H.Bاقتصاد الشرق
القمح كسلاح حرب في الشرق الأوسط
جيوسياسة اقتصادية

القمح كسلاح حرب في الشرق الأوسط

حسام بعكة

حسام بعكة

٤ مارس ٢٠٢٦ · 12 دقيقة

في منطقة تستورد أكثر من نصف غذائها، أصبح القمح أداة ضغط جيوسياسي لا تقل خطورة عن الصواريخ. من يتحكّم بالحبوب يتحكّم بمصير الشعوب.

في عام 1798، حين أبحر نابليون بونابرت بأسطوله نحو مصر، كان يعرف ما يعرفه كل فاتح عظيم قبله: أن إطعام الشعوب والتحكم في مصادر غذائها هو الشرط الأول للسيطرة عليها. عبر القرون، تغيّرت أشكال الحروب وتطورت أسلحتها، وتحولت المعارك من ميادين الرمال إلى طاولات التفاوض والضغط الاقتصادي، لكن الغذاء بقي سلاحًا راسخًا في ترسانة القوى العظمى، بل ربما أصبح أكثر فاعلية في القرن الحادي والعشرين مما كان عليه في عصر السيوف والمدافع.

في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهي منطقة تستورد أكثر من نصف احتياجاتها الغذائية من الخارج، بات القمح أداة جيوسياسية لا تقل خطورة عن الصواريخ الباليستية. فالصاروخ يدمّر البنية التحتية ويوقع الضحايا، لكن المجاعة تُسقط الحكومات وتُفضي إلى ثورات وانهيارات تترك جروحًا لا يُضمّدها جيل واحد. والدرس الذي يُكرّره التاريخ بوحشية هو هذا: الشعب الجائع لا يملك ترف المقاومة، إنه يُفكّر في البقاء قبل أن يُفكّر في الكرامة.

خريطة الهشاشة: حين يصير الرغيف رهينة

الأرقام التي تُصوّر الهشاشة الغذائية للعالم العربي تصدم في وضوحها وتُقلق في دلالاتها. مصر، أكبر مستورد للقمح في العالم بلا منازع، تستورد قرابة 13 مليون طن سنويًا، وتعتمد دعم الخبز المُدعّم لإطعام قرابة 70 مليون مواطن من أصل 106 ملايين. اليمن المنهك بالحرب يستورد أكثر من 90% من غذائه، ويقف على حافة المجاعة الكاملة في مناطق واسعة من أراضيه. لبنان الذي دمّرت انفجارات مرفأ بيروت الكبرى صوامعه الغذائية في لحظة واحدة مأساوية، وجد نفسه أمام شح حاد في الاحتياطيات. الجزائر تستورد 75% من قمحها. دول الخليج مجتمعةً تستورد أكثر من 85% من مجمل غذائها رغم أنها تمتلك ثروات نفطية هائلة.

هذا التركّز الاستيرادي في أيدي مورّدين محدودين يمثّل نقطة ضعف استراتيجية مُزمنة. والأخطر في هذه المعادلة أن الهشاشة ليست مجرد اعتماد على الاستيراد، بل هي اعتماد على الاستيراد من مصادر محدودة جغرافيًا وسياسيًا. فحين تنفجر حرب في بحر الأسود أو تضطرب الملاحة في البحر الأحمر، لا يوجد رافعة بديلة سريعة تُعوّض الصدمة. المخزون الاستراتيجي في معظم الدول العربية لا يتجاوز ثلاثة أشهر، وهذا في أحسن الأحوال.

حقول قمح ممتدة، سلة خبز العالم التي تحوّلت إلى ساحة حرب

روسيا وأوكرانيا: حين تُحترق سلة الخبز

في التاسع من مارس 2022، بعد أسبوعين فقط من بداية الغزو الروسي، أعلنت أوكرانيا حظر تصدير القمح والذرة. وفي الوقت ذاته، فرضت روسيا قيودًا على صادرات الحبوب، مستخدمةً إياها ورقة ضغط في مواجهة العقوبات الغربية. في غضون أسابيع، ارتفعت أسعار القمح في الأسواق الدولية بنسبة 60%، وتضاعفت أسعار الزيوت النباتية، وشهدت أسواق الغذاء العالمية موجة تضخمية لا تزال آثارها قائمة إلى اليوم.

اتفاقية تصدير الحبوب عبر البحر الأسود، التي رعتها الأمم المتحدة وتركيا، عُلِّقت وجُدِّدت وعُلِّقت مرة أخرى، وكل تعليق كان يُترجَم فورًا إلى ارتفاع في أسعار الغذاء في القاهرة وتونس وعمّان والرباط. الغذاء لم يعد سلعة، بل أصبح ورقة تفاوض في الجيوسياسة الكبرى.

الربيع العربي وصدمة الغذاء: تلازم لا يُنكر

المؤرخون الذين سيُعيدون قراءة انتفاضات 2010 و2011 بعين باردة سيُلاحظون حقيقة لم تُقرأ بما يكفي: أن الشرارة الفعلية لكثير منها كانت اقتصادية غذائية بامتياز. في تونس، البوعزيزي لم يُحرق نفسه احتجاجًا على انعدام الحرية السياسية فحسب، بل احتجاجًا على مصادرة عربته التي تبيع الخضار. في مصر، كان ارتفاع أسعار الخبز وقودًا رئيسيًا لاشتعال الغضب الشعبي.

الحقيقة التي تزداد جلاء مع كل أزمة هي أن الاستقرار السياسي في العالم العربي مرتبط ارتباطًا وثيقًا بأسعار الخبز. وهذا يعني أن كل طرف دولي يمتلك ورقة الغذاء يمتلك، حرفيًا، مفاتيح الاستقرار السياسي لمنطقة بأكملها.

صوامع الحبوب، الحصن الغائب في منظومة الأمن الوطني العربي

الاستراتيجيات الخليجية: المال يشتري الأرض لكن لا يُنبت الزراعة

منذ صدمة 2008 الغذائية الكبرى بدأت دول الخليج تبحث عن حلول. السعودية استثمرت في أراضٍ زراعية بإثيوبيا والسودان وأوروبا. الإمارات استحوذت على مزارع في أستراليا وأفريقيا الشرقية. لكن هذا النهج يحمل إشكاليات جوهرية: المجتمعات المحلية في الدول المضيفة تجد نفسها أمام تناقض مُرّ، أراضٍ تُزرع بتمويل خليجي، لكن محاصيلها تُشحن إلى الخليج بينما يعاني السكان المحليون من شح غذائي.

الرهان الثاني هو التكنولوجيا الزراعية المُكثّفة: الإمارات تُراهن على الزراعة العمودية والمحمية. النتائج مُشجّعة تقنيًا، لكن التكلفة ما زالت مرتفعة والكميات المُنتجة لا تُقارن بحجم الاحتياج.

مصر: نهر النيل وحلم الاكتفاء المؤجل

مصر تمثل حالة استثنائية، لا لأنها أحسن حالًا، بل لأن تناقضاتها أكثر حدة. فهي تمتلك نهر النيل وأكثر من 4 ملايين فدان من الأراضي الزراعية وتقليدًا زراعيًا يمتد لسبعة آلاف سنة، ومع ذلك تعجز عن إطعام نفسها. الجواب في الفجوة بين النمو السكاني المتسارع، من 60 مليونًا في التسعينيات إلى 106 ملايين اليوم، والإنتاج الزراعي المقيّد بالأراضي المحدودة وشح المياه.

مشروع الدلتا الجديدة يطمح لاستصلاح مليون ونصف المليون فدان. المشروع ضخم واستثمارات الدولة فيه حقيقية. لكن مياه النيل المُهددة بسد النهضة الإثيوبي تجعل المعادلة أكثر تعقيدًا.

أسواق الغذاء في المدن العربية، حيث تتجلى تداعيات أسعار الحبوب العالمية

درس التاريخ الذي لا نتعلمه

ثمة مفارقة تاريخية مُرّة: كانت منطقة الهلال الخصيب وبلاد المغرب العربي والنيل سلة غذاء العالم القديم لآلاف السنين. الحضارات الأولى نبتت في هذه التربة لأن الزراعة كانت مصدر القوة والاستقرار. اليوم، تستورد معظم هذه الأراضي غذاءها من أوروبا وأمريكا الشمالية وأوستراليا، في انعكاس دراماتيكي لموازين الحضارة والإنتاج.

الغذاء سلاح، هذه حقيقة ينبغي أن تُكتب في مقدمة كل استراتيجية أمن قومي عربي. من يتحكم بالحبوب يتحكم بمصير الشعوب، وهذا ليس شعارًا خطابيًا بل درس كتبته الحروب والأزمات بدم وجوع حقيقيين.

حسام بعكة

حسام بعكة

كاتب ومحلل اقتصادي متخصص في شؤون الشرق الأوسط والاقتصاد العالمي. يقدم تحليلات معمّقة تربط بين الجيوسياسة والأسواق والتحولات الاقتصادية الكبرى.

المزيد عن الكاتب

مقالات ذات صلة