستورد والدواء والوقود، وتتآكل مدخرات الطبقة الوسطى، ويتضاعف عبء الديون المُقومة بالعملات الأجنبية. الأرجنتين تعيش هذا الكابوس بشكل مزمن، فقدت عملتها أكثر من 99% من قيمتها مقابل الدولار خلال ربع قرن، ولبنان شهد أسوأ انهيار نقدي في تاريخ المنطقة العربية حين فقدت الليرة أكثر من 98% من قيمتها بعد 2019. وسريلانكا التي أعلنت إفلاسها في 2022 قدّمت نموذجًا مروّعًا لكيفية تحول أزمة نقدية إلى أزمة إنسانية شاملة. والمشترك بين كل هذه الحالات أن السياسات النقدية المحلية الخاطئة تتقاطع مع الضغوط الخارجية القادمة من واشنطن لتُنتج عاصفة مثالية من الانهيار. فالدول التي تعاني من عجز مزدوج، في الميزانية وفي الحساب الجاري، تكون الأكثر هشاشة أمام تحولات السياسة النقدية الأمريكية، لأنها تعتمد على تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية لتمويل عجزها، وأي ارتفاع في العائد الأمريكي يعني جفاف هذه التدفقات وبداية الأزمة.

ما وراء الدولار: مستقبل النظام النقدي العالمي

يتصاعد الحديث عن عالم ما بعد هيمنة الدولار بوتيرة متسارعة، لكن الانتقال من الحديث إلى الواقع لا يزال مسارًا طويلًا ومحفوفًا بالعقبات. مشروع عملة بريكس المشتركة، الذي طُرح بضجيج إعلامي كبير، يصطدم بتناقضات جوهرية بين اقتصادات الدول الأعضاء: فما الذي يجمع الاقتصاد الصيني العملاق بالاقتصاد الإثيوبي الصغير في عملة واحدة؟ واليوان الصيني الذي يطرح نفسه بديلًا يعاني من قيود جوهرية أبرزها عدم قابلية التحويل الكامل وتحكّم بكين الصارم في تدفقات رؤوس الأموال. العملات الرقمية للبنوك المركزية، وعلى رأسها اليوان الرقمي، تفتح أفقًا جديدًا لكنها لا تزال في مراحلها التجريبية. والحقيقة المُرّة هي أن هيمنة الدولار لا تستمر لأن الدولار عملة مثالية، بل لأن البدائل أسوأ، وهذا ما يمنح الفيدرالي سلطته الاستثنائية على الاقتصاد العالمي ويجعل كل قراراته بشأن أسعار الفائدة قرارًا كونيًا بامتياز. إن العالم يحتاج إلى نظام نقدي أكثر عدالة وتعددية، نظام لا تتحكم فيه دولة واحدة بمصائر المليارات، لكن بناء هذا النظام يتطلب إرادة سياسية جماعية وبنية مؤسسية عالمية جديدة لا تلوح في الأفق القريب. وإلى أن يتحقق ذلك، سيظل كل نَفَس يأخذه الاحتياطي الفيدرالي يُحدد إيقاع الحياة الاقتصادية لمليارات البشر الذين لم يُصوّتوا لأعضائه ولا يملكون أي تأثير على قراراته، وهذه هي المفارقة الكبرى في عصر يتشدق بالديمقراطية والسيادة وحق تقرير المصير. وحين تتأمل المنطقة العربية وضعها في هذه الجغرافيا النقدية المختلّة، من القاهرة المثقلة بديونها الدولارية إلى أنقرة المتأرجحة بين الخضوع لمنطق الفيدرالي وتحدّيه، تدرك أن السيادة الاقتصادية الحقيقية تبقى حلمًا بعيد المنال ما دام القرار النقدي في واشنطن يسبق كل قرار محلي في عواصم الجنوب.

حسام بعكة

حسام بعكة

كاتب ومحلل اقتصادي متخصص في شؤون الشرق الأوسط والاقتصاد العالمي. يقدم تحليلات معمّقة تربط بين الجيوسياسة والأسواق والتحولات الاقتصادية الكبرى.

المزيد عن الكاتب

مقالات ذات صلة