H.Bاقتصاد الشرق
القمح كسلاح حرب في الشرق الأوسط
جيوسياسة اقتصادية

القمح كسلاح حرب في الشرق الأوسط

حسام بعكة

حسام بعكة

٤ مارس ٢٠٢٦ · 14 دقيقة

من فرن عم حسن في السيدة زينب إلى حقول أوكرانيا المشتعلة، رحلة الرغيف العربي تكشف أن السيادة الغذائية أسطورة حتى للقوى العظمى ، والجواب في الاعتماد الذكي لا الاكتفاء المستحيل.

في حيّ السيدة زينب بقلب القاهرة، يستيقظ عم حسن كل فجر ليشعل فرنه البلدي قبل أن تطلع الشمس. ستون عامًا وهو يعجن الدقيق ويُشكّل الأرغفة ويُراقب النار، لكن في ربيع 2022 حدث ما لم يعرفه في حياته كلها: نفد الدقيق. لم ينفد بسبب جفاف ولا بسبب وباء، بل لأن دبابات عبرت حدودًا على بُعد أربعة آلاف كيلومتر من فرنه، في بلد لم يسمع به معظم زبائنه. حين أغلق عم حسن فرنه ذلك اليوم وعلّق لافتة "لا يوجد عيش"، كان يختصر دون أن يدري واحدة من أعقد المعادلات الجيوسياسية في القرن الحادي والعشرين ، معادلة تبدأ من حقول القمح في سهوب أوكرانيا وتنتهي في بطون مئة مليون مصري يعتمدون على رغيف مدعوم تموّله خزينة دولة مثقلة بالديون. وفي صنعاء، على بُعد ألفي كيلومتر جنوبًا، تقف أم محمد في طابور توزيع المعونات منذ الفجر، تحمل طفلها الهزيل على كتفها وتنتظر كيس قمح قد يأتي وقد لا يأتي، في بلد يواجه فيه 17.1 مليون إنسان انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي و5 ملايين على حافة المجاعة المُعلنة.

هاتان الصورتان ، الفرّان المصري والأم اليمنية ، ليستا استثناءً بل قاعدة في منطقة باتت فيها السيادة الغذائية وهمًا حتى بالنسبة للدول التي تملك المال والنهر والأرض. والحقيقة التي يتهرّب منها صنّاع القرار العرب هي أن السيادة الغذائية الكاملة ، بمعنى الاكتفاء الذاتي التام ، أسطورة لا تصمد أمام الجغرافيا والديموغرافيا والمناخ، بل إنها أسطورة حتى بالنسبة للقوى العظمى ذاتها. الولايات المتحدة، أكبر مُصدّر للغذاء في العالم، تستورد 15% من إمداداتها الغذائية. الصين، رغم إطعامها 1.4 مليار إنسان، تستورد أكثر من 100 مليون طن من فول الصويا سنويًا. الجواب الحقيقي ليس في الاكتفاء المستحيل، بل في الاعتماد الذكي: تنويع المصادر، وبناء مخزونات استراتيجية عميقة، وإقامة شراكات متعددة الأطراف تجعل قطع الإمداد مُكلفًا للجميع لا لطرف واحد.

المجاعات الكبرى في التاريخ لم تكن يومًا نتاج شحّ في الطبيعة بقدر ما كانت نتاج قرارات سياسية ، من يملك الحبوب يملك مفاتيح الاستقرار، ومن يفقدها يفقد كل شيء

أشباح المجاعات الكبرى: حين يقتل القرار السياسي لا الطبيعة

ثمة درس تاريخي يُعاد كتابته بالدم في كل جيل، لكن البشرية تأبى أن تتعلمه: المجاعات الكبرى لا تصنعها الطبيعة بل تصنعها السياسة. في إيرلندا بين عامي 1845 و1849، حين ضربت آفة فطرية محصول البطاطا ، الغذاء الرئيسي للفلاحين الإيرلنديين ، لم تكن الكارثة في الآفة ذاتها بل في استجابة الإمبراطورية البريطانية التي واصلت تصدير الحبوب الإيرلندية إلى إنجلترا بينما كان الإيرلنديون يموتون على جوانب الطرقات. مليون قتيل ومليونا مهاجر، لا لأن الأرض بخلت بل لأن القرار السياسي في لندن رأى أن منطق السوق الحرة أهم من حياة الجياع. وبعد قرن تقريبًا، في البنغال عام 1943، تكرر المشهد بحذافيره: أمر تشرشل بتحويل إمدادات الأرز البنغالية لتغذية المجهود الحربي البريطاني، فمات ثلاثة ملايين إنسان في مجاعة كان يمكن تفاديها لو أن القرار السياسي وضع البشر قبل الإمبراطورية. هاتان المجاعتان ليستا حكايتين من الماضي البعيد ، إنهما النموذج الذي يتكرر اليوم في السودان الذي أعلن ثالث مجاعة رسمية في تاريخ نظام التصنيف المرحلي المتكامل، حيث يواجه 24.6 مليون إنسان سوء تغذية حادًا ليس بسبب الجفاف بل بسبب حرب أهلية حوّلت صوامع الغلال إلى ثكنات عسكرية ومنعت قوافل الإغاثة من الوصول إلى المحتاجين.

الفارق بين المجاعة الإيرلندية والمجاعة السودانية هو فارق في الأدوات لا في الجوهر. في القرن التاسع عشر كان السلاح هو قوانين التصدير الإمبريالية، واليوم السلاح هو الحصار العسكري وتدمير البنية التحتية الزراعية واستخدام الغذاء كورقة ضغط بين أطراف النزاع. والنتيجة واحدة: بشر يموتون لا لأن الأرض عجزت عن إنتاج ما يكفي، بل لأن القرار السياسي قرر أن موتهم ثمن مقبول لتحقيق أهداف أخرى. هذه هي المعادلة التي تحكم الأمن الغذائي العربي اليوم، في منطقة تستورد أكثر من نصف غذائها ولا تملك تأثيرًا يُذكر على القرارات التي تتحكم في تدفق هذا الغذاء عبر البحار والحدود.

حقول قمح ذهبية تحت سماء مفتوحة في سهول البحر الأسود
الأمن الغذائي

حالة يتوفر فيها لجميع الأفراد في كل الأوقات إمكانية الحصول الفعلي والاقتصادي على غذاء كافٍ وسليم ومغذٍّ يلبي احتياجاتهم. يُقاس بمؤشرات تشمل توفر الغذاء وإمكانية الوصول إليه واستقرار الإمدادات والقدرة على استخدامه بشكل صحي.

بحر الأسود الأسود: حين احترقت سلة خبز العرب

الأرقام تروي القصة بوحشية لا تحتمل التأويل. مصر ، أكبر مستورد للقمح في العالم بلا منازع ، كانت تحصل على 82% من وارداتها من القمح من روسيا وأوكرانيا مجتمعتين: 60% من روسيا و22% من أوكرانيا. هذا التركّز المذهل في مصدرين يقعان على ضفتي حرب واحدة يُجسّد بدقة مؤلمة ما يعنيه الاعتماد الأعمى على سلسلة إمداد هشة. حين اندلعت الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير 2022، انخفضت واردات القمح المصري من أوكرانيا بنسبة 73.6% في السنة التقويمية 2022 مقارنة بالعام السابق، وفقًا لبيانات وزارة الزراعة الأمريكية. لم يكن الانخفاض تدريجيًا أو قابلًا للإدارة ، كان صدمة مباغتة ضربت منظومة دعم الخبز التي تُطعم أكثر من 70 مليون مصري، وهدّدت بتحويل أزمة اقتصادية إلى انفجار اجتماعي في بلد يحمل ذاكرة الربيع العربي في كل شارع ومخبز.

مبادرة حبوب البحر الأسود التي رعتها الأمم المتحدة وتركيا كانت طوق نجاة مؤقتًا ، نحو ثلث الحبوب المُصدَّرة عبرها كانت تتجه إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. لكن روسيا انسحبت من المبادرة في يوليو 2023، وتحوّل طوق النجاة إلى حبل مشنقة. مؤشر أسعار الغذاء لمنظمة الأغذية والزراعة (الفاو) بلغ ذروة 140.6 نقطة في يوليو 2022 قبل أن يتراجع إلى 122.3 في يونيو 2023 ، انخفاض بنسبة 11.6% ، لكن هذا التراجع في المؤشر العالمي لم يُترجم بالضرورة إلى انخفاض على أرفف المتاجر العربية، لأن انهيار العملات المحلية أمام الدولار كان يبتلع أي تحسن في الأسعار العالمية قبل أن يصل إلى جيب المستهلك. المعادلة قاسية في بساطتها: حتى لو انخفض سعر القمح عالميًا، فإن المواطن المصري أو التونسي أو اللبناني يدفع أكثر بالعملة المحلية، لأن عملته تنزف قيمتها في الاتجاه المعاكس.

والأخطر من ارتفاع الأسعار هو ما كشفته هذه الأزمة من هشاشة بنيوية مزمنة: المخزونات الاستراتيجية في معظم الدول العربية لا تتجاوز ثلاثة أشهر في أحسن الأحوال، وبعض الدول ، لبنان بعد انفجار المرفأ الذي دمّر صوامعه ، لا تملك حتى البنية التحتية لتخزين ما يكفي لأسابيع. هذا يعني أن أي انقطاع في الإمدادات يتجاوز بضعة أسابيع يمكن أن يتحول إلى أزمة وجودية حقيقية.

مصر: الهشاشة المُدارة

أكبر مستورد قمح عالميًا ، 82% من روسيا وأوكرانيا ، مخزون استراتيجي لا يتجاوز 3 أشهر ، دعم خبز يُطعم 70 مليون مواطن

اليمن والسودان: الانهيار المكتمل

17.1 مليون يمني يواجهون انعدام أمن غذائي حاد ، 24.6 مليون سوداني بسوء تغذية ، استيراد أكثر من 90% من الغذاء ، صوامع مدمرة ومعونات محجوبة

لبنان واليمن والسودان: ثالوث الجوع العربي

إذا كانت مصر تمثل الهشاشة المُدارة ، دولة تترنح لكنها لا تسقط بفضل حجمها ودعمها الدولي ، فإن لبنان واليمن والسودان يمثلون الانهيار المُكتمل. في لبنان، ارتفعت أسعار الغذاء بنسبة 261% بين فبراير 2022 وفبراير 2023، وبلغ التضخم السنوي في أسعار الغذاء 350% ، الأعلى على مستوى العالم. بلد كان يُلقَّب بـ"سويسرا الشرق" أصبح مواطنوه يقفون في طوابير المعونات الغذائية، ليس فقراؤه بل طبقته الوسطى التي تبخّرت مدخراتها في أكبر عملية سطو مصرفي منظّم في التاريخ الحديث. انفجار مرفأ بيروت في أغسطس 2020 لم يقتل 220 شخصًا فحسب ، دمّر صوامع الحبوب الرئيسية في البلاد، وحوّل لبنان من دولة بمخزون غذائي هشّ إلى دولة بلا مخزون على الإطلاق.

في اليمن، تتجاوز الأزمة مفهوم انعدام الأمن الغذائي إلى ما يصفه عمال الإغاثة بـ"الجحيم الصامت". 17.1 مليون يمني يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، و5 ملايين منهم على حافة المجاعة الكاملة. أطفال يموتون ببطء من سوء التغذية الحاد في مستشفيات لا تملك أدوية، وعائلات تأكل أوراق الشجر في مناطق حصار لا تصلها قوافل الإغاثة. اليمن يستورد أكثر من 90% من غذائه، وكل ارتفاع في أسعار الحبوب العالمية يُترجم مباشرة إلى أطفال إضافيين في أجنحة سوء التغذية. أما السودان فقد دخل منذ اندلاع حربه الأهلية في أبريل 2023 دوامة لم تعرفها أفريقيا منذ عقود: 24.6 مليون يواجهون سوء تغذية حادًا، في ثالث إعلان رسمي عن مجاعة في تاريخ نظام التصنيف المرحلي المتكامل ، بعد الصومال 2011 وجنوب السودان 2017. الحرب حوّلت سلة غذاء أفريقيا المحتملة إلى أكبر أزمة جوع على وجه الأرض.

FAO ، مؤشر أسعار الغذاء العالمي: ذروة 140.6 نقطة في يوليو 2022
طوابير توزيع المعونات الغذائية في مدينة عربية

كلفة الرغيف: حين تتآكل الميزانيات والشرعيات

دعم الخبز في العالم العربي ليس مجرد بند في الميزانية ، إنه عقد اجتماعي غير مكتوب بين الحاكم والمحكوم، معادلة ضمنية تقول: نحن نُطعمك وأنت تُطيع. كسر هذا العقد كان تاريخيًا أخطر من كسر أي اتفاق سياسي. في مصر عام 1977، حين حاول أنور السادات رفع أسعار الخبز بضعة قروش استجابةً لشروط صندوق النقد الدولي، اندلعت "انتفاضة الخبز" التي كادت تُسقط نظامه ، وهو الرجل الذي نجا من حرب 1973 وتحدّى الاتحاد السوفيتي. الخبز أقوى من الدبابة في الشارع العربي. هذا الدرس لم يغب عن النظام المصري الحالي الذي وجد نفسه أمام معادلة مستحيلة بعد 2022: كلفة دعم الخبز كانت من المتوقع أن تتضاعف من نحو 3 مليارات دولار إلى 5.7 مليارات سنويًا، في وقت يُعاني فيه الاقتصاد من شح حاد في العملة الصعبة وتضخم يلتهم القدرة الشرائية. الحكومة محاصرة: صندوق النقد الدولي يُطالب بتقليص الدعم كشرط لحزمة الإنقاذ، والشارع لا يحتمل مزيدًا من الأعباء، والذاكرة الجماعية لا تنسى 2011.

والمفارقة أن دعم الخبز ، رغم تكلفته الباهظة ، هو الاستثمار الأرخص في الاستقرار الاجتماعي. كلفة عدم الدعم ، بمعنى الاضطرابات والهجرة وانهيار المؤسسات ، أغلى بما لا يُقاس من كلفة بضعة مليارات تُنفق على القمح. هذا ما يفهمه الحكام العرب غريزيًا، وهو ما يجعلهم يتمسكون بمنظومة الدعم رغم عدم كفاءتها الاقتصادية ، لأن الثمن السياسي لإلغائها قد يكون نهاية الحكم ذاته.

أسطورة السيادة الغذائية: لماذا الاكتفاء الذاتي كذبة كبرى

هنا يجب أن نقول ما لا يُحبّ أحد سماعه: السيادة الغذائية الكاملة ، بمعنى أن تُنتج الدولة كل ما يأكله شعبها ، هي وهم أيديولوجي لا يصمد أمام حقائق الجغرافيا والمناخ والاقتصاد. لا توجد دولة كبرى واحدة تُحقق اكتفاءً ذاتيًا غذائيًا كاملًا. الولايات المتحدة تستورد الفاكهة الاستوائية والقهوة والشوكولاتة. اليابان تستورد 63% من سعراتها الحرارية. حتى فرنسا، أكبر منتج زراعي أوروبي، تعتمد على استيراد البروتينات النباتية لعلف حيواناتها. الهدف ليس الاكتفاء التام بل ما يمكن تسميته "الاعتماد الذكي" ، تنويع مصادر الاستيراد بحيث لا يتجاوز اعتماد أي دولة على مورّد واحد نسبة 20%، وبناء مخزونات استراتيجية تكفي لستة أشهر على الأقل، وتطوير قدرات إنتاجية محلية في المحاصيل الأساسية حتى لو لم تُغطِّ الاحتياج الكامل. النموذج السنغافوري يستحق التأمل: دولة مدينة بلا أراضٍ زراعية تقريبًا، لكنها بنت منظومة أمن غذائي من الأكثر صلابة في العالم عبر تنويع مستورداتها من أكثر من 170 دولة وإقامة مخزونات ضخمة والاستثمار في الزراعة العمودية عالية التقنية.

المشكلة العربية ليست في الاستيراد ذاته ، فكل العالم يستورد الغذاء ، بل في الاستيراد الأعمى المُركَّز في مصادر محدودة دون بدائل جاهزة ودون مخزونات كافية. مصر التي تعتمد على روسيا وأوكرانيا بنسبة 82% من قمحها كانت تضع كل بيضها في سلة واحدة تقع في منطقة حرب. والحل لا يكمن في زراعة القمح في الصحراء ، وهو مشروع مُكلف مائيًا واقتصاديًا ، بل في بناء شبكة موردين عالمية تمتد من الأرجنتين إلى أستراليا ومن كندا إلى كازاخستان، مع عقود طويلة الأجل واحتياطيات مالية مُخصصة لشراء الحبوب في أوقات الوفرة والتخزين لأوقات الشح.

صوامع حبوب ضخمة في ميناء تجاري على البحر المتوسط
  • 1845-1849المجاعة الإيرلندية الكبرى ، مليون قتيل بسبب قرارات سياسية بريطانية لا بسبب الطبيعة
  • 1977انتفاضة الخبز في مصر بعد محاولة السادات رفع الأسعار
  • فبراير 2011مؤشر أسعار الغذاء يبلغ ذروة تاريخية ، الشهر ذاته لسقوط مبارك
  • فبراير 2022الغزو الروسي لأوكرانيا يقطع 22% من واردات القمح المصري
  • يوليو 2023روسيا تنسحب من مبادرة حبوب البحر الأسود

الربيع العربي والبطن الفارغ: معادلة الخبز والحرية

من لا يقرأ انتفاضات 2010-2011 بعين الغذاء لا يقرأها بالكامل. مؤشر أسعار الغذاء العالمي بلغ ذروة تاريخية في فبراير 2011 ، الشهر ذاته الذي سقط فيه حسني مبارك. في تونس، البوعزيزي لم يُحرق نفسه احتجاجًا مجردًا على الاستبداد بل لأن شرطية صادرت عربة الخضار التي يُطعم منها عائلته. في الجزائر، اندلعت "أحداث الزيت والسكر" في يناير 2011 بسبب ارتفاع مفاجئ في أسعار المواد الغذائية الأساسية. وفي الأردن، خرج المحتجون إلى الشوارع حاملين أرغفة الخبز كرمز للكرامة المفقودة. العلاقة بين بطن الإنسان وقراره السياسي ليست مجازًا أدبيًا ، إنها معادلة فيزيائية تتكرر بدقة رياضية: حين يتجاوز الإنفاق على الغذاء 40% من دخل الأسرة، تنفجر الاحتجاجات. وفي معظم الدول العربية غير النفطية، يتراوح هذا الإنفاق بين 35% و50%، أي على حافة الانفجار الدائم.

هذا يعني أن أي طرف دولي يمتلك ورقة الغذاء ، روسيا بقمحها، أمريكا بذرتها وفول صوياها، أستراليا بشعيرها ، يمتلك فعليًا مفتاح الاستقرار السياسي لمنطقة بأكملها. والأخطر أن هؤلاء اللاعبين يعرفون ذلك ويستخدمونه. روسيا استخدمت تعليق مبادرة حبوب البحر الأسود كورقة ضغط على الغرب، وكل تعليق كان يُترجم إلى ارتفاع فوري في أسعار الخبز في القاهرة وتونس والرباط. واشنطن تستخدم المعونات الغذائية كأداة نفوذ ناعم في اليمن والسودان والقرن الأفريقي. الغذاء لم يعد سلعة ، أصبح سلاحًا استراتيجيًا لا يقل فاعلية عن الصواريخ، وربما يتفوق عليها في قدرته على تغيير الأنظمة دون إطلاق رصاصة واحدة.

USDA ، بيانات واردات القمح المصري حسب المصدر، 2022-2024

الزراعة الذكية والمال الخليجي: رهانات الأمل الحذر

ليس كل المشهد قاتمًا. ثمة تحولات حقيقية تحدث، وإن كانت بطيئة وغير متناسبة مع حجم التهديد. دول الخليج، التي أدركت بعد صدمة 2008 أن النفط لا يُطعم إذا أُغلقت موانئ العالم، بدأت تستثمر بكثافة في الأمن الغذائي. السعودية استحوذت على أراضٍ زراعية في أوكرانيا وأستراليا وأفريقيا. الإمارات تستثمر في الزراعة العمودية والمائية المتقدمة ، شركة "بيور هارفست" الإماراتية تُنتج طماطم في الصحراء بإنتاجية تفوق الزراعة التقليدية بعشرة أضعاف. لكن هذه المشاريع، رغم تألقها التكنولوجي، لا تزال قطرة في محيط الاحتياج. الزراعة العمودية تنجح في إنتاج الخضروات والأعشاب، لكنها لا تستطيع إنتاج القمح والأرز ، المحاصيل الأساسية التي تُطعم المنطقة ، بتكلفة تنافسية. والاستثمار الزراعي الخارجي يحمل مخاطره السياسية: حين تشتعل حرب أهلية في السودان أو تتغير حكومة في إثيوبيا، تصبح تلك المزارع الخليجية رهينة لظروف لا يتحكم فيها أصحابها.

الحل الأكثر واقعية ، والأقل إثارة للعناوين ، يكمن في ما يمكن تسميته "البنية التحتية للصمود الغذائي": صوامع تخزين ضخمة بسعة تكفي لستة أشهر على الأقل، وشبكة عقود استيراد طويلة الأجل مع عشرات الدول المُنتِجة لا مع اثنتين أو ثلاث، وصندوق عربي مشترك للطوارئ الغذائية يُموَّل من عائدات النفط في سنوات الوفرة، واستثمار حقيقي في البحث الزراعي لتطوير أصناف قمح تتحمل الجفاف والملوحة ، وهو مجال تتفوق فيه المراكز البحثية العربية كالمركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة (إيكاردا) الذي طُرد من سوريا بسبب الحرب ويعمل الآن من المغرب ولبنان بإمكانات أقل بكثير مما يحتاج.

ما وراء القمح: خريطة الغذاء المقبلة

التركيز على القمح ، رغم مشروعيته ، يُخفي أزمات غذائية أخرى تتشكل بصمت. الأرز، الغذاء الرئيسي لملايين في مصر والعراق واليمن، يخضع لقيود تصدير هندية منذ 2023 ، والهند تُنتج 40% من صادرات الأرز العالمية. الزيوت النباتية، التي ارتفعت أسعارها بنسب قياسية بعد حرب أوكرانيا وإندونيسيا حين حظرت تصدير زيت النخيل، تُشكّل عبئًا متزايدًا على الأسر العربية. والسكر، الذي لا يحظى باهتمام استراتيجي كافٍ رغم أنه مكوّن أساسي في غذاء المنطقة، يخضع هو الآخر لتقلبات الأسواق العالمية والسياسات البرازيلية. خريطة الأمن الغذائي العربي لا يمكن اختزالها في محصول واحد ، إنها شبكة معقدة من سلاسل الإمداد العالمية التي يمكن لأي صدمة في أي نقطة أن تُحدث موجة ارتدادية تصل إلى أسواق القاهرة والرباط وبغداد في غضون أسابيع.

المياه هي البُعد الآخر الغائب عن النقاش العام. الزراعة تستهلك أكثر من 80% من المياه المتاحة في معظم الدول العربية، والموارد المائية تتراجع بفعل التغير المناخي والنمو السكاني والاستنزاف الجائر. سد النهضة الإثيوبي يُهدد حصة مصر من مياه النيل ، وهي مياه تُستخدم لري الأراضي التي تُنتج ما تبقى من القمح المحلي. المياه الجوفية في السعودية تنضب بمعدلات مُقلقة بعد عقود من استخدامها لزراعة القمح في الصحراء ، مشروع أوقفته المملكة تدريجيًا بعد إدراكها أنها تستنزف ثروة لا تتجدد. وفي العراق، يتراجع منسوب دجلة والفرات بسبب السدود التركية، مما يُهدد الزراعة في بلاد ما بين النهرين ، سلة غذاء الحضارة الأولى.

الخلاصة التي لا يُريد أحد سماعها

الحقيقة التي يتهرب منها الخطاب الرسمي العربي هي أن الأمن الغذائي ليس مشكلة تقنية يحلّها المزيد من الاستثمار الزراعي ، إنه مشكلة جيوسياسية تتطلب إعادة تفكير جذرية في مفهوم السيادة ذاته. لا يمكن لمنطقة تستورد أكثر من نصف غذائها أن تدّعي السيادة الكاملة مهما امتلكت من نفط وأسلحة. لكن الاعتراف بهذه الحقيقة ليس دعوة للاستسلام بل دعوة للذكاء: بناء شبكات إمداد متنوعة لا يستطيع طرف واحد قطعها، وتخزين احتياطيات تكفي لأن تعبر الأزمة دون أن تعبرك، وتطوير قدرات إنتاجية محلية لا تُغني عن الاستيراد لكنها تُقلل من الصدمة حين ينقطع، وقبل كل شيء ، إدراك أن الرغيف ليس مجرد طعام بل هو العقد الاجتماعي الذي يحفظ الدولة من الانهيار. عم حسن في السيدة زينب لا يعرف شيئًا عن نظرية اللعب ولا عن سلاسل الإمداد العالمية ولا عن مبادرة حبوب البحر الأسود ، كل ما يعرفه أن الناس تحتاج خبزًا، وأن الخبّاز الذي لا يجد دقيقًا ليس خبّازًا. هذه البساطة القاسية هي جوهر المسألة التي تتجاهلها كل الاستراتيجيات المُعقّدة: في النهاية، كل السياسة تعود إلى الرغيف.

حسام بعكة

حسام بعكة

كاتب ومحلل اقتصادي متخصص في شؤون الشرق الأوسط والاقتصاد العالمي. يقدم تحليلات معمّقة تربط بين الجيوسياسة والأسواق والتحولات الاقتصادية الكبرى.

المزيد عن الكاتب

مقالات ذات صلة