H.Bاقتصاد الشرق
طريق الحرير الجديد والموانئ العربية: بوابة بكين إلى ثلاث قارات
الملاحة البحرية

طريق الحرير الجديد والموانئ العربية: بوابة بكين إلى ثلاث قارات

حسام بعكة

حسام بعكة

٣ مارس ٢٠٢٦ · 12 دقائق

من جيبوتي إلى حيفا، ومن الدقم إلى بيريوس، تنسج الصين شبكة موانئ تُحكم قبضتها على شرايين التجارة العالمية. أين تقف الدول العربية من هذا المشروع؟

حين أطلق الأدميرال الصيني تشنغ خه أسطوله العظيم في مطلع القرن الخامس عشر، مخترقًا بحار جنوب شرق آسيا والمحيط الهندي وصولًا إلى سواحل شرق أفريقيا، لم يكن يحمل معه مدافع الاستعمار ولا صكوك الاحتلال، بل كان يحمل الحرير والخزف والشاي، مقايضًا إياها بالعاج والتوابل والعنبر. كان ذلك الأسطول تجسيدًا لفلسفة صينية عميقة ترى في التجارة أداة نفوذ أنجع من الغزو، وفي الشراكة الاقتصادية طريقًا أقصر إلى الهيمنة من الإخضاع العسكري. اليوم، بعد ستة قرون من تلك الرحلات الأسطورية، تستعيد بكين روح تشنغ خه بمشروع أضخم وأطول نفسًا، مبادرة الحزام والطريق، التي تمتد خيوطها عبر ثلاث قارات، وتنسج شبكة من الموانئ والسكك الحديدية والمناطق الصناعية تُعيد رسم خريطة القوة الاقتصادية العالمية. والدول العربية، الواقعة على ملتقى هذه الخيوط جغرافيًا وتاريخيًا، تجد نفسها أمام لحظة فارقة: إما أن تكون شريكًا فاعلًا في هذا المشروع الكوني، أو أن تتحول إلى مجرد ممر عبور تُقتطع منه الأرباح دون أن يُترك له إلا الغبار.

ميناء تجاري ضخم مع رافعات حاويات على ساحل بحري

أشباح تشنغ خه على ضفاف باب المندب

ثمة رمزية تاريخية عميقة في أن تختار الصين مضيق باب المندب، تلك البوابة الضيقة التي تفصل بين قارتين وتربط بين محيطين، لتؤسس أول قاعدة عسكرية لها خارج حدودها في العصر الحديث. ففي عام 2017، افتتحت بكين قاعدتها في جيبوتي على بُعد كيلومترات قليلة من القواعد الأمريكية والفرنسية واليابانية، في إعلان صريح بأن مصالحها التجارية في هذا الممر المائي، الذي يمر عبره ما يقارب 12% من التجارة البحرية العالمية، باتت كبيرة بما يكفي لتبرير حمايتها عسكريًا. لم تكن القاعدة مجرد منشأة لوجستية بل كانت بيان نوايا استراتيجي: الصين لم تعد قوة قارية محصورة خلف سورها العظيم، بل أصبحت قوة بحرية تمدّ ذراعيها نحو المحيطات التي تجري فيها شرايين التجارة العالمية. وميناء دوراليه، الذي تديره شركة تشاينا مرشنتس بورت هولدنغز بموجب عقد امتياز طويل الأجل، يُجسّد هذا التحول، إذ يتحكم في حركة البضائع المتدفقة نحو إثيوبيا المحاصرة جغرافيًا، ويربط القرن الأفريقي بمنظومة الإمداد الصينية الممتدة من شنغهاي إلى هامبورغ. إن اختيار جيبوتي، ذلك البلد الصغير الذي لا يتجاوز عدد سكانه مليون نسمة، ليكون نقطة ارتكاز صينية في هذا الجزء من العالم يكشف عن فهم عميق لجغرافيا القوة: فالأهمية الاستراتيجية لا تُقاس بحجم الأرض بل بموقعها على خريطة التدفقات التجارية العالمية.

عُمان والإمارات: حين تتحول الموانئ إلى ساحات اشتباك صامت

على الضفة الشرقية للجزيرة العربية، يبرز ميناء الدقم في سلطنة عُمان كواحد من أكثر المشاريع الصينية طموحًا في المنطقة. المنطقة الاقتصادية الخاصة المحيطة بالميناء، التي تبلغ مساحتها 1,745 كيلومترًا مربعًا، تستقبل استثمارات صينية تتجاوز عشرة مليارات دولار، وتضم مصفاة نفط ومجمعات صناعية ومرافق لوجستية تُحوّل هذا الموقع النائي على بحر العرب إلى نقطة محورية في شبكة الإمداد الصينية. الدقم ليست مجرد ميناء بل هي رهان استراتيجي على مستقبل ما بعد مضيق هرمز، فموقعها خارج الخليج العربي يجعلها بديلًا آمنًا في حال أيّ تصعيد عسكري يُهدد الملاحة عبر المضيق الأشهر في العالم. أما في الإمارات، فقد كشفت قضية ميناء خليفة في أبوظبي عن حدة التنافس الأمريكي-الصيني على النفوذ البحري في المنطقة. ففي عام 2021، أثارت صور الأقمار الصناعية التي كشفت عن إنشاء منشأة عسكرية صينية مُحتملة في الميناء ردّ فعل أمريكي حادًا، أسفر عن ضغوط دبلوماسية مكثفة انتهت بوقف المشروع، في تذكير صارخ بأن الموانئ العربية ليست مساحات اقتصادية محايدة بل هي رقعة شطرنج جيوسياسية تتصارع عليها القوى الكبرى بأدوات ناعمة تارة وبالتهديد تارة أخرى.

سفن شحن عملاقة محملة بالحاويات في عرض البحر

فخ الديون: حين يتحول الحرير إلى أسلاك شائكة

لا يمكن الحديث عن مبادرة الحزام والطريق دون الوقوف طويلًا أمام ما بات يُعرف بـ«فخ الديون» الصيني، تلك الظاهرة التي تبدأ بقروض ميسّرة ومشاريع بنية تحتية لامعة وتنتهي بتنازلات سيادية مؤلمة. الحالة الأبرز هي سريلانكا، التي عجزت عن سداد ديونها لبكين فاضطرت عام 2017 لتأجير ميناء هامبانتوتا للصين لمدة 99 عامًا، في مشهد يستحضر ذكريات الامتيازات الاستعمارية التي مزّقت العالم النامي في القرن التاسع عشر. وباكستان، التي تُشكّل الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني عمودها الفقري، تُعاني من أعباء ديون تُقدّر بأكثر من 65 مليار دولار لصالح بكين، مما يُقيّد سيادتها الاقتصادية ويُحوّل ميناء غوادر إلى جيب صيني بحكم الأمر الواقع. هذه التجارب تُمثّل جرس إنذار للدول العربية الأضعف اقتصاديًا، جيبوتي نفسها التي تتجاوز ديونها الخارجية 70% من ناتجها المحلي الإجمالي، ومصر التي تبحث عن أي مصدر تمويل في ظل أزمتها الاقتصادية الحادة، والسودان الذي يتأرجح بين الانهيار والإعمار. فالصين لا تمنح شيئًا مجانًا، وكل طريق حرير يحمل في طياته ثمنًا قد لا يظهر إلا بعد سنوات، حين تحين ساعة السداد ولا يكون في الخزائن ما يكفي.

الممر الهندي الشرق أوسطي: ردّ واشنطن المتأخر

أدركت واشنطن، متأخرة كعادتها في هذا النوع من السباقات، أن غياب البديل الغربي لمبادرة الحزام والطريق يترك فراغًا تملؤه بكين بلا منافس. فجاء الإعلان عن ممر IMEC، الممر الاقتصادي الهندي-الشرق أوسطي-الأوروبي، في قمة مجموعة العشرين بنيودلهي في سبتمبر 2023، كمحاولة لرسم خط تجاري بديل يربط الهند بأوروبا عبر الإمارات والسعودية والأردن وإسرائيل. المشروع طموح على الورق: سكك حديدية وكابلات بيانات وخطوط أنابيب هيدروجين تربط الشرق بالغرب عبر شبكة برية وبحرية متكاملة. لكن الفارق بين بكين وواشنطن في هذا المضمار صارخ ومؤلم: الصين أنفقت أكثر من تريليون دولار على مشاريع فعلية في أكثر من 140 دولة خلال عقد واحد، بينما لا يزال مشروع IMEC حبرًا على ورق، متعثرًا بسبب حرب غزة التي نسفت أحد أركانه الجيوسياسية، وبسبب البيروقراطية الغربية التي تُجيد الإعلان عن المبادرات وتفشل في تنفيذها. والدول العربية المعنية، السعودية والإمارات تحديدًا، تراقب هذا التعثر بقلق مشوب بالبراغماتية، إذ لا يمكنها المراهنة على مشروع قد لا يُبصر النور بينما الصين تبني فعليًا على أرض الواقع.

المعادلة العربية: بين التنين والنسر

تقف الدول العربية، وبخاصة دول الخليج، عند نقطة التقاطع الأكثر حساسية في هذا الصراع بين القوتين العظميين. فهي شريك أمني تقليدي لواشنطن التي تحمي ممرات النفط بأساطيلها منذ عقود، وشريك تجاري متنامٍ لبكين التي باتت أكبر مستورد للنفط الخليجي بحصة تتجاوز 25% من إجمالي صادرات المنطقة النفطية. هذا الموقع المزدوج يمنح دول الخليج الثرية ورقة تفاوضية ثمينة، فالقدرة على التلويح بالتقارب مع بكين تُعزز الموقف التفاوضي مع واشنطن، والعكس صحيح. لكن هذه اللعبة محفوفة بالمخاطر، لأن كلا القوتين ستصل في لحظة ما إلى نقطة تطالب فيها حلفاءها بالاختيار الحاسم، كما فعلت واشنطن في قضية ميناء خليفة، وكما قد تفعل بكين مستقبلًا حين تشتدّ المواجهة حول تايوان وتحتاج إلى ضمان ولاء شركائها في الشرق الأوسط. الحكمة العربية تقتضي استثمار هذه المرحلة الانتقالية، التي لم يتضح فيها بعد شكل النظام الدولي الجديد، لتعظيم المكاسب من الطرفين دون الوقوع في فخ الانحياز الكامل لأيّ منهما.

خريطة طرق تجارية قديمة مع مسارات بحرية وبرية

ما وراء الموانئ: الرقمنة والسيطرة على البيانات

لا يقتصر المشروع الصيني على الموانئ والسكك الحديدية، بل يمتد إلى فضاء أقل وضوحًا لكنه أشد خطورة: البنية التحتية الرقمية. شركة هواوي تبني شبكات الجيل الخامس في عدد متزايد من الدول العربية. وعلي بابا تُنشئ مراكز بيانات سحابية في السعودية والإمارات. وشركات التكنولوجيا المالية الصينية تتغلغل في أنظمة الدفع الإلكتروني عبر المنطقة. هذا التمدد الرقمي يُثير أسئلة جوهرية حول السيادة التكنولوجية، فمن يبني شبكتك الرقمية يملك مفاتيح بياناتك، ومن يتحكم في بياناتك يتحكم في جزء من مصيرك. واشنطن تُحذّر من هذا الخطر بلا كلل، لكنها لا تُقدّم بديلًا تنافسيًا بالسعر والسرعة ذاتهما، فشركات التكنولوجيا الأمريكية تبيع بأسعار أعلى وبشروط أكثر تعقيدًا، بينما الصين تعرض حلولًا متكاملة وبأسعار تكاد تكون مُغرية إلى حدّ الريبة. والدول العربية تجد نفسها، مرة أخرى، أمام خيارات لا تحسم بسهولة، في معادلة تمزج بين الاقتصاد والأمن والسيادة بنسب مُربكة.

دروس التاريخ ومرايا المستقبل

التاريخ لا يُعيد نفسه حرفيًا، لكنه ينظم إيقاعاته على أنماط مألوفة. في القرن التاسع عشر، تنافست بريطانيا وفرنسا على الموانئ العربية من عدن إلى الجزائر، وتحوّلت المنطقة إلى ساحة نفوذ استعماري غيّر مسار تاريخها لقرن كامل. في القرن العشرين، حلّت أمريكا محل الإمبراطوريات الأوروبية وبنت قواعدها العسكرية من البحرين إلى جيبوتي، مُقايضةً حماية الأنظمة بالهيمنة على قرارات الحرب والسلم. واليوم، في القرن الحادي والعشرين، تدخل الصين المشهد بأدوات مختلفة ظاهريًا لكنها تُحقق الهدف ذاته: النفوذ والسيطرة على ممرات التجارة العالمية التي تمرّ عبر الأراضي العربية. الفارق الجوهري هو أن الدول العربية اليوم تملك من الثروة والخبرة والوعي ما يُمكّنها، نظريًا، من التفاوض بندّية لم تكن متاحة لأسلافها. لكن النظرية شيء والممارسة شيء آخر، فالتفاوض بندّية يتطلب رؤية استراتيجية موحدة وتنسيقًا إقليميًا فعّالًا، وكلاهما ما زال ناقصًا في المنظومة العربية. إن طريق الحرير الجديد، بكل ما يحمله من وعود اقتصادية ومخاطر جيوسياسية، هو في جوهره اختبار لقدرة العالم العربي على تحويل موقعه الجغرافي من لعنة تجلب الأطماع إلى نعمة تُدرّ الثروة والنفوذ. والتاريخ، ذلك المعلم القاسي الذي لا يمنح دروسًا مجانية، ينتظر ليرى إن كانت هذه المنطقة قد تعلّمت أخيرًا كيف تكون لاعبًا لا ملعبًا.

حسام بعكة

حسام بعكة

كاتب ومحلل اقتصادي متخصص في شؤون الشرق الأوسط والاقتصاد العالمي. يقدم تحليلات معمّقة تربط بين الجيوسياسة والأسواق والتحولات الاقتصادية الكبرى.

المزيد عن الكاتب

مقالات ذات صلة