ثمة لحظات في التاريخ لا تنتهي بانتهاء المعارك، لحظات تُعيد رسم الخرائط وتُحيل اليقينيات إلى رماد. حين اشتعلت نيران غزة في أكتوبر 2023، لم تكن مجرد حرب جديدة تُضاف إلى سجلّ المنطقة الدموي الطويل؛ كانت زلزالًا كاشفًا عرّى هشاشة بنى اقتصادية ظننّا أنها راسخة، وأعاد ترتيب أولويات القوى الكبرى في الشرق الأوسط بصورة لم تكن تتخيّلها عواصم الاستراتيجية العالمية. فالحروب في هذه الجغرافيا المثقلة بالتاريخ لا تُقاس وحدها بعدد الضحايا والأطلال، تُقاس بما تُحدثه من تحولات عميقة في مسارات الطاقة والتجارة والاستثمار، وبما تكشفه من حقائق كانت مطمورة تحت طبقات سميكة من الخطاب الدبلوماسي ووهم التطبيع الاقتصادي.
العالم الذي تراهن فيه العواصم الغربية على أن المصالح الاقتصادية يمكنها تجاوز التناقضات السياسية، ذلك العالم اهتزّ حتى أعماقه. وما بات يظهر على السطح ليس انتصار طرف على آخر، بل شيء أكثر تعقيدًا وأعمق أثرًا: إعادة تشكيل كاملة للبنية الاقتصادية الإقليمية، وإعلان صريح عن نهاية حقبة كاملة من الوهم الجيوسياسي الذي راهن على أن المال يمكنه شراء السلام دون عدالة.
الممرات البحرية: شريان العالم ينزف أمام عيوننا
حين أعلن الحوثيون في اليمن موقفهم من الحرب عبر استهداف الملاحة في البحر الأحمر، أعادوا تأكيد حقيقة يتجاهلها كثيرون بإصرار مريب: أن الجغرافيا السياسية لهذه المنطقة مشتبكة عضويًا مع شرايين التجارة العالمية، بصورة لا يمكن للمال ولا للتكنولوجيا أن تتجاوزاها. باب المندب، هذا المضيق الضيق الذي يمرّ عبره ما يقارب 12% من إجمالي التجارة العالمية و8% من صادرات النفط العالمية، تحوّل فجأة من ممر هادئ مُسلَّم بأمانه إلى منطقة خطر حمراء تتجنبها ناقلات العالم الكبرى وتغيّر مساراتها بتكاليف باهظة.
ارتفعت تكاليف الشحن البحري بنسب تجاوزت 300% في غضون أسابيع قليلة، وهي نسبة لم يشهدها السوق منذ جائحة كوفيد. واضطرت كبرى شركات الشحن العالمية، من ماريسك الدنماركية إلى MSC السويسرية والشركات الآسيوية الكبرى، إلى تحويل مسار سفنها حول رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا، مضيفةً ما بين 10 و14 يومًا إلى رحلات كانت تُقاس بأيام معدودة. التكلفة الإضافية على الحمولة الواحدة تجاوزت مليون دولار في بعض المسارات، وهو رقم يدفعه في النهاية المستهلك الأوروبي والتاجر الآسيوي والمصنع الأمريكي على حدٍّ سواء.
هذا التحول يتجاوز بكثير الأرقام في جداول شركات الشحن وتقارير مؤشرات الأسعار. إنه انعكاس صارخ لحقيقة جوهرية: أن الاقتصاد العالمي المعولم، رغم كل تطوره التكنولوجي الباهر وشبكاته الرقمية المتشابكة، لا يزال، في أعماقه، رهينة لجغرافيا الصراعات القديمة والمضائق البحرية التي رسمتها طبيعة الأرض قبل آلاف السنين. منطقة الشرق الأوسط، التي حاول كثيرون تهميشها اقتصاديًا والالتفاف حولها عبر خطط التطبيع والتجاوز، عادت بقوة لتؤكد مركزيتها الحتمية في شبكة الاقتصاد الدولي. لا خيار لأحد في الجغرافيا، وهذا هو درس البحر الأحمر الأبدي.
والمفارقة المؤلمة أن ما فعله الحوثيون، مجموعة مسلحة تفتقر إلى أسطول بحري أو قوة جوية حقيقية، كان قادرًا على تعطيل ملايين الدولارات من التجارة العالمية يوميًا، وإرغام أعتى الأساطيل البحرية الغربية على إعادة انتشارها وإعادة حساباتها. هذه المعادلة الجديدة للقوة اللاتناسبية ستظل درسًا يتأمله المخططون الاستراتيجيون لعقود، درسًا يقول إن الجغرافيا لم تمت، وإن المضيق الضيق يمكنه أن يُفرمل عجلة الاقتصاد العالمي حين تشاء السياسة ذلك.
أسواق الطاقة: حين يعود الشبح من مرقده
في أسواق النفط والغاز، أيقظت الحرب شبحًا ظنّ كثيرون، وتمنّى آخرون، أنه قد دُفن للأبد: شبح الانقطاع الكبير في إمدادات الطاقة من الشرق الأوسط. ورغم أن الإمدادات الفعلية استمرت دون انقطاع مباشر في معظم مراحل الأزمة، إلا أن مجرد التلويح بإمكانية التصعيد نحو إيران، التي تتحكم في مضيق هرمز الذي يمرّ عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، أو استهداف البنية التحتية النفطية في الخليج، كان كافيًا لإضافة «علاوة المخاطر الجيوسياسية» على الأسعار. هذه العلاوة التي يمكنها أن ترتفع في لحظات التوتر الحاد إلى عشرة دولارات أو أكثر للبرميل تحوّلت من مفهوم أكاديمي إلى واقع يومي يعيشه المتداولون في أسواق الطاقة الكبرى.
والمفارقة المثيرة أن هذه العلاوة جاءت في توقيت بالغ الدقة والتعقيد، حين كانت فيه أسواق الطاقة تعيش حالة من التوازن الهش الذي يشبه المشي على حبل مشدود فوق هاوية. فأوبك+ كانت تدير سياسة خفض الإنتاج بحذر شديد، مستشعرةً التناقضات الداخلية بين أعضائها. والاقتصاد الصيني، ذلك المحرك الأول للطلب العالمي على النفط، كان يتباطأ بصورة أثارت قلق المحللين وعلامات الاستفهام عند شركات التداول. وفي المقابل، كان الانتقال نحو الطاقة المتجددة يتسارع في أوروبا والولايات المتحدة، مهددًا الطلب على النفط على المدى البعيد. جاءت الحرب في خضم هذا المشهد الدقيق لتُعيد خلط أوراق كانت على وشك أن تُمسك بها يد موزعة، وتُذكّر الجميع بأن كل سيناريوهات الانتقال الطاقوي الجميلة تبقى نظرية على الورق ما دامت معادلات الأمن في الشرق الأوسط معلّقة في الهواء.
ثمة بُعد آخر لا يُقال صراحةً في محافل الطاقة: أن دول الخليج المنتجة للنفط وجدت في أجواء عدم اليقين التي أفرزتها الحرب مبررًا إضافيًا لتأخير زيادة الإنتاج، محافظةً على مستويات سعرية تخدم أجنداتها التنموية الداخلية. السعودية التي تحتاج إلى ما لا يقل عن 80 دولارًا للبرميل لتحقيق التوازن في موازنتها وفق تقديرات صندوق النقد الدولي، وجدت في الغموض الجيوسياسي حارسًا مجانيًا لأسعارها. هذه التوافقات الضمنية المعقدة هي ما يُصعّب قراءة أسواق الطاقة في زمن الحروب، كل شيء مُتداخل، وكل طرف يقرأ الأزمة من مصلحته، ولا أحد ينطق بكامل الحقيقة علنًا.
اقتصادات الجوار: الجرح الذي لا يُرى في التقارير
يستحيل الحديث عن الأثر الاقتصادي للحرب دون النظر بعمق إلى ما حلّ باقتصادات الجوار المباشر، تلك الاقتصادات التي لم تخض الحرب لكنها دفعت ثمنها بصمت ومرارة. مصر، التي تعتمد على إيرادات قناة السويس كأحد أعمدتها الرئيسية للنقد الأجنبي في بلد يعاني أزمة مزمنة في ميزانه التجاري، شهدت تراجعًا حادًا في عائدات القناة مع تحويل السفن لمساراتها. وفق بيانات هيئة قناة السويس ذاتها، تراجعت الإيرادات بما يتراوح بين 40% و60% في أشد الفترات سخونةً، خسارة تُقدَّر بمليارات الدولارات لاقتصاد يتكئ على عائدات القناة لتمويل واردات القمح والوقود ودفع أقساط ديونه الخارجية المتضخمة.
وهذا التراجع جاء في أكثر اللحظات حرجًا، حين كانت القاهرة تخوض معركة اقتصادية شرسة متعددة الجبهات: تضخم تجاوز 35%، وجنيه مصري خسر أكثر من 50% من قيمته خلال سنوات قليلة، وديون خارجية تثقل كاهل الدولة، وبرنامج إصلاحي مع صندوق النقد الدولي يتطلب إجراءات مؤلمة تمسّ الفئات الأكثر هشاشة. جاءت ضربة قناة السويس لتكون الضربة المزدوجة الثقيلة لاقتصاد كان يلهث بحثًا عن نَفَس واحد من الاستقرار، فوجد نفسه يُلاحَق بنفسين متواليين من الضغط في آنٍ واحد.
الأردن بدوره وجد نفسه محاصرًا بضغوط متوالية: تراجع حاد في السياحة التي كانت تبشّر بموسم استثنائي، وارتفاع في تكاليف الطاقة المستوردة، وتوقف شبه كامل لحركة التجارة البرية مع الشريك الاقتصادي الفلسطيني. أما لبنان، الذي كان يُشارف على إطلالة خجولة من نفق أزمته المالية التاريخية غير المسبوقة، فقد وجد في التصعيد المتواصل على حدوده الجنوبية ما يُبدد أي بريق أمل في التعافي القريب، ويُنفّر ما تبقى من رؤوس الأموال والكفاءات اللبنانية في المهجر التي كانت تُفكّر جديًا في العودة. ثلاث دول عربية، مصر والأردن ولبنان، تدفع ثمن حرب لم تشعلها وليس بيدها إطفاؤها.
التطبيع الاقتصادي: حين تسقط الأوهام الكبرى
ربما يكون الدرس الأعمق الذي أفرزته الحرب هو انهيار المنظومة الفكرية التي راهنت، بثقة مفرطة، على أن التطبيع الاقتصادي مع إسرائيل يمكن أن يكون بديلًا وظيفيًا عن الحل السياسي العادل للقضية الفلسطينية. هذا الرهان الذي حظي بدعم غربي متحمس وقبول خليجي تصاعد منذ اتفاقيات أبراهام في 2020، بدا للوهلة الأولى بالغ الجاذبية: الأموال تتدفق، والمصالح المشتركة تُبنى، ورأس المال لا يعرف دينًا ولا قومية ولا عدالة تاريخية. لكن الحرب أثبتت أن هذه المعادلة تقوم على خطأ جوهري في قراءة الطبيعة البشرية والمنطق الجيوسياسي الذي لا يُلغيه المال.
مشاريع الممرات الاقتصادية الكبرى التي أُعلن عنها قُبيل الحرب بضجيج إعلامي وتوقيعات الرئاسات، وفي مقدمتها الممر الاقتصادي الهندي الشرق الأوسطي الأوروبي الذي أُعلن عنه في قمة مجموعة العشرين في نيودلهي في سبتمبر 2023، تجمّدت جميعها أمام واقع الحرب المتوحشة. المسؤولون الهنود والأوروبيون الذين صافحوا بحرارة لصور الصحف، عادوا بهدوء إلى مكاتبهم وأعادوا رسم أجنداتهم. لا ممر يمرّ فوق نار متأججة. والرسالة التي أرسلتها الحرب واضحة بقسوة: الممرات التجارية لا تُبنى فوق أنقاض الحقوق، ورأس المال يطلب الاستقرار قبل الربح، والشعوب التي تُقصى من المعادلة تجد دائمًا طريقة لتُعيد نفسها إلى المشهد.
هذا الدرس ليس جديدًا في التاريخ. فقد راهنت فرنسا وبريطانيا في مطلع القرن العشرين على أن الترابط الاقتصادي بين الدول الأوروبية يجعل الحرب الكبرى مستحيلة اقتصاديًا. وجاءت 1914 لتُسقط هذا الوهم بأكمله. الجغرافيا التي يتجاهلها المخططون الاقتصاديون تنتقم عبر الجيوسياسة في النهاية، والانتقام يأتي دائمًا في الوقت الأكثر إزعاجًا وبالثمن الأعلى. ولا يتعلم المخططون الكبار من التاريخ لأنهم، في أعماقهم، يظنون دائمًا أن مرحلتهم مختلفة. وهي ليست كذلك أبدًا.
إعادة الإعمار: حين يصبح الدمار سوقًا
مع كل حرب تأتي موجة المحللين والمستشارين والشركات الكبرى يتحدثون عن فرص إعادة الإعمار، وكأن الدمار صناعة لها سوقها الخاص ومستثمروها المنتظرون في الردهات الفندقية الفاخرة. التقديرات المتباينة التي تُتداول تشير إلى حاجة غزة لما بين 50 و100 مليار دولار لإعادة بناء ما دُمّر، وهو رقم يُقال بسهولة لكن يصعب استيعاب ما يعنيه على أرض مساحتها لا تتجاوز 360 كيلومترًا مربعًا تُعاني من حصار اقتصادي خانق منذ عقود. لكن السؤال الجوهري الذي يتجنّبه كثيرون يتعلق بالمنظومة قبل الأرقام: من سيموّل إعادة الإعمار؟ ومن سيُنفّذها؟ ومن سيحكم غزة في الغد؟ وهل ستكون إعادة الإعمار أداة لترسيخ واقع سياسي جديد مفروض بقوة الأمر الواقع، أم فرصة حقيقية لإعادة بناء حياة كريمة لشعب مُنهك مسروق الإرادة؟
التاريخ في هذه المنطقة يُعلّمنا أن اقتصاد إعادة الإعمار نادرًا ما يخدم من يستحق. في العراق بعد 2003، تحوّلت عشرات المليارات من دولارات إعادة الإعمار الأمريكية إلى شبكات فساد منظّمة وعقود لشركات أجنبية. وفي سوريا، باتت إعادة الإعمار أداة للسيطرة الديموغرافية ووسيلة لمعاقبة المناطق التي عارضت النظام. والمخاوف قائمة ومشروعة من أن يتكرر نمط مشابه في غزة، حيث يُراد لإعادة الإعمار أن تكون مشروطة سياسيًا بقبول واقع جديد لا يقبله أصحاب الأرض ولا يُسبغ عليه شرعية من أي نوع كان.
النظام العالمي يُعيد كتابة قواعده
على المستوى الأوسع الذي يتخطى حدود المنطقة، كشفت الحرب عن تصدّعات عميقة في جسد النظام الاقتصادي العالمي الذي بنته واشنطن عقب الحرب الباردة. فالانقسام الحاد والصريح في المواقف الدولية، بين غرب يدعم إسرائيل دعمًا شبه مطلق وجنوب عالمي يرفض هذا الدعم ويعتبره انتقائيةً فاضحة، انعكس مباشرةً على المؤسسات الاقتصادية والتجارية الدولية وأضعف مصداقيتها كهياكل تستند إلى قيم كونية مشتركة. الحديث المتصاعد عن العقوبات الاقتصادية كأداة سياسية وتجميد أصول الدول واستخدام نظام SWIFT كسلاح في يد الدول الغربية، كل هذا عزّز التوجه نحو بناء منظومات اقتصادية وازية ومستقلة لدى دول الجنوب العالمي.
الصين لم تُفوّت اللحظة. بكين التي تُروّج منذ سنوات لنظام اقتصادي متعدد الأقطاب يكسر احتكار الدولار ومؤسسات بريتون وودز، وجدت في الانقسام الدولي حول غزة حججًا ذهبية جاهزة لإقناع دول الجنوب المتردد. وروسيا المحاصرة بالعقوبات الغربية استثمرت في الحالة ذاتها لتؤكد أن ما أصاب موسكو يمكن أن يُصيب أي عاصمة لا تُذعن للإملاءات الأمريكية. ودول الخليج، التي حرصت على موقف متوازن يُعلن رفض الحرب دون الوصول إلى قطيعة مع واشنطن، وجدت نفسها أمام لحظة حقيقة لا يمكن الهروب منها إلى الأبد: هل يمكن الاستمرار في سياسة تنويع الشراكات دون مواجهة لحظة الاختيار الكبرى في نهاية المطاف؟
ما بعد الحرب: لا شيء سيعود كما كان
ما نشهده اليوم يتجاوز بمراحل حربًا ستنتهي بهدنة أو اتفاقية أو انهيار، إنه إعادة تشكيل عميقة وجوهرية للخريطة الاقتصادية للمنطقة بأسرها، وهي خريطة لن تعود إلى ما كانت عليه قبل أكتوبر 2023 بأي حال. الطاقة والتجارة والاستثمار والممرات البحرية وشبكات التطبيع والتكامل الإقليمي، كل هذه العناصر الجوهرية تُعاد صياغتها في ضوء ما جرى وما يجري، وفق معادلات لم تكن في حسبان المحللين قبل سنوات قليلة. والسؤال الذي يجب أن يشغل كل اقتصادي وكل محلل وكل صانع سياسة في المنطقة: أي اقتصاد يمكن أن يولد من رحم هذا الدمار المتراكم؟ وهل نحن قادرون حقًا على تحويل درس الألم إلى مشروع بناء؟
الإجابة لن تأتي من البورصات ولا من تقارير صندوق النقد الدولي ولا من أروقة دافوس. ستأتي من الشوارع والموانئ وحقول النفط ومصانع الإسمنت ومدارس الأجيال القادمة. ستأتي من قدرة شعوب المنطقة على تحويل المحنة الكبرى إلى فرصة لبناء نموذج اقتصادي أكثر عدالةً وأعمق استقلاليةً. فالاقتصاد، في نهاية الكلام وبدايته، قرار سياسي بامتياز. ومن يملك القرار السياسي يملك الاقتصاد. والسؤال الذي تطرحه غزة على كل من في المنطقة: من يملك قراره الآن؟ ومن يريد أن يمتلكه في الغد الذي يأتي لا محالة؟
