جغرافيا القدر: حين يتحكم ممر مائي في مصير العالم
ثمة أماكن على وجه الأرض تبدو من الخريطة مجرد نقاط صغيرة لا تكاد تُرى بالعين المجردة، لكنها في الحقيقة تملك من القوة والتأثير ما يفوق قارات بأكملها، وليس ثمة مثال أبلغ على هذه المفارقة من مضيق هرمز، ذلك الممر المائي الضيق الذي لا يزيد عرضه عن 33 كيلومتراً عند أضيق نقاطه، والذي يمر عبره يومياً ما يقارب عشرين مليون برميل من النفط الخام والمنتجات النفطية، أي ما يعادل خُمس الاستهلاك العالمي اليومي من الطاقة. تخيل أن تضع إصبعك على خريطة العالم عند النقطة التي تفصل بين سلطنة عُمان وإيران، وأن تدرك أن هذا الإصبع يغطي الشريان الذي إذا انقطع لتوقف قلب الاقتصاد العالمي عن النبض. هذه ليست مبالغة بلاغية بل حقيقة جيوسياسية صارخة جعلت من هرمز أحد أهم نقاط الاختناق الاستراتيجية في التاريخ الحديث، ومحوراً دائماً للتوتر بين القوى الكبرى والقوى الإقليمية على حد سواء.
إن تاريخ مضيق هرمز هو في جوهره تاريخ مختصر للصراع على الطاقة والهيمنة في منطقة الخليج، فمنذ أن اكتُشف النفط بكميات تجارية في ثلاثينيات القرن العشرين، أصبح هذا الممر المائي موضع اهتمام القوى العظمى، أولاً بريطانيا التي كانت تسيطر على المنطقة من خلال معاهداتها مع إمارات الساحل المتصالح، ثم الولايات المتحدة التي ورثت هذا الدور بعد انسحاب بريطانيا من شرق السويس عام 1971. وقد شهد المضيق لحظات من التوتر الشديد خلال الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات حين تعرضت ناقلات النفط لهجمات متبادلة فيما عُرف بـ"حرب الناقلات"، وتكرر ذلك في عام 2019 حين هوجمت عدة ناقلات بالقرب من المضيق في ظروف غامضة وجهت واشنطن فيها أصابع الاتهام إلى طهران. وفي كل مرة كان العالم يقف على حافة هاوية اقتصادية، لأن أي تعطل حقيقي في حركة الملاحة عبر هرمز يعني ببساطة كارثة طاقوية عالمية لا يملك أحد أدوات احتوائها بالسرعة الكافية.
عشرون مليون برميل يومياً: تشريح الشريان النفطي
لفهم الأهمية الحقيقية لمضيق هرمز، يجب أن ننظر إلى الأرقام بتمعن، فعبر هذا الممر الضيق تمر يومياً نحو 20.5 مليون برميل من النفط الخام والمكثفات والمنتجات النفطية المكررة، وهو ما يمثل نحو 21% من إجمالي استهلاك النفط العالمي البالغ نحو 100 مليون برميل يومياً. وتعتمد على هذا المضيق خمس من أكبر الدول المصدرة للنفط في العالم: السعودية والعراق والإمارات والكويت وإيران، إضافة إلى قطر التي تُصدر عبره معظم إنتاجها من الغاز الطبيعي المسال البالغ نحو 77 مليون طن سنوياً. وإذا أضفنا شحنات الغاز المسال إلى النفط، فإن ما يمر عبر هرمز يمثل نحو ربع إمدادات الطاقة العالمية، وهي نسبة تجعل أي تهديد لهذا الممر تهديداً مباشراً لاستقرار الاقتصاد العالمي بأسره. والجدير بالملاحظة أن معظم هذا النفط يتجه شرقاً نحو آسيا، فالصين واليابان والهند وكوريا الجنوبية تستورد مجتمعة أكثر من 65% من النفط الذي يعبر المضيق، مما يجعل أمن هرمز مسألة حيوية للاقتصادات الآسيوية بقدر ما هي حيوية للمنتجين الخليجيين.
من الناحية الملاحية، يتكون مضيق هرمز من ممرين للشحن يبلغ عرض كل منهما ثلاثة كيلومترات، أحدهما للسفن الداخلة إلى الخليج والآخر للخارجة منه، يفصل بينهما حاجز مائي بعرض ثلاثة كيلومترات أخرى. وتمر عبر هذا الممر يومياً ما بين 15 إلى 20 ناقلة نفط عملاقة من فئة VLCC القادرة على حمل مليوني برميل لكل منها، إضافة إلى عشرات السفن الأخرى التي تحمل الغاز والمنتجات البتروكيماوية والبضائع العامة. وهذا الازدحام في ممر ضيق يجعل أي حادث، سواء كان عسكرياً أو تقنياً أو حتى بيئياً، قادراً على تعطيل حركة الملاحة لأيام أو أسابيع، مع ما يترتب على ذلك من تداعيات اقتصادية هائلة. وقد قدّر خبراء الطاقة أن إغلاق المضيق لأسبوع واحد فقط سيرفع أسعار النفط إلى ما فوق 150 دولاراً للبرميل، وأن إغلاقاً يمتد لشهر سيدفع الاقتصاد العالمي إلى ركود عميق.
طهران والمضيق: ورقة الضغط الأخيرة
منذ الثورة الإسلامية عام 1979، أدركت إيران أن مضيق هرمز هو أقوى ورقة استراتيجية تملكها في مواجهة الضغوط الدولية، فقد هددت مراراً بإغلاق المضيق رداً على العقوبات الاقتصادية والتهديدات العسكرية، وقد طورت قدرات عسكرية مصممة خصيصاً لتحويل هذا التهديد إلى واقع إذا لزم الأمر. ويمتلك الحرس الثوري الإيراني ترسانة من الصواريخ المضادة للسفن المتمركزة على الساحل الإيراني المطل على المضيق، إضافة إلى أسطول كبير من الزوارق السريعة المسلحة القادرة على مضايقة الناقلات العملاقة البطيئة، وألغام بحرية يمكن زرعها بسرعة في الممرات الملاحية الضيقة. كما تسيطر إيران على جزر أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى الواقعة عند مدخل المضيق، وهي جزر متنازع عليها مع الإمارات لكنها تمنح طهران موقعاً استراتيجياً متقدماً للسيطرة على حركة الملاحة.
لكن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إيران تستطيع إغلاق المضيق، فهي بلا شك تملك القدرة على تعطيل حركة الملاحة فيه لفترة محدودة على الأقل، بل ما إذا كان من مصلحتها فعل ذلك. والجواب في الغالب هو لا، لأن إيران نفسها تعتمد على المضيق لتصدير نفطها واستيراد احتياجاتها، ولأن إغلاقه سيستدعي رداً عسكرياً أمريكياً ساحقاً يعرف الإيرانيون أنهم لن يصمدوا أمامه طويلاً. والأرجح أن طهران تتعامل مع تهديد إغلاق المضيق كورقة ردع، أي كسلاح يكتسب قوته من التهديد باستخدامه لا من استخدامه الفعلي. وهذا يخلق حالة من التوازن الهش الذي يمكن أن ينهار في أي لحظة إذا ساءت الحسابات أو إذا وجد طرف ما نفسه في زاوية لا يملك فيها خياراً سوى التصعيد. وقد شهدنا لمحات من هذا السيناريو في عام 2019 حين احتجزت إيران ناقلة نفط بريطانية رداً على احتجاز ناقلة إيرانية في جبل طارق، وفي عام 2024 حين تصاعدت التوترات على خلفية الحرب في غزة والهجمات الحوثية في البحر الأحمر.
البدائل الممكنة: أنابيب في الصحراء وموانئ على المحيط
إدراكاً لمخاطر الاعتماد الكلي على مضيق هرمز، سعت دول الخليج المنتجة للنفط منذ عقود إلى تطوير بدائل، وإن كان أيٌ منها لا يستطيع تعويض القدرة الاستيعابية الهائلة للمضيق بالكامل. وأهم هذه البدائل هو خط أنابيب حبشان-الفجيرة في الإمارات الذي يربط حقول النفط في أبوظبي بميناء الفجيرة على ساحل خليج عُمان، متجاوزاً مضيق هرمز تماماً، وبطاقة تبلغ نحو 1.5 مليون برميل يومياً. وهناك أيضاً خط أنابيب إيست-ويست في السعودية الذي يربط حقول النفط في المنطقة الشرقية بميناء ينبع على البحر الأحمر بطاقة تبلغ نحو خمسة ملايين برميل يومياً، وإن كان يُستخدم حالياً بأقل من طاقته الكاملة. كما تدرس سلطنة عُمان إنشاء مرافق تخزين ضخمة في رأس المركز على ساحلها المطل على بحر العرب لتكون نقطة شحن بديلة. لكن كل هذه البدائل مجتمعة لا تستطيع أن تنقل أكثر من ثلث ما يمر عبر المضيق يومياً، مما يعني أن الاعتماد عليه سيظل قائماً لعقود مقبلة مهما تعددت البدائل.
وهناك بُعد آخر للبدائل يتعلق بالتحول الطاقوي العالمي، فمع تسارع الانتقال نحو الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية، يتوقع كثيرون أن يتراجع الطلب العالمي على النفط تدريجياً خلال العقود القادمة، مما سيقلل بالتبعية من الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز. لكن هذا التحول يسير بوتيرة أبطأ كثيراً مما كان متوقعاً، فالطلب العالمي على النفط لا يزال يرتفع، وقد بلغ مستوى قياسياً جديداً تجاوز 102 مليون برميل يومياً في 2024، ومن غير المرجح أن يبلغ ذروته قبل نهاية هذا العقد على أقل تقدير. وهذا يعني أن مضيق هرمز سيظل شريان الطاقة الأهم في العالم لسنوات طويلة قادمة، وأن أي حدث يعطل حركة الملاحة فيه سيكون له تداعيات اقتصادية عالمية كارثية.
الأسطول الخامس: واشنطن حارسةً للممر
منذ إنشاء الأسطول الخامس الأمريكي في المنامة بالبحرين عام 1995، أصبحت الولايات المتحدة الضامن الفعلي لأمن الملاحة في مضيق هرمز والخليج العربي، وهو دور يكلفها مليارات الدولارات سنوياً لكنها تراه ضرورة استراتيجية لحماية تدفق النفط إلى الأسواق العالمية ولمنع أي قوة إقليمية من السيطرة على هذا الممر الحيوي. ويضم الأسطول الخامس عادة حاملة طائرات واحدة على الأقل مع مجموعتها القتالية المرافقة، إضافة إلى مدمرات وفرقاطات وغواصات وكاسحات ألغام، وهي قوة كافية لردع أي محاولة لإغلاق المضيق لكنها ليست بالضرورة كافية لمنع تعطيل قصير المدى إذا قررت إيران التصعيد. وقد أطلقت واشنطن في عام 2019 مبادرة "الحارس الدولي" لتشكيل تحالف بحري متعدد الجنسيات لحماية الملاحة في المنطقة، وانضمت إليه عدة دول بينها بريطانيا وأستراليا والبحرين والإمارات والسعودية.
لكن الوجود العسكري الأمريكي في الخليج لم يعد بالضرورة مسلّمة استراتيجية كما كان في العقود الماضية، فمع تحول الولايات المتحدة إلى أكبر منتج للنفط في العالم بفضل ثورة النفط الصخري، تراجعت حاجتها المباشرة إلى نفط الخليج، مما أثار تساؤلات داخل الكونغرس والمؤسسة الأمنية الأمريكية حول جدوى الاستمرار في تحمل تكاليف حماية ممر مائي تستفيد منه الصين واليابان وكوريا أكثر مما تستفيد منه أمريكا نفسها. وهذا التحول في الحسابات الأمريكية يُقلق دول الخليج ويدفعها إلى تطوير قدراتها الدفاعية البحرية الذاتية، وإلى تنويع شراكاتها الأمنية لتشمل فرنسا وبريطانيا وحتى الهند، في إطار استراتيجية تحوط ضد احتمال تراجع الالتزام الأمريكي.
على حافة الهاوية: العالم رهينة جغرافيا لا تتغير
إن مأساة مضيق هرمز، إن جاز التعبير، تكمن في أنه يجسد حقيقة أساسية في الجيوسياسة: أن الجغرافيا لا تتغير حتى لو تغير كل شيء آخر. فمهما تطورت التكنولوجيا ومهما تغيرت التحالفات ومهما تقدم العالم نحو مصادر طاقة بديلة، يظل هذا الممر المائي الضيق نقطة ضعف هيكلية في شبكة الطاقة العالمية لا يمكن تجاوزها بالكامل. والمفارقة أن أكثر الدول تضرراً من أي أزمة في المضيق ليست بالضرورة الدول المتحاربة بل الدول البعيدة، فارتفاع أسعار النفط بمقدار 30 دولاراً للبرميل يكفي لدفع اقتصادات هشة في أفريقيا وجنوب آسيا نحو أزمات غذائية وتضخمية كارثية. وهذا يعني أن أمن مضيق هرمز ليس شأناً خليجياً أو إيرانياً أو أمريكياً بحتاً، بل هو مسألة تتعلق بالأمن الغذائي والاقتصادي لمليارات البشر في كل أنحاء العالم.
في نهاية المطاف، يبقى مضيق هرمز تذكيراً دائماً بأن العولمة، رغم كل ما يُقال عن الاقتصاد الرقمي والتجارة الافتراضية، لا تزال تعتمد في جوهرها على سفن تحمل سوائل سوداء عبر ممرات مائية ضيقة، وأن الحضارة الإنسانية بكل تقدمها التكنولوجي لا تزال رهينة جغرافيا رُسمت قبل ملايين السنين حين انفصلت الصفيحة العربية عن الصفيحة الإيرانية تاركة بينهما شقاً مائياً لا يتجاوز عرضه ثلاثة وثلاثين كيلومتراً، ثلاثة وثلاثون كيلومتراً تختزل فيها كل هشاشة النظام العالمي وكل تناقضاته، وتذكرنا بأن القوة الحقيقية في عالم اليوم لا تكمن دائماً في من يملك أكبر جيش أو أضخم اقتصاد، بل أحياناً في من يسيطر على أضيق ممر.
