H.Bاقتصاد الشرق
حروب النقود الرقمية: من سيتحكم في محفظتك القادمة؟
العملات والنقد

حروب النقود الرقمية: من سيتحكم في محفظتك القادمة؟

حسام بعكة

حسام بعكة

٢٥ فبراير ٢٠٢٦ · 10 دقائق

أكثر من 130 دولة تستكشف إطلاق عملات رقمية سيادية. السباق لا يتعلق بالتكنولوجيا وحدها، بل بمن سيتحكم في مستقبل النظام المالي العالمي.

في القرن الحادي عشر الميلادي، في عهد سلالة سونغ الصينية، حدث ما بدا وقتها معجزة: التجّار في مقاطعة سيتشوان سئموا من حمل أكوام العملات النحاسية الثقيلة، فاستبدلوها بأوراق خفيفة تُسمّى "جياوزي" ، أولى الأوراق النقدية في تاريخ البشرية. كانت الفكرة بسيطة وعبقرية: ورقة تُمثّل قيمة بدلًا من أن تحملها. لكنّ ما بدأ كراحة للتجّار تحوّل سريعًا إلى أداة سلطة: الحكومة احتكرت إصدار الأوراق، ثمّ طبعت أكثر ممّا تملك من معادن، ثمّ استخدمت التضخم لتمويل حروبها، ثمّ سقط النظام بأكمله. الراحة صارت سيطرة. والسيطرة صارت انهيارًا. اليوم ، بعد ألف عام بالتمام ، يتكرّر المشهد بتقنية مختلفة: 137 دولة تمثّل 98% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي تستكشف إطلاق عملات رقمية للبنوك المركزية، و72 منها في مراحل متقدّمة. السباق ليس تقنيًا فحسب ، إنّه سباق على السلطة ذاتها.

عملات رقمية متوهّجة ترمز إلى التحوّل التاريخي في طبيعة النقود
العملة الرقمية للبنك المركزي (CBDC)

نقود رقمية تُصدرها البنوك المركزية مباشرة وتحمل القيمة القانونية ذاتها للنقد الورقي. تختلف عن العملات المشفّرة كبيتكوين في أنها مركزية وتخضع لسيطرة الدولة الكاملة ، وهذا مصدر قوتها ومصدر خطرها في آن واحد.

المتسابق الأول: التنين الرقمي الصيني

الصين لا تستكشف العملة الرقمية ، الصين تُديرها فعلًا. اليوان الرقمي تجاوز منذ زمن مرحلة التجربة إلى الاستخدام الواسع: 3.4 مليار معاملة بقيمة إجمالية بلغت 16.7 ترليون يوان ، أي ما يُعادل نحو 2.3 ترليون دولار. هذا ليس مشروعًا تجريبيًا. إنّه نظام مالي بديل يعمل بالتوازي مع النظام التقليدي ويتوسّع بلا هوادة.

لكنّ الأخطر ليس اليوان الرقمي داخل الصين ، بل خارجها. مشروع "إم بريدج" الذي يربط البنوك المركزية في الصين والإمارات وتايلاند وهونغ كونغ عالج أكثر من 55 مليار دولار من المعاملات عبر 4,000 عملية ، بنموّ مذهل بلغ 2,500 ضعف منذ 2022. والصين تُشكّل 95% من حجم هذا المشروع. الرسالة واضحة: بكين تبني بنية تحتية مالية دولية بديلة يمكنها نظريًا أن تعمل خارج منظومة الدولار تمامًا ، خارج نظام سويفت، خارج الرقابة الغربية، خارج قدرة واشنطن على فرض عقوبات.

السرعة الصينية تُذهل. بينما يتناقش الكونغرس الأمريكي حول ما إذا كان الدولار الرقمي فكرة جيدة أصلًا، وبينما يدرس البنك المركزي الأوروبي "اليورو الرقمي" بوتيرة أكاديمية مريحة، تنشر الصين بنيتها التحتية وتبني تحالفاتها وترسم قواعد اللعبة. في سباق العملات الرقمية، من يصل أولًا لا يفوز فقط بالسبق التقني ، بل يفوز بحقّ وضع المعايير التي يتّبعها الآخرون.

بنك التسويات الدولية (BIS) ، مشروع إم بريدج عالج 55 مليار دولار عبر 4,000 عملية بنموّ 2,500 ضعف منذ 2022
شاشة هاتف تعرض تطبيق دفع رقمي يرمز إلى مستقبل المعاملات المالية

المتسابق المتردّد: أمريكا بين الهيمنة والحرية

الولايات المتحدة ، صاحبة العملة المهيمنة على العالم منذ 1944 ، تقف أمام مفارقة مؤلمة. من جهة، الدولار الرقمي ضرورة حتمية للحفاظ على الهيمنة النقدية في عصر رقمي. إذا أصبح اليوان الرقمي وسيلة التسوية المعتمدة في آسيا وأفريقيا، فإنّ ركيزة أساسية من ركائز القوة الأمريكية تتآكل. من جهة أخرى، الدولار الرقمي يتناقض جوهريًا مع قيم أمريكية راسخة: الخصوصية المالية، والحدّ من سلطة الحكومة، وحرية الفرد في التصرّف بماله دون رقابة.

هذا الانقسام ليس حزبيًا فقط ، إنّه فلسفي. التيار المحافظ يرى في الدولار الرقمي "عين الأخ الكبير" المالية ، أداة مراقبة لا تختلف جوهريًا عن نظام الائتمان الاجتماعي الصيني. التيار التقدمي يرى فيه أداة للشمول المالي وتحسين كفاءة السياسة النقدية. والنتيجة: شلل. بينما تتقدّم الصين بسرعة الصاروخ، تتعثّر أمريكا في جدل داخلي قد يُكلّفها ريادتها المالية العالمية.

المفارقة التاريخية صارخة: أمريكا التي استخدمت نظام سويفت كسلاح لخنق اقتصادات إيران وروسيا وغيرهما، هي نفسها التي تخشى أن تمنح حكومتها أداة رقابة مالية أقوى. تخاف من أن تفعل بمواطنيها ما فعلته بأعدائها. وهذا الخوف ، رغم مشروعيته ، يمنح الصين وقتًا ذهبيًا لرسم خريطة المال الجديد.

المتسابقون في الوسط: العرب والهنود وجزر الكاريبي

بين العملاقين المتصارعين، تتسابق دول أخرى بأجنداتها الخاصة. جامايكا أطلقت "جام-ديكس" ، أول عملة رقمية سيادية فعّالة في نصف الكرة الغربي. جزر البهاما سبقتها بـ"ساند دولار". نيجيريا أطلقت "إي-نايرا" لكنّ التبنّي الشعبي ظلّ ضعيفًا ، درس مهم في أنّ إطلاق العملة أسهل بكثير من إقناع الناس باستخدامها.

الهند تتحرّك بثبات: الروبية الرقمية بلغت 10.16 مليار روبية في التداول، بنموّ 334% ، أرقام متواضعة لاقتصاد بحجم الهند لكنّها تتصاعد. الإمارات العربية المتحدة أعلنت عن تجربة "الدرهم الرقمي" التي بدأت في نوفمبر 2025 مع إطلاق كامل مُخطّط له أواخر 2026 ، توقيت يضعها في موقع المتسابق العربي الأول. مشروع "عابر" السعودي-الإماراتي كان من أوائل التجارب العالمية في التسويات بين بنكين مركزيين.

السؤال المركزي لهذه الدول ليس تقنيًا ، إنّه سياسي بامتياز: هل ستبني عملاتها الرقمية على بنية تحتية صينية (مثل إم بريدج) أم غربية أم مستقلة؟ الاختيار التقني هنا اختيار جيوسياسي. من يبني بنيتك التحتية المالية يملك مفتاح بياناتك المالية ، وهذا في عصر البيانات يعني أنّه يملك جزءًا من سيادتك.

الصين: التنين الرقمي

3.4 مليار معاملة بقيمة 2.3 تريليون دولار. بنية تحتية دولية عبر إم بريدج. سرعة تنفيذ مذهلة وتوسّع بلا هوادة في الداخل والخارج.

أمريكا: التردّد القاتل

شلل تشريعي وانقسام فلسفي حول الخصوصية مقابل الهيمنة. لا مشروع دولار رقمي فعلي بينما تتقدّم الصين وتبني تحالفاتها المالية الرقمية.

ليست عن الكفاءة ، إنّها عن السلطة

الحكومات والبنوك المركزية تُسوّق العملات الرقمية السيادية باعتبارها قفزة في "الكفاءة" و"الشمول المالي" و"خفض تكاليف التحويلات". هذه المزايا حقيقية ، لكنّها ليست السبب الحقيقي وراء حماس الحكومات. السبب الحقيقي أبسط وأخطر: السيطرة.

بالعملة الرقمية السيادية يستطيع البنك المركزي تتبّع كل معاملة مالية في الاقتصاد في الزمن الحقيقي. يستطيع برمجة المال ليُنفَق في قطاعات محددة فقط ، إعانة لا يمكن إنفاقها إلا على الغذاء مثلًا. يستطيع فرض فوائد سلبية على المدخرات لتحفيز الإنفاق ، أي أنّ أموالك تفقد قيمتها إن لم تُنفقها. يستطيع تحديد "تاريخ صلاحية" للمال بحيث يتبخّر إن لم يُستخدم. وفي أخطر السيناريوهات ، يستطيع تجميد أموال أيّ فرد بضغطة زر دون حكم قضائي.

هذه ليست سيناريوهات خيالية. في كندا عام 2022، جمّدت حكومة ترودو الحسابات البنكية لسائقي الشاحنات المحتجين ضد قيود كوفيد ، سابقة أثارت ذعرًا عالميًا. لم تكن حتى عملة رقمية ، كانت حسابات بنكية تقليدية. تخيّلوا هذا السيناريو في عالم العملة الرقمية حيث لا يمكن لأحد أن يلجأ إلى النقد الورقي كملاذ أخير. تخيّلوه في بلدان تغيب فيها الضمانات القانونية والرقابة القضائية المستقلة. سلالة سونغ اكتشفت أنّ من يملك آلة طباعة النقود يملك كل شيء ، ثمّ أساءت الاستخدام حتى الانهيار. العملة الرقمية تمنح الحكومات قوة لم تحلم بها سلالة سونغ.

أكواد وبيانات رقمية متدفقة ترمز إلى البنية التحتية المالية الرقمية والمراقبة
  • القرن 11سلالة سونغ الصينية تُصدر أول أوراق نقدية في التاريخ ، "جياوزي"
  • 2020جزر البهاما تُطلق "ساند دولار" ، أول عملة رقمية سيادية فعّالة
  • 2022كندا تُجمّد حسابات المحتجين ، سابقة في استخدام المال كأداة سيطرة
  • نوفمبر 2025الإمارات تبدأ تجربة الدرهم الرقمي رسميًا
  • 2026137 دولة تستكشف إطلاق عملات رقمية سيادية و72 في مراحل متقدّمة

خطّ النهاية: من يصل أولًا يكتب القواعد

سباق العملات الرقمية السيادية ليس سباقًا تقنيًا ، إنّه سباق على مستقبل النظام المالي العالمي. الصين تتقدّم بفارق واضح ، ليس فقط بيوانها الرقمي بل ببنيتها التحتية الدولية عبر إم بريدج. أمريكا متردّدة ومنقسمة. أوروبا بطيئة كعادتها. والدول الصغيرة والمتوسطة ، بما فيها الدول العربية ، أمام خيار مصيري: هل تبني بنيتها التحتية المالية الرقمية على معايير صينية فتربط مصيرها المالي ببكين؟ أم على معايير غربية فتبقى ضمن منظومة الدولار؟ أم تحاول بناء شيء مستقل ، وهو الأصعب لكنّه الأكثر سيادية؟

منصة إم بريدج تكشف الاتجاه: 55 مليار دولار عُولجت عبرها بنموّ 2,500 ضعف خلال عامين فقط. إذا استمرّ هذا المسار، فإنّنا نشهد ولادة نظام مالي دولي بديل ، لا يحلّ محلّ سويفت بل يعمل بالتوازي معه، مُتاحًا لمن يريد الإفلات من قبضة العقوبات الغربية. وكلّ دولة تنضم إلى هذا النظام البديل تُضعف قليلًا من هيمنة الدولار ، قطرة قطرة، حتى يفيض الكأس.

الدول العربية في موقع فريد من هذا السباق. الإمارات عضو مؤسس في إم بريدج ، رهان جريء على التنويع المالي. السعودية تستكشف خياراتها بحذر. البحرين ومصر في مراحل مبكرة. الفرصة حقيقية: العملات الرقمية يمكن أن تُعزز الشمول المالي في منطقة لا يزال ملايين من سكانها خارج النظام المصرفي، وتُسرّع التحويلات وتُخفض تكاليفها. لكنّ الخطر حقيقي بالقدر نفسه: في غياب أطر قانونية صارمة لحماية الخصوصية ، وهو غياب يكاد يكون شاملًا في المنطقة ، قد تتحوّل العملة الرقمية إلى أداة مراقبة شاملة لا مثيل لها في التاريخ.

الدرس الصيني القديم: حين تتحوّل الراحة إلى قيد

عود على بدء ، إلى سلالة سونغ وأوراقها النقدية. التجّار الذين استقبلوا "جياوزي" بفرح لم يتخيّلوا أنّهم يمنحون الحكومة سلاحًا سيتحوّل في النهاية ضدّهم. الراحة أعمت عن المخاطر. والمخاطر تراكمت حتى صار الانهيار حتميًا. اليوم، حين تُروّج الحكومات لعملاتها الرقمية باعتبارها "أسرع" و"أرخص" و"أكثر شمولًا"، تسأل: أسرع لمن؟ أرخص على حساب ماذا؟ وشمول تحت رقابة من؟

العملات الرقمية السيادية قادمة ، هذا لا شكّ فيه. السؤال ليس "هل" بل "كيف" و"بأيّ ضمانات". الدول التي تبني أطرها القانونية الآن ، التي تفصل بين قدرة البنك المركزي التقنية وسلطته في استخدامها، التي تضع حدودًا قانونية صارمة على المراقبة المالية، التي تحمي حقّ المواطن في الخصوصية المالية ، هذه الدول ستحصد فوائد العملة الرقمية دون أن تدفع ثمنها من حرية مواطنيها.

أمّا الدول التي تتسرّع في الإطلاق دون ضمانات ، وكثير من دول العالم العربي والنامي معرّضة لهذا ، فقد تكتشف متأخرة أنّها بنت لنفسها أداة سيطرة أقوى من أيّ جهاز أمني عرفه التاريخ. العملة الرقمية بلا ضمانات قانونية ليست تطويرًا ، إنّها استعباد بواجهة تكنولوجية أنيقة. وتجّار سيتشوان في القرن الحادي عشر يشهدون.

سباق العملات الرقمية السيادية ليس عن التكنولوجيا ولا عن الكفاءة ، إنّه عن من يملك المفتاح الرئيسي للنظام المالي العالمي القادم. الصين تتقدّم. أمريكا تتردّد. والعالم العربي أمام لحظة اختيار: هل يبني بنيته الرقمية المالية كأداة تمكين وسيادة، أم كأداة مراقبة وتبعية؟ سلالة سونغ اكتشفت أنّ من يطبع النقود يملك كل شيء ، ثمّ فقدت كل شيء. الدرس عمره ألف عام. لكنّ البشر ، كعادتهم ، يحتاجون لتعلّمه من جديد.
حسام بعكة

حسام بعكة

كاتب ومحلل اقتصادي متخصص في شؤون الشرق الأوسط والاقتصاد العالمي. يقدم تحليلات معمّقة تربط بين الجيوسياسة والأسواق والتحولات الاقتصادية الكبرى.

المزيد عن الكاتب

مقالات ذات صلة