في خريف عام 1944، اجتمع مندوبو أربع وأربعين دولة في فندق ماونت واشنطن بمدينة بريتون وودز الأمريكية الصغيرة، ليُصمّموا النظام المالي الذي سيحكم العالم بعد الحرب العالمية الثانية. كان جون ماينارد كينز البريطاني يُريد عملة عالمية محايدة سمّاها "البانكور"، لكن هاري ديكستر وايت الأمريكي فرض رؤيته: الدولار وحده سيكون محور النظام الجديد، مربوطًا بالذهب، وكل عملة أخرى ستدور في فلكه. كانت أمريكا تملك حينها ثلثي احتياطيات الذهب العالمية ونصف الناتج الصناعي العالمي، فلم يكن لأحد أن يعترض. ومنذ ذلك اليوم، أصبح الدولار لا مجرد عملة بل بنية تحتية للاقتصاد العالمي بأسره، ونظام تسويات وتحويلات ورقابة مالية يمنح واشنطن سلطة لا يملكها أي جيش أو أسطول. لكن التاريخ يُعلّمنا أن لكل هيمنة نهاية. الجنيه الإسترليني حكم العالم لقرنين قبل أن يتراجع أمام الدولار. والفلورين الفلورنسي والريال الإسباني والغيلدر الهولندي سبقوه في الصعود والأفول. واليوم ثمة إشارات متزايدة على أن عرش الدولار يتآكل من أطرافه ببطء لكن بثبات.
سلاح العقوبات الذي ارتدّ على صاحبه
حين جمّدت واشنطن أكثر من 300 مليار دولار من احتياطيات البنك المركزي الروسي في فبراير 2022، أرسلت رسالة واضحة إلى كل بنك مركزي في العالم: احتياطياتكم بالدولار ليست ملككم حقًا إنها رهينة حسن السلوك في المنظومة الأمريكية. هذه الرسالة أكثر من أي خطاب اقتصادي أو أكاديمي هي التي أطلقت موجة إعادة التفكير في هيمنة الدولار. فالبنوك المركزية في بكين ونيودلهي والرياض وأنقرة وبرازيليا سألت نفسها سؤالًا وجوديًا: إذا كان بإمكان واشنطن تجميد احتياطيات تاسع أكبر اقتصاد في العالم بجرة قلم، فما الذي يمنعها من فعل الشيء ذاته مع أي دولة أخرى تخرج عن طاعتها؟ هذا الخوف ليس نظريًا. إيران تعيش تحت عقوبات مالية أمريكية منذ عقود. أفغانستان جُمّدت أصولها بالكامل. وحتى حلفاء أمريكا ليسوا في مأمن: فرنسا شاهدت شركة BNP Paribas تدفع 8.9 مليار دولار غرامة لواشنطن لانتهاكها عقوبات أمريكية على السودان وإيران. هكذا تحوّل الدولار من أداة تبادل محايدة إلى سلاح جيوسياسي وكل استخدام لهذا السلاح يدفع دولًا أكثر نحو البحث عن بدائل.
جغرافيا التمرد النقدي: من بكين إلى الرياض
من بكين إلى الرياض، ومن نيودلهي إلى برازيليا، تتشكّل خرائط جديدة للتبادل التجاري خارج منظومة الدولار. الصين وروسيا باتتا تُسوّيان أكثر من 90% من تجارتهما الثنائية بالروبل واليوان بعد أن كانت النسبة لا تتجاوز 25% قبل الحرب. الهند تشتري كميات متزايدة من النفط الروسي بالروبية وتُوقّع اتفاقيات مبادلة عملات مع عشرات الدول. والسعودية أعلنت استعدادها لقبول اليوان ثمنًا لنفطها في صفقات مع بكين، وهو ما يُمثّل تحولًا تكتونيًا في عالم النفط الذي ظل مُسعّرًا بالدولار حصريًا منذ اتفاق كيسنجر مع الملك فيصل عام 1974. كل صفقة من هذه الصفقات قد تبدو هامشية بمفردها لكنها مجتمعة ترسم ملامح نظام مالي بديل يتبلور ببطء. والبريكس الموسّع الذي بات يضمّ السعودية ومصر وإيران والإمارات وإثيوبيا يطرح بجدية فكرة آلية تسوية بديلة عن نظام سويفت الذي يُعدّ الذراع الأقوى للهيمنة المالية الأمريكية.
اليوان الطموح وقيوده الذاتية
اليوان الصيني هو المرشح الأبرز لمنافسة الدولار، لكنه يحمل في بنيته تناقضًا جوهريًا. الصين تُريد لعملتها دورًا دوليًا يعكس حجم اقتصادها الذي يُشكّل 18% من الناتج العالمي، لكنها ترفض في الوقت ذاته تحرير حساب رأس المال أي السماح بتدفق الأموال من وإلى الصين بحرية. هذا الرفض ليس عناجيزًا بيروقراطيًا بل قرار استراتيجي واعٍ: الحزب الشيوعي يعلم أن تحرير رأس المال يعني فقدان السيطرة على سعر الصرف والتدفقات المالية، وهو ما قد يُهدد الاستقرار الاقتصادي والسياسي الذي يقوم عليه شرعية الحكم. هكذا يظل اليوان عملة تجارية متنامية لكنه ليس بعد عملة احتياط حقيقية. حصته من احتياطيات البنوك المركزية العالمية لا تتجاوز 2.5% مقارنة بنحو 58% للدولار و20% لليورو. والفجوة بين الطموح والواقع تبقى واسعة.
الذهب يعود: اللغة النقدية القديمة التي يفهمها الجميع
في ظل هذا القلق المتزايد من الدولار كسلاح سياسي، لجأت البنوك المركزية إلى أقدم ملاذ آمن عرفته البشرية: الذهب. مشتريات البنوك المركزية من الذهب بلغت مستويات قياسية في 2022 و2023 ولا تزال مرتفعة. الصين أضافت أكثر من 300 طن إلى احتياطياتها. بولندا وتركيا والهند وسنغافورة تتسابق على الشراء. هذا التحوّل نحو الذهب يعكس رغبة في تنويع الاحتياطيات بعيدًا عن أصول يمكن تجميدها بقرار سياسي أمريكي. الذهب لا يحمل مخاطر الطرف المقابل ولا يمكن تجميده بعقوبات ولا يعتمد على أي نظام مدفوعات إلكتروني. إنه اللغة النقدية الوحيدة التي يفهمها الجميع بلا وسيط.
التآكل البطيء لا الانهيار المفاجئ
السيناريو الأرجح ليس انهيارًا مفاجئًا لهيمنة الدولار بل تآكلًا تدريجيًا من الأطراف. شبكات تسوية إقليمية وعملات رقمية سيادية واتفاقيات مبادلة ثنائية وعودة الذهب كل هذه الأدوات تنخر في حصة الدولار دون أن تُسقطه. وفي عالم تتعدد فيه مراكز القوة الاقتصادية يبدو نظام العملة الواحدة المهيمنة من مخلّفات حقبة القطب الواحد التي أوشكت على الانتهاء. التاريخ يُعلّمنا أن العملات تتبع القوة والقوة اليوم تتوزّع. التحوّل من الجنيه الإسترليني إلى الدولار استغرق نصف قرن من 1914 إلى 1965. والتحوّل القادم قد يستغرق وقتًا مماثلًا لكنه بدأ بالفعل.
من يراقب مسار التاريخ النقدي يُدرك أن كل إمبراطورية فرضت عملتها على العالم ثم فقدت السيطرة عليها حين فقدت الأسس الاقتصادية والأخلاقية التي منحتها الثقة. السؤال لم يعد: هل سينتهي عصر الدولار؟ بل: كم من الوقت سيستغرق العالم لبناء البديل ومن سيدفع ثمن الفترة الانتقالية الفوضوية بين نظامين؟
