في لحظة ما من تاريخ الأمم، يتوقف الزمن الاقتصادي عن التقدم، فتغدو الأرقام مجرد أصداء لعظمة غابرة، والمؤشرات انعكاسات لوهم يرفض أن يتبدد. هذا بالضبط ما حدث لليابان، ثاني أكبر اقتصاد في العالم يومًا ما، حين انفجرت فقاعة الأصول في مطلع التسعينيات، فدخل الاقتصاد الياباني في سبات طويل استمر ثلاثة عقود، تحوّل خلالها من نموذج يُحتذى إلى تحذير يُستشهد به في كل كتب الاقتصاد. لكن اليوم، وبعد كل هذا السبات، تتسرب إشارات خافتة لكنها متزايدة على أن العملاق الآسيوي ربما يستيقظ أخيرًا. فهل نحن أمام فجر اقتصادي ياباني حقيقي، أم أنه مجرد حلم آخر في ليل طويل من الركود؟ الإجابة عن هذا السؤال لا تخص طوكيو وحدها، بل تحمل دروسًا عميقة لكل اقتصاد يواجه شبح الشيخوخة والانكماش، من أوروبا إلى الصين، ومن الخليج العربي إلى شرق آسيا.
الفقاعة الكبرى: حين رقص الجميع على حافة الهاوية
لا يمكن فهم ما يحدث في اليابان اليوم دون العودة إلى تلك اللحظة الفارقة في أواخر الثمانينيات، حين بلغ الجنون الاقتصادي الياباني ذروته. في عام 1989، كانت القيمة السوقية للعقارات في طوكيو وحدها تفوق، نظريًا، قيمة كل العقارات في الولايات المتحدة مجتمعة. مؤشر نيكاي 225 بلغ قمته التاريخية عند 38,957 نقطة في التاسع والعشرين من ديسمبر 1989، وكان اليابانيون يشترون كل شيء، من ناطحات السحاب في مانهاتن إلى استوديوهات هوليوود، بثقة لا حدود لها في أن الأسعار لن تتوقف عن الصعود. البنوك اليابانية كانت تُقرض بلا حساب، والشركات تستثمر في كل شيء بأموال مُقترضة، والحكومة تُراقب بابتسامة رضا وهي ترى اقتصادها يحقق ما بدا وقتها معجزة لا نهاية لها. لكن المعجزات الاقتصادية، كما علّمنا التاريخ مرارًا، تحمل في أحشائها بذور انهيارها. فالأسعار التي انفصلت عن الواقع كانت محكومة بقانون الجاذبية الاقتصادية، والسؤال لم يكن «هل» ستسقط، بل «متى» و«كيف». وحين بدأ بنك اليابان المركزي رفع أسعار الفائدة لتبريد الاقتصاد المحموم، انهار كل شيء كقلعة من ورق أمام ريح باردة. في غضون عامين، فقد مؤشر نيكاي أكثر من نصف قيمته، وتبخّرت ثروات عقارية بتريليونات الينات، ودخل الاقتصاد الياباني في ما سيُعرف لاحقًا بـ«العقد الضائع»، الذي تحوّل إلى عقدين ثم ثلاثة.
العقود الضائعة: دوّامة الانكماش التي ابتلعت جيلًا
ما حدث بعد انفجار الفقاعة لم يكن مجرد ركود عابر يمكن علاجه بجرعة تقليدية من خفض الفائدة وزيادة الإنفاق الحكومي. لقد دخلت اليابان في ظاهرة اقتصادية فريدة ومرعبة: الانكماش المزمن. حين تنخفض الأسعار باستمرار، يتوقف المستهلكون عن الإنفاق لأنهم يعرفون أن السلعة ستكون أرخص غدًا، فيتراجع الطلب، فتنخفض الأسعار أكثر، فيزداد الإحجام عن الإنفاق، في حلقة مفرغة قاتلة لا يبدو أن لها مخرجًا. بنك اليابان المركزي خفّض الفائدة إلى الصفر في التسعينيات، ثم إلى ما دون الصفر، في سابقة تاريخية، لكن شيئًا لم يتغير جوهريًا. الشركات اليابانية، المثقلة بديون الفقاعة، تحوّلت من السعي لتعظيم الأرباح إلى سداد الديون بأي ثمن، فيما سمّاه الاقتصادي ريتشارد كو «ركود الميزانية العمومية». وهذا التحوّل في سلوك الشركات، من الاقتراض والاستثمار إلى الادخار وسداد الديون، أطفأ محرّك النمو الاقتصادي تمامًا، حتى مع ضخ الحكومة تريليونات الينات في مشاريع البنية التحتية والتحفيز المالي. الناتج المحلي الإجمالي الياباني الذي بلغ 5.45 تريليون دولار في عام 1995 لم يتجاوز 4.2 تريليون دولار بعد ثلاثين عامًا، تراجع حقيقي مذهل لاقتصاد كان يُفترض أنه يقود العالم. هذا الجمود الاقتصادي أنتج جيلًا كاملًا عاش في ظل الانكماش، جيل تعلّم الادخار بدل الإنفاق، والحذر بدل المجازفة، والقبول بالقليل بدل السعي للكثير.
رهان بافيت: حين يضع حكيم أوماها أمواله حيث يضع فمه
في عام 2020، فاجأ وارن بافيت، أشهر مستثمر في التاريخ، الأسواق العالمية بإعلان استثمار شركته بيركشاير هاثاواي في خمس شركات تجارية يابانية كبرى: ميتسوبيشي، وميتسوي، وإيتوتشو، وماروبيني، وسوميتومو. كان الاستثمار الأولي بقيمة 6.7 مليار دولار، ثم زاده تدريجيًا ليتجاوز 17 مليار دولار بحلول عام 2025. هذا الرهان الضخم من رجل يُعرف بحذره الشديد وعزوفه عن الاستثمار في أسواق لا يفهمها جيدًا، كما كان يقول دائمًا عن التكنولوجيا، أرسل رسالة مدوّية إلى الأسواق: هناك شيء ما يتغيّر في اليابان. بافيت رأى ما لم يره كثيرون: أن هذه الشركات التجارية العملاقة، التي تعمل في كل شيء من الطاقة إلى الغذاء إلى المعادن، كانت تُتداول بأقل من قيمتها الدفترية، رغم أنها تُدرّ أرباحًا حقيقية وتملك أصولًا ضخمة حول العالم. المراهنة على اليابان لم تكن مراهنة على عودة نمو متفجر، بل على تصحيح تقييم سوقي ظالم استمر عقودًا. وبالفعل، حقّقت استثمارات بافيت عوائد تجاوزت 70% في أقل من أربع سنوات، فيما شهد مؤشر نيكاي اختراقًا تاريخيًا حين تجاوز في فبراير 2024، ولأول مرة، قمته المسجلة عام 1989، أي أن الأمر استغرق 34 عامًا كاملة ليعود السوق الياباني إلى نقطة البداية.
صحوة السياسة النقدية: نهاية عصر الفائدة السلبية
ربما كانت الخطوة الأكثر رمزية في مسيرة الصحوة اليابانية هي قرار بنك اليابان المركزي في مارس 2024 بإنهاء سياسة الفائدة السلبية التي استمرت ثماني سنوات، ورفع سعر الفائدة الأساسي من سالب 0.1% إلى نطاق يتراوح بين صفر و0.1%. قد يبدو هذا التغيير ضئيلًا بالمعايير العالمية، خاصة في عالم رفع فيه الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي الفائدة إلى أعلى مستوى في عقدين، لكنه بالنسبة لليابان يمثّل زلزالًا في السياسة النقدية. إنه اعتراف رسمي بأن حقبة الانكماش قد تكون انتهت فعلًا، وأن الاقتصاد بات قويًا بما يكفي لتحمّل فوائد إيجابية. المحرّك الرئيسي لهذا التحوّل كان عودة التضخم، وهو أمر رحّب به اليابانيون للمرة الأولى في تاريخهم الحديث. بعد عقود من محاولة إحياء التضخم بكل الوسائل الممكنة، نجحت صدمة الطاقة العالمية الناتجة عن الحرب الروسية الأوكرانية في فعل ما عجزت عنه كل سياسات التيسير الكمّي: رفع الأسعار في اليابان. التضخم الأساسي تجاوز 2% لأول مرة منذ عقود، والأجور بدأت ترتفع، مع تحقيق أكبر زيادة في أجور «شونتو» الربيعية منذ 33 عامًا بنسبة 5.28% في عام 2024. هذا المزيج من ارتفاع الأسعار والأجور خلق، ولأول مرة منذ جيل، دورة اقتصادية إيجابية حيث يُنفق المستهلكون لأنهم يتوقعون أن الأسعار سترتفع غدًا، وهو عكس ما كان يحدث طوال عقود الانكماش.
مصانع الرقائق والعودة الصناعية: الجيوسياسة تخدم طوكيو
ليست السياسة النقدية وحدها التي تُعيد تشكيل المشهد الاقتصادي الياباني. فالتحوّلات الجيوسياسية العالمية، وخاصة التوتر المتصاعد بين واشنطن وبكين حول تايوان والرقائق الإلكترونية، منحت اليابان فرصة ذهبية لاستعادة مكانتها الصناعية. شركة TSMC التايوانية، أكبر مصنّع للرقائق في العالم، افتتحت مصنعها الأول في كوماموتو باليابان بتكلفة تتجاوز 8.6 مليار دولار، بدعم حكومي ياباني سخي بلغ 4 مليارات دولار. ومصنع ثانٍ قيد الإنشاء بتقنيات أكثر تقدمًا. هذه الاستثمارات ليست مجرد مصانع جديدة، إنها إعادة رسم لخريطة سلاسل التوريد العالمية. اليابان التي فقدت ريادتها في صناعة أشباه الموصلات لصالح تايوان وكوريا الجنوبية على مدى عقدين، تستعيد الآن موقعها كحلقة أساسية في سلسلة قيمة الرقائق العالمية. والحكومة اليابانية ضخّت أكثر من 25 مليار دولار في استراتيجية وطنية لأشباه الموصلات، مستفيدة من حقيقة أن العالم لم يعد يستطيع الاعتماد بالكامل على تايوان التي تعيش تحت ظل التهديد الصيني. هذه العودة الصناعية تمتد أيضًا إلى قطاعات أخرى: السيارات الكهربائية حيث تُعيد تويوتا وهوندا ونيسان هيكلة استراتيجياتها، وصناعة الروبوتات حيث تحتفظ اليابان بريادة عالمية، وقطاع الطاقة النظيفة حيث يُعاد تشغيل المفاعلات النووية التي أُغلقت بعد كارثة فوكوشيما عام 2011.
الشبح الديموغرافي: التحدي الذي لا تُصلحه السياسة النقدية
لكن خلف كل هذه المؤشرات الإيجابية يقف تحدٍّ وجودي لا يمكن لأي سياسة نقدية أو صناعية أن تحلّه وحدها: الانهيار الديموغرافي. اليابان تشيخ بسرعة مرعبة، متوسط العمر تجاوز 49 عامًا، وأكثر من 29% من السكان فوق 65 عامًا، وعدد المواليد في 2023 انخفض إلى 758 ألفًا فقط، أدنى مستوى منذ بدء التسجيل عام 1899. البلاد تفقد ما يقارب 800 ألف شخص سنويًا من عدد سكانها، والتوقعات تشير إلى أن عدد السكان سينخفض من 125 مليونًا اليوم إلى أقل من 100 مليون بحلول 2050 وإلى 63 مليونًا بحلول 2100. هذا الانكماش السكاني يعني نقصًا حادًا في القوى العاملة، وتراجعًا في قاعدة المستهلكين، وضغطًا متزايدًا على منظومة التقاعد والرعاية الصحية. بلدات بأكملها في الأرياف اليابانية باتت شبه خالية من السكان، ومدارس تُغلق أبوابها لعدم وجود تلاميذ كافين. الحكومة اليابانية أنفقت تريليونات الينات على برامج تشجيع الإنجاب، من إجازات الأبوة المدفوعة إلى دعم تكاليف رعاية الأطفال، لكن معدل الخصوبة يواصل انخفاضه ليصل إلى 1.2 طفل لكل امرأة، وهو أقل بكثير من معدل الإحلال البالغ 2.1. اليابان تجرّب الآن، مضطرة، فتح أبوابها ببطء أمام العمالة الأجنبية، في تحوّل تاريخي لمجتمع عاش قرونًا على فكرة التجانس الثقافي والعرقي. لكن أعداد المهاجرين لا تزال بعيدة عن سدّ الفجوة، والتحدي الحقيقي ليس اقتصاديًا فحسب بل ثقافي واجتماعي في الصميم.
دروس للعالم العربي والاقتصادات الشائخة: مرآة يابانية بانعكاسات عالمية
التجربة اليابانية ليست حكاية أمة بعيدة لا شأن لنا بها، إنها مرآة يجب أن ينظر فيها كل اقتصاد يسير على الطريق ذاته. الصين اليوم تواجه فقاعة عقارية وأزمة ديموغرافية تُذكّر بشكل مخيف بيابان أواخر الثمانينيات، والتشابه يتعدى المصادفة إلى البنية الاقتصادية العميقة. ألمانيا وإيطاليا وكوريا الجنوبية تسير جميعها نحو شيخوخة سكانية ستُعيد تشكيل اقتصاداتها. حتى دول الخليج العربي التي تتمتع بتركيبة سكانية شابة نسبيًا، تحتاج إلى استخلاص الدروس اليابانية في ما يتعلق بمخاطر الفقاعات العقارية والاعتماد المفرط على محرّك نمو واحد. الدرس الأول هو أن الفقاعات حين تنفجر لا تُسبب ركودًا عابرًا بل يمكن أن تُنتج جيلًا اقتصاديًا ضائعًا بالكامل. والدرس الثاني هو أن السياسة النقدية وحدها، مهما بلغت جرأتها، لا تكفي لإخراج اقتصاد من الانكماش المزمن. والدرس الثالث، والأهم، هو أن الديموغرافيا قدر اقتصادي لا تُغيّره الأرقام والسياسات السطحية، بل يتطلب تحوّلات مجتمعية عميقة. اليابان اليوم تُقدّم للعالم درسًا مزدوجًا: أنه ليس من المستحيل الاستيقاظ من سبات اقتصادي طويل، لكن الثمن يكون باهظًا والندوب تبقى عميقة. وأن الاقتصاد، في نهاية المطاف، ليس مجرد أرقام في جداول البيانات، بل انعكاس لحيوية المجتمع وقدرته على التجدد. فالأمة التي تتوقف عن إنجاب المستقبل، حرفيًا ومجازيًا، تتوقف عن النمو، مهما ضخّ مصرفها المركزي من أموال في عروقها المتيبّسة. اليابان تستيقظ اليوم، لكنها تستيقظ في جسد أكبر سنًا وأقل حيوية مما كانت عليه حين نامت. والسؤال الذي يواجه طوكيو، وكل العالم، هو: هل يمكن لاقتصاد شائخ أن يحلم أحلامًا شابة؟ الإجابة عن هذا السؤال ستُحدد ملامح القرن الحادي والعشرين بأسره.
