H.Bاقتصاد الشرق
نيران غزة تعيد رسم خريطة الاقتصاد الإقليمي
جيوسياسة اقتصادية

نيران غزة تعيد رسم خريطة الاقتصاد الإقليمي

حسام بعكة

حسام بعكة

٨ مارس ٢٠٢٦ · 12 دقائق

فرضت الحرب على غزة نفسها زلزالًا اقتصاديًا كاشفًا، عرّى هشاشة البنى الاقتصادية في المنطقة وأعاد ترتيب أولويات القوى الكبرى في الشرق الأوسط من جديد.

على رصيف ميناء السويس، في صباح من أيام يناير 2024، يقف ضابط ملاحة مصري يُحصي السفن العابرة على أصابعه. كان يعرف هذا الممر المائي حين كانت أرتال الحاويات تتدفق كنبض قلب لا ينقطع ، ستة وعشرون ألف سفينة في العام، واحدة كل عشرين دقيقة تقريبًا. الآن، الأفق فارغ بصورة لم يعهدها منذ دخل الخدمة قبل ثلاثين عامًا. انخفض عدد السفن في 2024 إلى 13,213 سفينة ، النصف تمامًا ، وتراجعت الإيرادات من 9.4 مليار دولار إلى 7.2 مليار، بل إن النصف الأول من العام وحده شهد انهيارًا بنسبة 62%. هذا المشهد الصغير على رصيف السويس هو بوابة الدخول إلى مشهد أوسع بكثير: زلزال اقتصادي إقليمي أطلقته نيران غزة في أكتوبر 2023، لكنه يتمدد اليوم في كل اتجاه، من باب المندب إلى بورصات لندن، ومن ميناء جبل علي إلى مكاتب صندوق النقد الدولي في واشنطن.

حين نرفع النظر من هذا الرصيف المصري ونتأمل المشهد بعين بانورامية، نكتشف أن ما يجري ليس حربًا محلية ذات تداعيات اقتصادية جانبية ، إنه إعادة تشكيل جذرية لخريطة الاقتصاد الإقليمي بأسرها. الممرات البحرية تنزف، واقتصادات الجوار تترنح، وصفقات التطبيع تتجمد، ومشاريع الممرات التجارية الكبرى تتبخر، والنظام الاقتصادي العالمي ذاته يُعيد حساباته. غزة الصغيرة في مساحتها أثبتت مرةً أخرى أنها المركز الذي يدور حوله كل شيء في هذه الجغرافيا المثقلة بالتاريخ، وأن من يتجاهل الجغرافيا السياسية حين يرسم خططه الاقتصادية يكتب بالحبر على سطح الماء.

مضيق باب المندب

ممر مائي ضيق يقع بين اليمن وجيبوتي بعرض 30 كيلومترًا فقط، يمر عبره نحو 12% من التجارة العالمية البحرية، ويُعدّ أحد أهم نقاط الاختناق البحرية في العالم إلى جانب مضيق هرمز وقناة السويس.

المضيق الضيّق الذي أوقف عجلة العالم

في عام 1911، نشر الصحفي البريطاني نورمان أنجل كتابه الشهير "الوهم الكبير" مُجادلًا بأن الترابط الاقتصادي بين الأمم الأوروبية بلغ حدًا يجعل الحرب مستحيلة اقتصاديًا ، فالتجارة والتمويل والمصالح المتشابكة ستمنع أي طرف عاقل من إشعال فتيل الدمار. بعد ثلاث سنوات فقط، اندلعت الحرب العالمية الأولى وأحالت هذا "الوهم الكبير" إلى رماد. المنطق ذاته تكرر قبل أكتوبر 2023: محللون غربيون وعرب كثيرون راهنوا على أن حجم المصالح الاقتصادية المتشابكة في الشرق الأوسط ، من صفقات التطبيع إلى مشاريع الممرات التجارية ، يجعل حربًا إقليمية كبرى مُكلفة أكثر مما ينبغي. جاءت غزة لتُعيد كتابة درس أنجل بدماء جديدة: الجغرافيا السياسية لا تخضع لمنطق جداول الأرباح والخسائر.

حين أعلن الحوثيون في اليمن استهداف الملاحة في البحر الأحمر ردًا على الحرب، انكشفت هشاشة لم يكن أحد يرغب في الاعتراف بها. باب المندب، هذا الشق الضيق في قشرة الأرض الذي يمر عبره 12% من التجارة العالمية، تحوّل بين ليلة وضحاها من ممر مُسلّم بأمانه إلى ساحة حرب بحرية. مئة وثمانية وسبعون سفينة تعرضت للهجوم، أربع منها غرقت في قاع البحر الأحمر، وتسعة بحّارة فقدوا حياتهم. الأرقام تبدو صغيرة بمقاييس الحروب التقليدية، لكن أثرها الاقتصادي كان زلزاليًا بكل المعايير: تكلفة شحن حاوية واحدة على خط شنغهاي–روتردام قفزت من 1,530 دولارًا إلى 6,970 دولارًا ، زيادة بنسبة تتجاوز 350% في أسابيع معدودة. ناقلات العالم الكبرى، من ميرسك الدنماركية إلى MSC السويسرية، اتخذت القرار الذي كان يبدو مستحيلًا قبل أشهر: تحويل المسار حول رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا، مُضيفةً أكثر من 4,000 ميل بحري وعشرة أيام إضافية لكل رحلة.

هذا الالتفاف ليس مجرد خط جديد على خريطة ملاحية ، إنه إعادة رسم لمعادلة التكلفة والزمن التي تحكم التجارة العالمية منذ افتتاح قناة السويس عام 1869. كل يوم إضافي في البحر يعني وقودًا إضافيًا، وأجورًا إضافية، وتأمينًا أعلى، وبضائع تتأخر عن مواعيد تسليمها، ومصانع في أوروبا وآسيا تنتظر مكوناتها بقلق. التكلفة الإضافية على الحمولة الواحدة في بعض المسارات تجاوزت مليون دولار ، رقم يدفعه في النهاية المستهلك في برلين والتاجر في سيول والمصنع في ديترويت. والمفارقة الصارخة أن مجموعة مسلحة تفتقر إلى أسطول بحري حقيقي نجحت في إرغام أعتى الأساطيل البحرية الغربية على إعادة انتشارها ، معادلة قوة لاتناسبية ستظل درسًا يتأمله المخططون الاستراتيجيون لعقود قادمة. المضيق الضيق يمكنه أن يُفرمل عجلة الاقتصاد العالمي بأسره.

قبل أكتوبر 2023

شحن حاوية شنغهاي-روتردام: 1,530 دولارًا ، عبور السويس في 30 يومًا ، 26,000 سفينة سنويًا ، إيرادات القناة 9.4 مليار دولار

بعد أكتوبر 2023

شحن حاوية شنغهاي-روتردام: 6,970 دولارًا ، التفاف رأس الرجاء الصالح في 40 يومًا ، 13,213 سفينة فقط ، إيرادات القناة 7.2 مليار دولار

سفينة شحن عملاقة تبحر في مياه البحر الأحمر المضطربة

الدرس الأعمق من أزمة البحر الأحمر يتجاوز الأرقام: الاقتصاد العالمي المعولم، رغم كل تطوره التكنولوجي المذهل وشبكاته الرقمية المتشابكة وخوارزمياته التي تُدير سلاسل الإمداد بدقة الساعة السويسرية، لا يزال في أعماقه رهينة لجغرافيا رسمتها طبيعة الأرض قبل ملايين السنين. منطقة الشرق الأوسط التي حاول كثيرون تهميشها والالتفاف حولها عادت بقوة لتؤكد مركزيتها الحتمية في الاقتصاد الدولي. لا خيار لأحد في الجغرافيا ، هذا هو درس باب المندب الأبدي.

قناة السويس: القلب النازف لاقتصادات الجوار

يستحيل الحديث عن الأثر الاقتصادي للحرب دون النظر بعمق إلى ما حلّ باقتصادات الجوار المباشر ، تلك الاقتصادات التي لم تُشعل الحرب لكنها تدفع ثمنها بصمت ومرارة. مصر تقف في طليعة المتضررين: قناة السويس التي كانت تضخ 9.4 مليار دولار سنويًا في شرايين اقتصاد يعاني أزمة مزمنة في النقد الأجنبي شهدت تراجعًا مروّعًا. برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP قدّر أن الناتج المحلي الإجمالي المصري بات أدنى بنسبة 2.6% من خط الأساس المتوقع ، وهو رقم يبدو تقنيًا جافًا حين يُكتب على الورق، لكنه يترجم على الأرض إلى مليارات الدولارات المفقودة من اقتصاد يتكئ على عائدات القناة لتمويل واردات القمح والوقود ولسداد أقساط ديونه الخارجية المتضخمة التي تجاوزت 160 مليار دولار.

وهذا التراجع جاء في أكثر اللحظات حرجًا وأشدها إيلامًا، حين كانت القاهرة تخوض معركة اقتصادية شرسة متعددة الجبهات: تضخم تجاوز 35%، وجنيه مصري فقد أكثر من نصف قيمته خلال سنوات قليلة، وبرنامج إصلاحي قاسٍ مع صندوق النقد الدولي يتطلب إجراءات تمسّ الفئات الأكثر هشاشة. جاءت ضربة قناة السويس لتكون المطرقة المزدوجة على اقتصاد كان يلهث بحثًا عن نَفَس واحد من الاستقرار. والأردن بدوره لم يُعفَ من الثمن: تراجع سياحي بنسبة 6.6% في بلد تُمثّل السياحة فيه شريانًا حيويًا لا يقبل الانقطاع. أما لبنان، فقد قدّرت تقارير دولية أن أثر الحرب قد يمحو 6.6% من ناتجه المحلي الإجمالي ، ضربة مدمرة لاقتصاد كان يُشارف على إطلالة خجولة من نفق أزمته المالية التاريخية. ثلاث دول عربية تدفع ثمن حرب لم تشعلها وليس بيدها إطفاؤها.

المفارقة المؤلمة أن هذه الخسائر ليست عابرة ، إنها تترك ندوبًا بنيوية. المستثمرون الذين كانوا يدرسون ضخ أموالهم في مصر والأردن ولبنان أعادوا حساباتهم. الشركات السياحية التي كانت تُخطط لتوسعات أجّلتها إلى أجل غير مسمى. والكفاءات اللبنانية في المهجر التي كانت تُفكّر جديًا في العودة طوت ملفاتها وقررت البقاء حيث هي. الحرب لا تُدمّر البنى التحتية فحسب ، تُدمّر الثقة، وإعادة بناء الثقة أبطأ بمراحل من إعادة بناء الجسور والموانئ. هذا هو الجرح الذي لا يُرى في التقارير الفصلية لكنه ينخر في عظام اقتصادات المنطقة بصمت وإصرار.

UNDP ، تقرير الأثر الاقتصادي لأزمة البحر الأحمر على اقتصادات الجوار، 2024
سفن في قناة السويس تواجه تداعيات أزمة الملاحة في البحر الأحمر

اقتصاد التطبيع: الوهم الكبير الذي لم يكن يومًا اختراقًا

هنا يجب أن نقول ما يتجنّبه معظم المحللين الاقتصاديين: اقتصاد التطبيع مع إسرائيل الذي بُني منذ اتفاقيات أبراهام في 2020 لم يكن يومًا اختراقًا حقيقيًا عرقلته الحرب ، كان وهمًا من البداية، بُنيَ على افتراض معيب جوهريًا بأن المال يمكنه شراء السلام دون عدالة. هذا ليس تحليلًا بأثر رجعي يعرفه الجميع بعد الكارثة ، الأرقام كانت تقول ذلك قبل أكتوبر 2023 لمن أراد أن يقرأها بعيون مفتوحة. حجم التبادل التجاري بين إسرائيل ودول التطبيع الخليجية بقي هامشيًا مقارنةً بتوقعات المُبشّرين بالحقبة الجديدة، والاستثمارات المشتركة ظلت محدودة ومحاطة بحذر لم تنجح فيه العلاقات العامة في إخفائه. الحرب لم تُحطّم اقتصاد تطبيع مزدهر ، كشفت أنه لم يكن مزدهرًا قط.

مشروع الممر الاقتصادي الهندي الشرق أوسطي الأوروبي الذي أُعلن عنه بضجيج كبير في قمة مجموعة العشرين في نيودلهي في سبتمبر 2023 ، قبل أسابيع قليلة فقط من اندلاع الحرب ، يُجسّد هذا الوهم بامتياز. الممر كان يفترض سلامًا إقليميًا مستدامًا واستقرارًا سياسيًا وثقة متبادلة بين أطراف لم تحلّ خلافاتها الجوهرية. المسؤولون الهنود والأوروبيون الذين صافحوا بحرارة لكاميرات الصحف عادوا بهدوء إلى مكاتبهم وأعادوا رسم أجنداتهم ، لا ممر يمرّ فوق نار متأججة. والرسالة التي أرسلتها الحرب واضحة بقسوة: الممرات التجارية لا تُبنى فوق أنقاض الحقوق، ورأس المال يطلب الاستقرار قبل الربح، والشعوب التي تُقصى من المعادلة تجد دائمًا طريقة لتُعيد نفسها إلى المشهد بصورة لا يتوقعها أحد.

نورمان أنجل أخطأ في 1911 حين ظنّ أن التجارة تمنع الحرب. ومهندسو اقتصاد التطبيع أخطأوا في 2020 حين ظنوا أن المال يُلغي السياسة. الخطأ واحد في جوهره: الاعتقاد بأن المصالح الاقتصادية المتبادلة تخلق بنفسها سلامًا مستدامًا دون معالجة الجذور السياسية للصراع. التاريخ يُكرر هذا الدرس بإصرار ممل، لكن المخططين الكبار لا يتعلمون لأنهم يظنون دائمًا أن مرحلتهم مختلفة عما سبقها. وهي ليست كذلك أبدًا.

  • أكتوبر 2023اندلاع حرب غزة وبدء هجمات الحوثيين على الملاحة في البحر الأحمر
  • يناير 2024انخفاض حركة السفن في قناة السويس بنسبة 62% وتحويل خطوط الشحن الكبرى مساراتها
  • مارس 2024تقديرات أممية: الناتج المحلي المصري أدنى بنسبة 2.6% من خط الأساس بسبب الأزمة
  • 2024تجمّد مشروع الممر الاقتصادي IMEC وتراجع سياحة الأردن 6.6%

إعادة الإعمار: اقتصاد الدمار وأشباحه التاريخية

مع كل حرب تأتي موجة المحللين والمستشارين يتحدثون عن "فرص إعادة الإعمار" ، عبارة تكشف في حد ذاتها عن خلل أخلاقي عميق في الخطاب الاقتصادي الدولي الذي يُحوّل الدمار إلى سوق والأنقاض إلى فرصة استثمارية. التقديرات تشير إلى حاجة غزة لما بين 50 و100 مليار دولار لإعادة بناء ما دُمّر ، رقم يُقال بسهولة لكن يصعب استيعاب ما يعنيه على أرض لا تتجاوز مساحتها 360 كيلومترًا مربعًا ظلت تحت حصار خانق لعقود. لكن السؤال الجوهري ليس في الأرقام بل في المنظومة: من سيموّل إعادة الإعمار ومن سيُنفّذها ومن سيحكم غزة في اليوم التالي؟ وهل ستكون أداة لترسيخ واقع سياسي مفروض أم فرصة حقيقية لإعادة بناء حياة كريمة لشعب مُنهك؟

التاريخ في هذه المنطقة يُعلّمنا أن اقتصاد إعادة الإعمار نادرًا ما يخدم من يستحق. في العراق بعد 2003، تحوّلت عشرات المليارات من دولارات إعادة الإعمار إلى شبكات فساد منظّمة وعقود لشركات أجنبية لم يرَ العراقيون من ثمارها إلا الفتات. في سوريا، باتت إعادة الإعمار أداة للسيطرة الديموغرافية ووسيلة لمعاقبة المناطق التي عارضت النظام. والمخاوف قائمة ومشروعة من تكرار هذا النمط في غزة، حيث يُراد لإعادة الإعمار أن تكون مشروطة سياسيًا بقبول واقع جديد لا يقبله أصحاب الأرض. هذا ليس تشاؤمًا ، إنه قراءة واعية لنمط تاريخي يتكرر بإصرار في كل مرة تسكت فيها المدافع وتبدأ فيها الجرافات.

خريطة عالمية توضح شبكات التجارة والممرات الاقتصادية الإقليمية

تكلفة الشحن العالمي: الالتفاف الكبير حول أفريقيا

لنتتبع أثر الحرب من زاوية قد تبدو بعيدة عن غزة لكنها متصلة بها اتصالًا عضويًا: تكلفة نقل حاوية بضائع من مصنع في شنغهاي إلى مستودع في روتردام. قبل الحرب، كانت هذه الرحلة تمر عبر قناة السويس في نحو 30 يومًا بتكلفة 1,530 دولارًا لكل وحدة حاوية مكافئة. اليوم، الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح يُضيف أكثر من 4,000 ميل بحري وعشرة أيام إضافية، والتكلفة قفزت إلى 6,970 دولارًا ، أي أن كل حاوية تدفع "ضريبة حرب" غير مباشرة تتجاوز 5,000 دولار. هذه الضريبة لا تظهر في أي بند ميزانية حكومية، لكنها تتسرب في كل اتجاه: في سعر هاتفك الجديد، وثمن ملابسك الشتوية، وتكلفة قطع غيار سيارتك، وفاتورة الأدوية في صيدلية حيّك.

شركات التأمين البحري رفعت أقساطها بنسب غير مسبوقة على السفن العابرة للبحر الأحمر ، بعضها تضاعف عشر مرات. وشركات الشحن نقلت هذه التكاليف إلى المستوردين، الذين نقلوها بدورهم إلى المستهلكين. سلسلة نقل التكاليف هذه تمتد حرفيًا من خليج عدن إلى أرفف السوبرماركت في باريس ولندن وطوكيو. والأثر التراكمي على مدى أشهر يُقدَّر بعشرات المليارات من الدولارات على الاقتصاد العالمي ، تضخم إضافي لا يُعلن عن نفسه بصراحة لكنه يأكل من القدرة الشرائية للمستهلكين في كل مكان. اقتصاد العولمة الذي بُني على فرضية حرية الملاحة وانسيابية سلاسل الإمداد يكتشف أن كل هذا البناء المعقد يمكن أن يتزعزع بصاروخ واحد يُطلق من ساحل يمني.

الصين، التي تُصدّر أكثر من 3 تريليونات دولار من البضائع سنويًا ويمر جزء كبير منها عبر قناة السويس، بدأت تُعيد حساباتها اللوجستية بجدية. وأوروبا، التي يعتمد اقتصادها على واردات آسيوية تمر 40% منها عبر القناة، تواجه ضغوطًا تضخمية إضافية في لحظة لا تحتاج فيها إلى مزيد من الضغوط. العالم يكتشف مجددًا أن الشرق الأوسط ليس هامشًا في خريطة الاقتصاد العالمي ، إنه مركزه العصبي الذي يمكنه إيقاف كل شيء.

النظام العالمي يتصدّع: ما بعد اللحظة الكاشفة

على المستوى الأوسع الذي يتخطى حدود المنطقة، كشفت الحرب عن تصدعات عميقة في النظام الاقتصادي العالمي الذي بنته واشنطن عقب الحرب الباردة. الانقسام الحاد في المواقف الدولية ، بين غرب يدعم إسرائيل دعمًا شبه مطلق وجنوب عالمي يرفض هذا الدعم ويعتبره انتقائية فاضحة ، انعكس مباشرةً على المؤسسات الاقتصادية والتجارية الدولية وأضعف مصداقيتها كهياكل تستند إلى قيم كونية مشتركة. الحديث عن العقوبات الاقتصادية كأداة سياسية واستخدام نظام SWIFT كسلاح في يد القوى الغربية عزّز التوجه نحو بناء منظومات اقتصادية بديلة لدى دول الجنوب العالمي. الصين لم تُفوّت اللحظة ، بكين التي تُروّج لنظام اقتصادي متعدد الأقطاب يكسر احتكار الدولار وجدت في الانقسام الدولي حول غزة حججًا ذهبية لإقناع دول الجنوب المتردد.

وروسيا المحاصرة بالعقوبات الغربية استثمرت في الحالة ذاتها لتؤكد أن ما أصاب موسكو يمكن أن يُصيب أي عاصمة لا تُذعن للإملاءات الأمريكية. ودول الخليج، التي حرصت على موقف متوازن يُعلن رفض الحرب دون قطيعة مع واشنطن، وجدت نفسها أمام لحظة حقيقة لا يمكن الهروب منها إلى الأبد: هل يمكن الاستمرار في سياسة تنويع الشراكات دون مواجهة لحظة الاختيار الكبرى؟ أما تركيا وإيران فقد قرأتا المشهد من زاويتيهما: الأولى تعمّق دورها كوسيط اقتصادي بين العوالم المتناحرة، والثانية تُعزز محورها الإقليمي عبر إثبات أن حلفاءها قادرون على تعطيل الملاحة الدولية. المشهد الاقتصادي العالمي ما بعد غزة ليس المشهد ذاته قبلها ، ثمة شقوق لن تُرأب.

حاويات شحن متراصة في ميناء تجاري دولي

الخريطة الجديدة: قراءة في رماد الحرائق

ما نشهده يتجاوز بمراحل حربًا ستنتهي بهدنة أو اتفاق أو انهيار ، إنه إعادة تشكيل جذرية للخريطة الاقتصادية للمنطقة بأسرها، خريطة لن تعود إلى ما كانت عليه قبل أكتوبر 2023 بأي حال من الأحوال. الطاقة والتجارة والاستثمار والممرات البحرية وشبكات التطبيع والتكامل الإقليمي ، كل هذه العناصر تُعاد صياغتها في ضوء ما جرى وما يجري، وفق معادلات لم تكن في حسبان أحد قبل سنوات قليلة. الأرقام صادمة في تراكمها: انخفاض 50% في حركة السويس، وارتفاع 350% في تكاليف الشحن، وتراجع 6.6% في سياحة الأردن، وتبخر مليارات الدولارات من اقتصادات لم تُطلق رصاصة واحدة. والسؤال الذي يجب أن يشغل كل اقتصادي وكل محلل في المنطقة: أي اقتصاد يمكن أن يولد من رحم هذا الدمار المتراكم؟

الإجابة لن تأتي من البورصات ولا من تقارير صندوق النقد الدولي ولا من أروقة دافوس. ستأتي من قدرة شعوب المنطقة على تحويل المحنة إلى مشروع بناء اقتصادي أكثر عدالةً وأعمق استقلالية ، اقتصاد يُنوّع ممراته التجارية ولا يتكئ على مضيق واحد، ويبني مخزونات استراتيجية تحميه من الصدمات، ويُرسي شراكات متعددة لا تجعله رهينة لطرف بعينه. نورمان أنجل كتب عن "الوهم الكبير" قبل الحرب العالمية الأولى ، وهم أن التجارة تمنع الحرب. غزة كتبت فصلًا جديدًا في الكتاب ذاته: وهم أن التطبيع يصنع السلام ووهم أن الجغرافيا يمكن تجاوزها ووهم أن المضائق ستبقى آمنة إلى الأبد. في الاقتصاد كما في السياسة، الوهم أكثر خطرًا من الجهل ، لأن من يعيش في وهم يبني قصوره على رمال ويظنها صخرًا، حتى تأتي الموجة التي لا يتوقعها أحد.

حسام بعكة

حسام بعكة

كاتب ومحلل اقتصادي متخصص في شؤون الشرق الأوسط والاقتصاد العالمي. يقدم تحليلات معمّقة تربط بين الجيوسياسة والأسواق والتحولات الاقتصادية الكبرى.

المزيد عن الكاتب

مقالات ذات صلة