H.Bاقتصاد الشرق
حروب المياه القادمة ستعيد رسم خرائط المنطقة
جيوسياسة اقتصادية

حروب المياه القادمة ستعيد رسم خرائط المنطقة

حسام بعكة

حسام بعكة

٢١ فبراير ٢٠٢٦ · 12 دقيقة

سد النهضة، نهر دجلة، حوض الأردن، المياه تتحوّل من مورد طبيعي إلى سلاح استراتيجي. في منطقة تعاني أصلًا من الشُّح المائي، المعركة القادمة لن تكون على النفط.

حين بنى الفراعنة سدودهم الأولى على النيل قبل خمسة آلاف سنة لم يكونوا يبنون مجرد حواجز هندسية لحجز المياه، بل كانوا يُؤسّسون لأول نموذج دولة في التاريخ البشري قائم على إدارة الموارد المائية. الحضارة المصرية كانت "هبة النيل" كما كتب هيرودوت، والحضارة السومرية كانت هبة دجلة والفرات، والحضارة النبطية في البتراء كانت هبة هندسة المياه في قلب الصحراء. هذه العلاقة العضوية بين الماء والحضارة في منطقتنا ليست مجرد حقيقة تاريخية بل هي مفتاح لفهم الصراعات القادمة التي ستُعيد تشكيل خرائط القوة في الشرق الأوسط. فالمياه على عكس النفط لا بديل لها ولا يمكن تصنيعها ولا يُغني عنها أي اختراع تكنولوجي. والمنطقة العربية التي تحتضن 5% من سكان العالم لكنها لا تملك سوى 1% من مياهه العذبة تسير نحو أزمة وجودية ستُحدّد مصير مئات الملايين من البشر في العقود المقبلة.

نهر يجف في أرض متشققة المشهد الذي يتكرر في أنهار الشرق الأوسط

سد النهضة: حين تتحكم الهندسة بمصائر الشعوب

حين أعلنت إثيوبيا بناء سد النهضة الكبير على النيل الأزرق، أعلنت، دون أن تقول ذلك صراحة، أن حصة مصر التاريخية من مياه النيل لن تكون مضمونة بعد اليوم. السد الذي يُخزّن 74 مليار متر مكعب من المياه يمنح أديس أبابا ورقة ضغط هائلة على القاهرة والخرطوم.

في يوليو 2020 بينما كان العالم منشغلًا بالجائحة بدأت إثيوبيا الملء الأول لخزان سد النهضة الكبير على النيل الأزرق، مُتجاهلة اعتراضات مصر والسودان ومفاوضات لم تُسفر عن اتفاق ملزم بعد عقد من المحادثات. السد الذي يبلغ ارتفاعه 145 مترًا وتبلغ سعته التخزينية 74 مليار متر مكعب من المياه ليس مجرد مشروع كهرومائي بل هو إعلان سيادة إثيوبية على منابع النيل الأزرق الذي يُغذّي 85% من مياه النيل الواصلة إلى مصر. الأثر الاقتصادي المحتمل على مصر يتجاوز ما يتصوّره كثيرون: الزراعة المصرية التي تستهلك أكثر من 80% من حصة البلاد المائية وتُشغّل نحو ربع القوى العاملة مُهددة بفقدان ملايين الأفدنة إذا نقص تدفق النيل بنسبة كبيرة أثناء سنوات الجفاف. إنتاج الكهرباء من السد العالي سيتراجع حتمًا. المفاوضات تراوح مكانها، والقانون الدولي غامض في ما يخص الأنهار العابرة للحدود، وإثيوبيا تمضي في مشروعها بدعم صيني لا يخضع لضغوط واشنطن أو بروكسل.

دجلة والفرات: حين يجفّ رحم بلاد الرافدين

على بُعد ألفي كيلومتر شرقًا، يعيش العراق أزمة مائية وجودية لا تقل خطورة عن أزمة النيل. تركيا بنت أكثر من 600 سد على منابع دجلة والفرات ضمن مشروع "غاب" الضخم، وإيران حوّلت مجاري عشرات الروافد التي كانت تُغذي الأراضي العراقية. النتيجة: تدفق مياه دجلة والفرات إلى العراق انخفض بأكثر من 40% مقارنة بمستويات السبعينيات. الأهوار العراقية التي كانت أكبر مسطح مائي في الشرق الأوسط وموطنًا لحضارة عمرها خمسة آلاف سنة تقلّصت إلى أقل من ثلث مساحتها الأصلية. مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية خرجت من الإنتاج. ملايين المزارعين نزحوا إلى أحزمة الفقر حول بغداد والبصرة. والتصحر يزحف جنوبًا بوتيرة تلتهم ما تبقى من خضرة العراق. البصرة التي كانت تُلقب بـ"فينيسيا الشرق" شهدت في 2018 أزمة تلوث مياه أدخلت أكثر من مئة ألف شخص إلى المستشفيات.

أراضٍ زراعية جافة تحت شمس حارقة

حوض الأردن: الماء الذي سرقه الاحتلال

في فلسطين المحتلة والأردن، يأخذ صراع المياه بُعدًا استعماريًا صريحًا. إسرائيل تسيطر على أكثر من 80% من مياه الخزان الجوفي الجبلي في الضفة الغربية وتمنع الفلسطينيين من حفر آبار جديدة. متوسط استهلاك المستوطن الإسرائيلي من المياه يبلغ ستة أضعاف استهلاك الفلسطيني. نهر الأردن تحوّل إلى ساقية ضحلة بعد أن حوّلت إسرائيل معظم مياهه عبر "الناقل الوطني" شمالًا. البحر الميت ينخفض بمعدل متر واحد سنويًا ويُنذر بالاختفاء خلال عقود. الأردن أحد أفقر عشر دول في العالم مائيًا يعتمد على محطات تحلية مُكلفة وعلى حصة ضئيلة من مياه اليرموك.

الخليج العربي: التحلية كمعادلة بقاء

دول الخليج العربي اختارت التحلية لحل معضلتها المائية في بيئة صحراوية لا أنهار فيها. السعودية تُشغّل أكبر منظومة تحلية في العالم بطاقة تتجاوز سبعة ملايين متر مكعب يوميًا، وتُنفق أكثر من خمسة مليارات دولار سنويًا. الإمارات وقطر والكويت والبحرين تعتمد على التحلية بنسب تتراوح بين 80% و100% من مياه الشرب. لكن هذا الحل يحمل مخاطر استراتيجية: التحلية تستهلك كميات هائلة من الطاقة نحو 15% من إنتاج الكهرباء في بعض دول الخليج. محطات التحلية مُركّزة على السواحل ومعرّضة للهجمات. والمياه المالحة المُركّزة التي تُعاد إلى الخليج ترفع ملوحته وتُهدد التوازن البيئي البحري.

تغير المناخ: المُضاعف الصامت لكل الأزمات

فوق كل هذه الصراعات المائية يأتي تغير المناخ ليُضاعف حدة الأزمة. منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ترتفع حرارتها بمعدل ضعف المتوسط العالمي، والأمطار تتراجع في معظم أنحائها. تقديرات البنك الدولي تُشير إلى أن المنطقة ستفقد 6% إلى 14% من ناتجها المحلي الإجمالي بحلول 2050 بسبب شح المياه المرتبط بتغير المناخ. الأنهار الرئيسية تفقد من تدفقها سنة بعد سنة ليس فقط بسبب السدود بل بسبب تراجع الهطول. المياه الجوفية التي تعتمد عليها الزراعة في أجزاء واسعة من اليمن وليبيا والجزائر تُستنزف بمعدلات تفوق التجدد الطبيعي بأضعاف. والصراع على المياه سيتحوّل إلى صراع داخلي بين القطاعات في معادلة صفرية لا يكسب فيها طرف إلا على حساب آخر.

سد ضخم يحجز مياه نهر
المياه هي النفط الجديد. لكن الفارق الجوهري أن النفط له بدائل بينما الماء لا بديل عنه ومن لا يملك ماءه لا يملك مستقبله. والدول العربية التي بنت استراتيجياتها الأمنية حول النفط والسلاح تحتاج اليوم إلى وضع المياه في صدارة حساباتها الوجودية، قبل أن تتحوّل الأنهار الجافة والآبار الفارغة إلى شواهد على حضارات فشلت في حماية مصدر حياتها الأول.
حسام بعكة

حسام بعكة

كاتب ومحلل اقتصادي متخصص في شؤون الشرق الأوسط والاقتصاد العالمي. يقدم تحليلات معمّقة تربط بين الجيوسياسة والأسواق والتحولات الاقتصادية الكبرى.

المزيد عن الكاتب

مقالات ذات صلة