في عام 1694 حين أسّس الإنجليز بنك إنجلترا أول بنك مركزي حديث في التاريخ، لم يكن المال يعني سوى شيء واحد: معدن ثمين يمكن لمسه ووزنه وتخزينه في قبو. منذ ذلك اليوم وحتى اليوم تطوّر المال من عملات ذهبية إلى أوراق نقدية ثم إلى أرقام إلكترونية في شاشات البنوك لكنه ظلّ في جوهره يحتفظ بخاصّية واحدة ثابتة: أن يكون مجهول الهوية. حين تدفع بورقة نقدية لا أحد يعرف من أنت ولا ماذا اشتريت ولا أين ذهب المال بعد ذلك. هذه الخصوصية المالية التي اعتبرها البشر حقًا طبيعيًا لقرون باتت اليوم مُهددة بأعمق تحوّل في تاريخ النقود: العملات الرقمية للبنوك المركزية. أكثر من 130 دولة حول العالم تستكشف إطلاق عملاتها الرقمية السيادية والصين سبقت الجميع بيوانها الرقمي الذي يستخدمه أكثر من 260 مليون شخص. هذا السباق لا يتعلق بالتكنولوجيا وحدها بل بمن سيتحكم في مستقبل النظام المالي العالمي وبالعلاقة بين السلطة والمواطن والمال في القرن الحادي والعشرين.
ما وراء التكنولوجيا: المال القابل للبرمجة
العملات الرقمية للبنوك المركزية تتجاوز كونها مجرد نسخة إلكترونية من الأوراق النقدية. إنها تمثّل أعمق تحوّل في طبيعة المال منذ أن استبدل البشر المعدن بالورق. بالعملة الرقمية السيادية يستطيع البنك المركزي نظريًا تتبّع كل معاملة مالية في الاقتصاد في الزمن الحقيقي. يستطيع برمجة المال ليُنفَق في قطاعات محددة فقط مثلًا: إعانة حكومية لا يمكن إنفاقها إلا على الغذاء. يستطيع فرض فوائد سلبية على المدخرات لتحفيز الإنفاق في أوقات الركود أي أن أموالك تفقد قيمتها إن لم تُنفقها. يستطيع تحديد تاريخ صلاحية للمال بحيث يتبخر إن لم يُستخدم خلال فترة محددة. وفي أخطر السيناريوهات يستطيع تجميد أموال أي فرد أو مؤسسة بضغطة زر دون الحاجة إلى حكم قضائي أو إجراء بنكي تقليدي. هذه القدرات التي قد تبدو خيالية لكثيرين هي بالضبط ما يُغري الحكومات بالعملات الرقمية السيادية: سيطرة كاملة على التدفقات المالية وأداة سياسة نقدية غير مسبوقة في الدقة والسرعة. لكنها في الوقت ذاته تُثير أسئلة وجودية حول الحرية الفردية والخصوصية المالية لم تواجهها البشرية من قبل.
السباق الصيني-الأمريكي: من يكتب قواعد المال الجديد؟
الصين تقود سباق العملات الرقمية السيادية بفارق كبير عن بقية العالم. اليوان الرقمي "إي-سي-إن-واي" تجاوز مرحلة التجربة إلى الاستخدام الواسع في عشرات المدن الصينية الكبرى. حجم المعاملات بلغ أكثر من ترليون يوان. ويُخطَّط لاستخدامه في التسويات التجارية الدولية بين الصين وشركائها التجاريين خاصة في آسيا وأفريقيا. هذا يعني أن بكين تبني بنية تحتية مالية بديلة يمكنها نظريًا أن تعمل خارج منظومة الدولار تمامًا. الولايات المتحدة في المقابل تتأخر بشكل لافت منقسمة بين فريقين: فريق يرى في الدولار الرقمي ضرورة حتمية للحفاظ على هيمنة العملة الأمريكية في العصر الرقمي وفريق آخر يخشى أن يتحوّل الدولار الرقمي إلى أداة رقابة حكومية تتناقض مع قيم الحرية الفردية التي تأسست عليها الجمهورية الأمريكية. هذا الانقسام يمنح الصين وقتًا ثمينًا لرسم قواعد اللعبة الجديدة وبناء شبكة تحالفات مالية رقمية قد يصعب اللحاق بها لاحقًا.
تفكيك سويفت: السلاح المالي الذي يصنع بديله
العملات الرقمية السيادية تحمل بُعدًا جيوسياسيًا قد يُعيد تشكيل موازين القوة المالية العالمية. نظام سويفت الذي يربط أكثر من 11 ألف مؤسسة مالية في 200 دولة ويتحكم في التحويلات المالية الدولية يُستخدم منذ سنوات كأداة عقوبات غربية بالغة الفعالية. قطع إيران عن سويفت خنق اقتصادها. قطع روسيا جزئيًا أثّر بشكل كبير على تجارتها. لكن هذا الاستخدام المتكرر للسلاح المالي دفع الدول المُستهدفة والدول التي تخشى أن تكون التالية إلى البحث عن بدائل. الصين بنت نظام "سيبس" كمنافس لسويفت وتختبر ربطه بيوانها الرقمي. روسيا طوّرت نظام "سبفس". والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا تبحث في أنظمة تسوية إقليمية. إذا نجحت هذه البدائل في بناء كتلة حرجة من المستخدمين فإنها ستُقوّض أحد أقوى أسلحة الهيمنة المالية الغربية وتُنهي عصرًا كان فيه واشنطن قادرة على خنق أي اقتصاد في العالم بقرار تنفيذي واحد.
المواطن المكشوف: الخصوصية المالية في خطر
وسط حماس الحكومات والبنوك المركزية بالعملات الرقمية تغيب أسئلة جوهرية عن حقوق المواطن وحرياته. هل يحق للحكومة أن تعرف أين تُنفق كل قرش من مالك ومتى وعلى ماذا؟ هل يحق لها أن تُبرمج أموالك لتنتهي صلاحيتها إن لم تُنفقها خلال شهر؟ هل يملك البنك المركزي حق تجميد حسابك الرقمي دون حكم قضائي إذا شارك صاحبه في احتجاج سياسي مثلًا؟ هذه الأسئلة ليست نظرية: في كندا عام 2022 جمّدت الحكومة الحسابات البنكية لسائقي الشاحنات المحتجين ضد قيود كورونا في سابقة أثارت ذعرًا واسعًا. تخيّلوا هذا السيناريو في عالم العملة الرقمية حيث لا يمكن لأحد أن يلجأ إلى النقد الورقي كملاذ أخير. الصين تستخدم يوانها الرقمي بالفعل كأداة رقابة اجتماعية ضمن نظام "الائتمان الاجتماعي" الذي يُكافئ "السلوك الجيد" ويُعاقب المخالفين. المنطقة العربية حيث تغيب في كثير من الدول الضمانات القانونية لحماية الحريات الفردية قد تكون أكثر عرضة لاستخدام العملات الرقمية كأداة سيطرة لا كأداة تطوير.
العالم العربي والعملات الرقمية: فرصة أم فخّ؟
عدة دول عربية بدأت استكشاف العملات الرقمية السيادية. البحرين ومصر والسعودية والإمارات أعلنت عن مشاريع تجريبية بدرجات متفاوتة من التقدم. مشروع "عابر" السعودي-الإماراتي كان من أوائل التجارب العالمية في استخدام عملة رقمية مشتركة للتسويات بين بنكين مركزيين. الفرصة حقيقية: العملات الرقمية يمكن أن تُعزز الشمول المالي في منطقة لا يزال ملايين مواطنيها خارج النظام المصرفي وتُسرّع التحويلات المالية وتُخفض تكاليفها وتُحسّن كفاءة تحصيل الضرائب. لكن الخطر حقيقي أيضًا: في غياب أطر قانونية صارمة لحماية الخصوصية والحريات المالية قد تتحول العملات الرقمية إلى أداة رقابة شاملة تجعل كل مواطن مكشوفًا ماليًا أمام السلطة بلا حماية.
حروب النقود الرقمية بدأت بهدوء لكن تداعياتها ستُعيد تشكيل العلاقة بين السلطة والمال والحرية بطريقة لم تعرفها البشرية من قبل. المال الذي كان أداة تحرر قد يتحوّل إلى أداة استعباد رقمي. ومن لا يشارك في صياغة قواعد هذا العالم الجديد ولا يبني ضماناته القانونية والمؤسسية سيكون محكومًا بقواعد غيره ومكشوفًا أمام عين لا تنام.
