H.Bاقتصاد الشرق
موجة الاكتتابات السعودية وصعود تداول عالمياً
الأسواق المالية

موجة الاكتتابات السعودية وصعود تداول عالمياً

حسام بعكة

حسام بعكة

١٨ فبراير ٢٠٢٦ · 9 دقائق

سلسلة من الاكتتابات العامة الكبرى في قطاعات متنوعة تُعيد تشكيل هوية السوق المالية السعودية.

في عام 2019، حين أعلنت شركة أرامكو السعودية عن طرحها العام الأولي في سوق تداول، لم يكن كثيرون يدركون أن ذلك الحدث لم يكن مجرد إدراج لأكبر شركة نفطية في العالم بل كان إشارة انطلاق لتحول جذري في بنية السوق المالية السعودية بأسرها، تحول يعيد رسم خريطة أسواق المال في العالم العربي والأسواق الناشئة على حد سواء. فاكتتاب أرامكو الذي جمع خمسة وعشرين مليار دولار، وهو الأكبر في تاريخ أسواق المال العالمية، لم يكن نهاية القصة بل بدايتها، إذ فتح الباب أمام موجة من الاكتتابات لم تشهد المملكة مثيلها من قبل، موجة شملت قطاعات لم تكن يوماً جزءاً من مشهد السوق المالية السعودية، من الترفيه والسياحة إلى التكنولوجيا واللوجستيات والرعاية الصحية. واليوم، وقد تجاوزت القيمة السوقية لبورصة تداول حاجز 2.8 تريليون دولار، تقف المملكة على أعتاب واقع جديد تكون فيه ثالث أكبر بورصة في الأسواق الناشئة بعد الصين والهند، وربما في طريقها إلى منافسة الأخيرة على المركز الثاني.

من سوق الأسهم إلى مرآة الاقتصاد: تداول تعيد تعريف نفسها

لعقود طويلة، كانت سوق تداول، التي تأسست رسمياً عام 2007 وإن كان التداول المنظم بدأ قبل ذلك بسنوات، سوقاً يهيمن عليها قطاعان اثنان: البنوك والبتروكيماويات. هذه البنية الأحادية جعلت السوق عرضة لتقلبات أسعار النفط بشكل مفرط، كما جعلتها أقل جاذبية للمستثمرين الدوليين الباحثين عن تنويع حقيقي. لكن ما يحدث اليوم مختلف جذرياً، فموجة الاكتتابات الجديدة تأتي من قطاعات لم تكن موجودة أصلاً في الاقتصاد السعودي قبل سنوات قليلة. شركات الترفيه التي ولدت من رحم قرار فتح دور السينما في 2018، وشركات السياحة المرتبطة بمشاريع نيوم والبحر الأحمر والقدية، وشركات التكنولوجيا المالية التي تنمو بمعدلات مذهلة في سوق يضم أكثر من خمسة وثلاثين مليون نسمة غالبيتهم من الشباب المتصلين رقمياً، كل هذه القطاعات تضخ دماءً جديدة في شرايين البورصة وتمنحها عمقاً وتنوعاً لم تعرفهما من قبل.

والأرقام تؤكد هذا التحول، ففي عام 2023 وحده شهدت تداول أكثر من خمسة عشر اكتتاباً عاماً أولياً في السوق الرئيسية وسوق نمو الموازية، بقيمة إجمالية تجاوزت عشرة مليارات دولار. وفي عام 2024 تسارعت الوتيرة أكثر مع طرح شركات نوعية مثل شركة المطاحن الأولى وشركة لومي للتأجير وشركة جاهز الدولية للتقنية. لكن الأهم من عدد الاكتتابات هو نوعيتها والرسالة التي تحملها، فكل اكتتاب جديد في قطاع غير نفطي هو دليل ملموس على أن رؤية 2030 ليست مجرد شعارات على الورق بل تتحول إلى واقع اقتصادي قابل للقياس والتقييم. وهذا بالضبط ما يريده ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، أن تكون البورصة مرآة تعكس التحول الاقتصادي الجاري وتمويلاً يغذيه في آن واحد.

شاشة بورصة تعرض مؤشرات أسهم صاعدة باللون الأخضر

الخصخصة كفلسفة: الدولة تتراجع ليتقدم السوق

خلف موجة الاكتتابات يكمن محرك استراتيجي أعمق، برنامج الخصخصة الذي يمثل أحد الركائز الأساسية لرؤية 2030. فالمملكة التي هيمنت فيها الدولة تاريخياً على معظم القطاعات الاقتصادية، من الطاقة والاتصالات إلى التعليم والصحة، تسعى الآن إلى نقل ملكية وإدارة كثير من هذه الأنشطة إلى القطاع الخاص عبر آليات متعددة أبرزها الطرح في البورصة. وبرنامج الخصخصة السعودي يستهدف ستة عشر قطاعاً تشمل المياه والكهرباء والنقل والخدمات البلدية والرياضة، وهو ما يعني أن موجة الاكتتابات الحالية قد تكون مجرد بداية لموجة أكبر بكثير في السنوات القادمة. والهدف المعلن هو رفع مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي من أربعين بالمئة إلى خمسة وستين بالمئة بحلول عام 2030، وهو هدف طموح يتطلب نقل مئات المليارات من الريالات من يد الدولة إلى يد السوق.

لكن الخصخصة ليست عملية تقنية بحتة بل هي تحول ثقافي واجتماعي عميق، ففي مجتمع اعتاد أن تكون الدولة هي المُوظِّف الأكبر والمزود الأول للخدمات، يتطلب الانتقال إلى نموذج يقوده القطاع الخاص تغييراً في العقليات والتوقعات. وثمة تحديات حقيقية تواجه هذا التحول، من ضعف الحوكمة في بعض الشركات المملوكة للدولة التي تحتاج إلى إعادة هيكلة جذرية قبل طرحها، إلى مقاومة بعض الجهات البيروقراطية التي تخشى فقدان نفوذها وميزانياتها، إلى القلق الشعبي من احتمال ارتفاع أسعار الخدمات بعد خصخصتها. والتجربة الدولية تخبرنا أن الخصخصة يمكن أن تكون محركاً للكفاءة والنمو كما حدث في بريطانيا في عهد تاتشر، أو كارثة اجتماعية كما حدث في روسيا في التسعينيات، والفارق يكمن في جودة التنظيم وشفافية العملية وعدالة توزيع العوائد.

المستثمر الأجنبي: الضيف المرغوب الذي لا يأتي بسهولة

من أهم أهداف موجة الاكتتابات جذب الاستثمار الأجنبي المباشر وغير المباشر إلى السوق السعودية. وقد حققت المملكة تقدماً ملموساً في هذا المجال، فبعد إدراج السوق في مؤشر MSCI للأسواق الناشئة في عام 2019 ومؤشر فوتسي راسل، ارتفعت حصة المستثمرين الأجانب في السوق من أقل من خمسة بالمئة إلى ما يقارب اثني عشر بالمئة من القيمة السوقية. لكن هذه النسبة لا تزال أقل بكثير مما تطمح إليه المملكة وأقل من نظيراتها في أسواق ناشئة مثل كوريا الجنوبية وتايوان والبرازيل حيث تتراوح حصة الأجانب بين عشرين وخمسة وثلاثين بالمئة. والأسباب متعددة ومعقدة، فبعض المستثمرين الدوليين لا يزالون يرون السوق السعودية سوقاً نفطية بالدرجة الأولى ولا يثقون بعد في عمق التنويع الاقتصادي الجاري، وبعضهم يشعر بالقلق من البيئة الجيوسياسية المتوترة في المنطقة، وبعضهم يواجه صعوبات عملية تتعلق بآليات التسوية وقواعد الملكية الأجنبية والحوكمة المؤسسية.

والتحدي الأكبر ربما يكمن في ما يسميه المحللون "خصم الحوكمة"، أي أن كثيراً من الشركات المدرجة في تداول لا تزال تعمل وفق معايير حوكمة أقل صرامة مما يتوقعه المستثمرون المؤسسيون الدوليون. فمجالس الإدارات لا تزال في كثير من الحالات خاضعة لسيطرة العائلات المؤسسة أو الجهات الحكومية، والإفصاح المالي لا يرقى دائماً إلى المعايير الدولية، وحقوق المساهمين الأقلية ليست محمية بالقدر الكافي. وهيئة السوق المالية السعودية تعمل بجد على معالجة هذه الثغرات، من خلال تحديث أنظمة الحوكمة وتشديد متطلبات الإفصاح وتعزيز الرقابة على التداول، لكن بناء الثقة المؤسسية عملية بطيئة تحتاج سنوات من الأداء المتسق.

منظر جوي للعاصمة الرياض مع أبراجها الحديثة

سوق نمو: الحاضنة التي تصنع عمالقة الغد

من أذكى القرارات التي اتخذتها هيئة السوق المالية السعودية إطلاق سوق نمو الموازية في عام 2017، وهي سوق مخصصة للشركات الصغيرة والمتوسطة التي لا تستوفي بعد شروط الإدراج في السوق الرئيسية لكنها تمتلك إمكانات نمو عالية. هذه السوق التي بدأت بعدد محدود من الشركات تضم اليوم أكثر من ثمانين شركة في قطاعات متنوعة، من التقنية والتعليم إلى الأغذية والخدمات الصحية، وقد أثبتت أنها حاضنة فعالة تتيح للشركات الناشئة الوصول إلى رأس المال والخبرة المؤسسية التي تحتاجها للنمو والتوسع. وبعض الشركات التي بدأت في سوق نمو انتقلت بالفعل إلى السوق الرئيسية بعد أن حققت الحجم والنضج المؤسسي المطلوبين، وهو ما يثبت نجاح النموذج التدريجي الذي تبنته الهيئة. والمقارنة مع تجربة بورصة AIM في لندن التي أُطلقت في التسعينيات لنفس الغرض تكشف أن سوق نمو تسير على مسار مشابه وإن كانت لا تزال في مراحلها الأولى.

لكن التحدي الذي يواجه سوق نمو هو ضعف السيولة، فحجم التداول اليومي لا يزال محدوداً مقارنة بالسوق الرئيسية، وهو ما يجعل بعض المستثمرين يترددون في الدخول خوفاً من عدم القدرة على الخروج بسهولة عند الحاجة. كما أن بعض الشركات المدرجة في سوق نمو لا تلتزم بمعايير إفصاح كافية وتفتقر إلى حوكمة مؤسسية ناضجة، وهو ما أدى في بعض الحالات إلى تقلبات سعرية حادة غير مبررة بالأساسيات. ومع ذلك فإن وجود هذه السوق يبقى ضرورياً لأي منظومة مالية تطمح إلى الشمولية، فالبورصات الكبرى في العالم لا تُبنى فقط بالشركات العملاقة بل بالنسيج المتنوع من الشركات بمختلف أحجامها ومراحل نموها. والتجربة البريطانية مع سوق AIM تكشف أن مثل هذه الأسواق تحتاج عادة إلى عقد كامل أو أكثر حتى تبلغ مرحلة النضج، وسوق نمو السعودية لا تزال في سنواتها الأولى وأمامها مسار طويل لكن واعد إذا استمرت الهيئة في تطوير آليات الإدراج والإفصاح وحماية المستثمرين.

والبعد الاجتماعي لسوق نمو لا يقل أهمية عن بعدها المالي، فهي تمثل فرصة حقيقية لرواد الأعمال السعوديين الشباب الذين يبنون شركاتهم من الصفر ويحتاجون إلى رأس مال للتوسع لا يتوفر دائماً من البنوك التقليدية أو صناديق رأس المال الجريء المحدودة في المملكة. والقدرة على طرح أسهم شركة ناشئة في بورصة منظمة، حتى لو كانت بورصة موازية بمتطلبات أخف، تمنح هؤلاء الرواد شرعية مؤسسية وتقييماً سوقياً شفافاً وإمكانية الوصول إلى قاعدة أوسع من المستثمرين. وإذا نجحت سوق نمو في أن تصبح الحاضنة التي تنتج الشركات الكبرى القادمة، شركات قد تكون يوماً بحجم أرامكو أو سابك في مجالات التكنولوجيا والخدمات، فإنها ستكون قد حققت هدفاً يفوق بكثير مجرد إضافة أسهم جديدة إلى لوحة التداول.

الطروحات القادمة: من يطرق باب البورصة؟

النظر إلى قائمة الشركات المرشحة للطرح في السنوات القادمة يكشف عن حجم التحول الذي تمر به المملكة. فمن بين الأسماء المتداولة في أوساط المصرفيين والمحللين: شركات تابعة لصندوق الاستثمارات العامة في قطاعات السياحة والترفيه والمياه، وشركات تقنية ناشئة نمت بسرعة مذهلة في السنوات الأخيرة، وشركات لوجستية تستفيد من موقع المملكة الاستراتيجي على مفترق طرق التجارة العالمية بين آسيا وأوروبا وأفريقيا. والأهم من ذلك أن صندوق الاستثمارات العامة، الذي يدير أصولاً تتجاوز تسعمئة مليار دولار، أعلن صراحة عن نيته طرح عدد من شركاته في البورصة كجزء من استراتيجيته لتحقيق عوائد مالية وتعزيز الشفافية وتطوير السوق المالية. وكل طرح من هذه الطروحات سيكون حدثاً بذاته نظراً لحجم هذه الشركات وأهميتها الاستراتيجية، وسيجذب بالضرورة اهتمام المستثمرين الإقليميين والدوليين.

رسم بياني يوضح نمو الأسواق المالية بخطوط صاعدة

الرهان الكبير: بين الطموح والاستدامة

في المحصلة، تمثل موجة الاكتتابات السعودية أكثر من مجرد ظاهرة مالية، إنها انعكاس لتحول اقتصادي واجتماعي شامل يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والسوق والمجتمع في أكبر اقتصاد عربي. والنجاح في هذا التحول ليس مضموناً، فالتاريخ مليء بأمثلة لدول حاولت تحديث أسواقها المالية بسرعة فانتهت إلى فقاعات مؤلمة، من فقاعة السوق السعودية نفسها في 2006 حين خسر المؤشر أكثر من خمسين بالمئة من قيمته في أسابيع، إلى الأزمة المالية الآسيوية في 1997 التي كشفت عن هشاشة أسواق بدت قوية ومزدهرة. لكن الفارق هذه المرة هو أن المملكة تملك موارد مالية هائلة وإرادة سياسية واضحة وخطة متكاملة، وإن كانت الموارد والإرادة والخطط لا تكفي وحدها دون تنفيذ متقن وقدرة على التكيف مع المفاجآت. والسؤال الذي سيحدد مصير هذه التجربة ليس ما إذا كانت المملكة تستطيع جذب الاكتتابات، فقد أثبتت قدرتها على ذلك، بل ما إذا كانت تستطيع بناء سوق عميقة وسائلة وشفافة تصمد أمام الأزمات وتخدم الاقتصاد الحقيقي لا مجرد المضاربين، سوق تكون أداة لخلق الثروة وتوزيعها لا لتركيزها في أيدٍ قليلة، وهذا هو التحدي الأصعب والأجدر بالاهتمام.

حسام بعكة

حسام بعكة

كاتب ومحلل اقتصادي متخصص في شؤون الشرق الأوسط والاقتصاد العالمي. يقدم تحليلات معمّقة تربط بين الجيوسياسة والأسواق والتحولات الاقتصادية الكبرى.

المزيد عن الكاتب

مقالات ذات صلة