حين يهز فتيل صغير أركان التجارة العالمية
لم يكن أحد في أروقة المنظمات التجارية الدولية أو في مقرات شركات الشحن الكبرى يتصور أن جماعة مسلحة تتمركز في أحد أفقر بلدان العالم العربي يمكن أن تُعيد رسم خريطة التجارة البحرية العالمية بأسرها، لكن هذا هو بالضبط ما فعلته جماعة أنصار الله الحوثية منذ نوفمبر 2023، حين بدأت في استهداف السفن التجارية المارة عبر مضيق باب المندب والبحر الأحمر فيما وصفته بأنه دعم للفلسطينيين في غزة. وما بدأ بهجوم واحد على سفينة واحدة تحول خلال أسابيع إلى حملة منهجية من الهجمات بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة والزوارق المفخخة، أجبرت أكبر شركات الشحن في العالم، ميرسك وهاباغ لويد وإيفرغرين وسي إم أيه، على تحويل مسار سفنها بعيداً عن البحر الأحمر نحو طريق رأس الرجاء الصالح حول أفريقيا، مضيفة آلاف الأميال البحرية وأياماً عديدة إلى زمن الرحلة وملايين الدولارات إلى تكاليف الشحن. وهكذا أصبحت ميليشيا لا يتجاوز تعداد مقاتليها مئتي ألف شخص قادرة على إرباك شبكة تجارية يعتمد عليها ثمانية مليارات إنسان في غذائهم وملابسهم وأجهزتهم الإلكترونية وكل ما يحتاجونه من مستلزمات الحياة اليومية.
إن ما حدث في البحر الأحمر ليس مجرد أزمة ملاحية عابرة بل هو كشف درامي لهشاشة نظام التجارة العالمي، ذلك النظام الذي بُني على افتراض أن الممرات البحرية الدولية ستبقى مفتوحة وآمنة دائماً، وأن عصر القرصنة وقطع الطرق البحرية قد ولّى إلى غير رجعة. وقد تبين أن هذا الافتراض كان ساذجاً إلى حد بعيد، وأن عالم ما بعد الحرب الباردة لم يكن أكثر أماناً مما سبقه بل كان فقط أكثر انشغالاً بأوهامه. ومضيق باب المندب، ذلك الممر الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي والذي يبلغ عرضه نحو 26 كيلومتراً فقط، يمر عبره نحو 12% من التجارة البحرية العالمية في الظروف الطبيعية، بما في ذلك معظم التجارة بين أوروبا وآسيا التي تسلك قناة السويس. وحين أصبح هذا الممر غير آمن، اهتزت سلاسل الإمداد العالمية بأكملها، وتذكر العالم، مرة أخرى بعد أزمة سفينة إيفر غيفن عام 2021، أن حضارته الرقمية المتطورة لا تزال تعتمد على سفن بطيئة تبحر في ممرات ضيقة.
باب المندب: البوابة التي لا يملكها أحد ويخشاها الجميع
يقع مضيق باب المندب عند الطرف الجنوبي للبحر الأحمر، حيث تفصل مياه ضيقة بين جيبوتي وإريتريا على الساحل الأفريقي واليمن على الساحل العربي، ويعني اسمه حرفياً "باب الدموع"، وهي تسمية قديمة تعكس خطورة المرور عبره بسبب رياحه وتياراته القوية. لكن الدموع اليوم ليست دموع البحارة خوفاً من الأمواج، بل دموع الاقتصاد العالمي الذي يدفع ثمناً باهظاً لعدم قدرته على تأمين هذا الممر الحيوي. ففي الأوضاع الطبيعية، يمر عبر باب المندب يومياً نحو 70 سفينة تجارية تحمل ما قيمته ملايين الدولارات من البضائع، من النفط الخام والغاز المسال إلى الحاويات المحملة بالإلكترونيات والملابس وقطع غيار السيارات والأغذية. وتُقدر قيمة التجارة السنوية التي تمر عبر هذا المضيق بنحو تريليون دولار، مما يجعله ثاني أهم نقطة اختناق بحرية في العالم بعد مضيق ملقا في جنوب شرق آسيا.
وما يجعل أزمة البحر الأحمر مختلفة عن الأزمات البحرية السابقة هو طبيعة الفاعل الذي يقف وراءها، فالحوثيون ليسوا دولة يمكن ردعها بالطرق الدبلوماسية التقليدية أو محاصرتها اقتصادياً، وليسوا قراصنة يسعون إلى الربح المادي يمكن التفاوض معهم على فدية، بل هم جماعة أيديولوجية مسلحة تملك ترسانة متطورة من الأسلحة الإيرانية الصنع وتعمل وفق أجندة إقليمية معقدة تتشابك فيها الدوافع المحلية اليمنية مع الصراع الإيراني الخليجي مع القضية الفلسطينية. وقد أظهرت هذه الجماعة قدرة مفاجئة على التكيف والابتكار، فبدأت بالطائرات المسيرة البسيطة ثم انتقلت إلى الصواريخ الباليستية المضادة للسفن ثم إلى الزوارق المسيرة المفخخة، وفي كل مرة كانت تطور تكتيكاتها للتحايل على الدفاعات الغربية. وقد نجحت في إصابة عشرات السفن وإغراق سفينتين على الأقل، كما أجبرت القوات الأمريكية والبريطانية على إنفاق ملايين الدولارات في صواريخ اعتراضية تفوق تكلفتها أضعاف تكلفة المسيرات التي تعترضها، وهو ما خلق معادلة اقتصادية عبثية يخسر فيها المدافع أكثر مما يخسر المهاجم.
فاتورة الرعب: كيف تضاعفت تكاليف الشحن العالمي
الأرقام وحدها تروي حجم الكارثة الاقتصادية التي سببتها هجمات الحوثيين، فتكلفة شحن حاوية قياسية بطول 40 قدماً من شنغهاي إلى روتردام قفزت من نحو 1,500 دولار قبل الأزمة إلى أكثر من 6,000 دولار في ذروتها، أي بزيادة تجاوزت 300%. وارتفعت أقساط التأمين على السفن المارة بالبحر الأحمر بنسب فلكية وصلت إلى عشرة أضعاف مستوياتها الطبيعية، مما جعل شركات الشحن تفضل المسار الأطول حول أفريقيا رغم التكلفة الإضافية في الوقود والوقت. وقد أدى تحويل المسار إلى إضافة 10 إلى 14 يوماً لزمن الرحلة بين آسيا وأوروبا، مما يعني الحاجة إلى مزيد من السفن لنقل الكمية نفسها من البضائع، وبالتالي مزيداً من الضغط على قطاع الشحن الذي يعاني أصلاً من نقص في الطاقة الاستيعابية. وقد قدرت وكالة بلومبرغ أن التكلفة الإجمالية للأزمة على التجارة العالمية تجاوزت 100 مليار دولار خلال الأشهر الستة الأولى فقط، وهي تكلفة يتحملها في نهاية المطاف المستهلك العادي في أسعار أعلى للسلع.
لكن التكاليف لا تتوزع بالتساوي على الجميع، فهناك رابحون وخاسرون في هذه الأزمة كما في كل أزمة. أكبر الخاسرين بلا شك هي مصر التي خسرت نحو 40% من إيرادات قناة السويس مع تراجع عدد السفن العابرة من نحو 77 سفينة يومياً إلى أقل من 40 في بعض الفترات، وهو ما يمثل خسارة سنوية تُقدر بأكثر من 4 مليارات دولار، وهي خسارة كارثية لاقتصاد يعاني أصلاً من شح في العملة الصعبة. وتخسر أيضاً الدول الأوروبية التي تعتمد بشكل كبير على الواردات الآسيوية عبر السويس، وكذلك الدول الأفريقية التي ارتفعت فيها أسعار المواد الغذائية المستوردة. أما الرابحون النسبيون فيشملون شركات الشحن التي رفعت أسعارها بشكل كبير، وموانئ جنوب أفريقيا التي شهدت زيادة في حركة السفن المارة، والموردين البديلين للطاقة الذين استفادوا من ارتفاع تكاليف النقل من الخليج إلى أوروبا.
عملية حارس الازدهار: حين يعجز الأسطول عن حماية التجارة
في ديسمبر 2023، أعلنت الولايات المتحدة عن تشكيل تحالف بحري متعدد الجنسيات أسمته "عملية حارس الازدهار" لحماية الملاحة في البحر الأحمر، لكن هذا التحالف واجه منذ البداية تحديات هيكلية كشفت حدود القوة العسكرية التقليدية في مواجهة تهديدات غير تقليدية. فمن ناحية، رفضت دول عربية رئيسية مثل السعودية والإمارات ومصر المشاركة في العملية رغم أنها من أكثر المتضررين من الأزمة، وذلك لأنها لا تريد أن تُصور على أنها تقاتل جماعة تدعي الدفاع عن فلسطين في وقت يعاني فيه الفلسطينيون في غزة من حرب مدمرة. ومن ناحية أخرى، تبين أن اعتراض الصواريخ والمسيرات الحوثية الرخيصة بصواريخ أمريكية تبلغ تكلفة الواحد منها أكثر من مليوني دولار هو معادلة اقتصادية غير مستدامة، فالمدمرة الأمريكية الواحدة تحمل مخزوناً محدوداً من الصواريخ الاعتراضية، ويجب أن تعود إلى القاعدة لإعادة التذخير بعد كل موجة هجمات. وقد أنفق البنتاغون أكثر من مليار دولار على العمليات في البحر الأحمر خلال الأشهر الأولى من الأزمة، وهو مبلغ يفوق الميزانية العسكرية الكاملة لجماعة الحوثيين.
ولم تفلح الضربات الجوية الأمريكية والبريطانية على مواقع الحوثيين في اليمن في وقف الهجمات، بل يمكن القول إنها جاءت بنتائج عكسية في بعض الجوانب، إذ عززت شعبية الحوثيين داخلياً ومنحتهم شرعية إضافية في الشارع العربي. وهذا يكشف عن معضلة استراتيجية أوسع: كيف تردع دولة عظمى جماعة مسلحة لا تملك ما تخسره ولا تخشى التصعيد؟ الجواب التقليدي هو الضغط على الدولة الراعية، أي إيران في هذه الحالة، لكن طهران تنفي سيطرتها المباشرة على الحوثيين وتؤكد أن قرارهم مستقل، وحتى لو صح أن إيران تستطيع إيقاف الهجمات فإنها لا تملك حافزاً لفعل ذلك طالما أن الأزمة تخدم مصالحها الاستراتيجية في إرباك الغرب وإظهار قدرة محورها الإقليمي على التأثير في الأحداث العالمية.
خطوط التجارة الجديدة: حين يُعاد رسم الخريطة بالنار
إن أخطر ما في أزمة البحر الأحمر ليس تأثيرها المباشر على تكاليف الشحن، فهذه التكاليف ستعود إلى مستوياتها الطبيعية عاجلاً أم آجلاً بعد انتهاء الأزمة، بل تأثيرها البنيوي على طريقة تفكير صناع القرار في الشركات والحكومات حول أمن سلاسل الإمداد. فقد دفعت الأزمة كثيراً من الشركات إلى إعادة تقييم اعتمادها على الممرات البحرية التقليدية والبحث عن بدائل، سواء كانت طرقاً برية مثل خط سكة حديد الشمال الجنوبي الذي يربط الهند بروسيا عبر إيران وأذربيجان، أو ممرات بحرية بديلة مثل الممر القطبي الشمالي الذي يصبح أكثر قابلية للملاحة مع ذوبان الجليد القطبي. كما عززت الأزمة الحجة المؤيدة لتنويع سلاسل الإمداد وتقريبها من أسواق الاستهلاك، وهو اتجاه كان قائماً أصلاً منذ جائحة كوفيد لكنه تسارع بشكل ملحوظ مع أزمة البحر الأحمر.
والأهم من كل ذلك أن الأزمة كشفت عن حقيقة غير مريحة: أن النظام التجاري العالمي القائم على حرية الملاحة البحرية هو في الحقيقة نظام هش يعتمد على ضمانات أمنية لم تعد مطلقة. فالولايات المتحدة التي كانت تاريخياً ضامن حرية الملاحة في المحيطات لم تستطع حماية التجارة في البحر الأحمر رغم نشرها عشرات السفن الحربية وإطلاقها مئات الصواريخ، وهذا يعني أن عصر الهيمنة البحرية الأمريكية المطلقة قد يكون في طريقه إلى الأفول، وأن العالم يدخل حقبة جديدة يكون فيها أمن التجارة البحرية مسؤولية مشتركة أو لا يكون أصلاً. إن البحر الأحمر اليوم هو مرآة تعكس كل تناقضات عالمنا المعاصر: عولمة اقتصادية لا يحميها نظام أمني عولمي، وتكنولوجيا متطورة تعجز أمام تكتيكات بدائية نسبياً، وقوى عظمى تملك أساطيل بمليارات الدولارات لكنها لا تستطيع تأمين ممر مائي واحد أمام ميليشيا تقاتل بمسيرات لا تتجاوز تكلفتها بضعة آلاف من الدولارات. وربما كان الدرس الأعمق من هذه الأزمة هو أن القوة في عالم اليوم لم تعد تُقاس بحجم الترسانة وحده، بل بالإرادة والمرونة والقدرة على فرض تكاليف باهظة على الخصم بأدوات رخيصة، وهو درس تتعلمه ميليشيات وجماعات مسلحة في كل أنحاء العالم وهي تراقب ما حققه الحوثيون في البحر الأحمر.
