قبل أن يرسم الأوروبيون حدودهم الاستعمارية بالمسطرة على خرائط أفريقيا في مؤتمر برلين عام 1884، كانت قوافل التجارة العربية تعبر الصحراء الكبرى وتمخر عباب المحيط الهندي منذ أكثر من ألف عام، ناسجةً شبكة من العلاقات الاقتصادية والثقافية جعلت ساحل شرق أفريقيا امتدادًا طبيعيًا للعالم العربي. زنجبار، تلك الجزيرة التي يعني اسمها "ساحل السود" بالفارسية العربية، كانت عاصمة سلطنة عُمانية مزدهرة، وممباسا كانت محطة تجارية عربية قبل أن يصلها البرتغاليون بقرون، ومقديشو حملت في أزقتها لهجة عربية ممزوجة بالسواحيلية شكّلت هوية ثقافية فريدة. هذا الإرث الحضاري العميق، الذي نُقش في عمارة المدن الساحلية الأفريقية ولغاتها وتقاليدها التجارية، يجعل العلاقة العربية-الأفريقية أقدم وأعمق من أي شراكة أجنبية أخرى مع القارة. لكن المفارقة المُرّة أن هذا التاريخ الطويل لا يُترجم اليوم إلا إلى أرقام تجارية هزيلة وحضور اقتصادي متواضع، بينما تتسابق الصين وأمريكا وأوروبا وتركيا والهند على اقتسام ثروات القارة التي تحتضن 1.4 مليار إنسان وأسرع اقتصادات العالم نموًا.
أرقام الخجل: التجارة العربية-الأفريقية في ميزان المقارنة
الأرقام تفضح حجم التقصير العربي تجاه أفريقيا بصورة لا تحتمل التأويل. حجم التجارة العربية مع أفريقيا جنوب الصحراء لا يتجاوز 40 مليار دولار سنويًا، رقم يبدو شاحبًا أمام 280 مليار دولار للتجارة الصينية-الأفريقية، و120 مليار دولار للتجارة الأوروبية-الأفريقية، وحتى 65 مليار دولار للتجارة الهندية-الأفريقية. والاستثمارات العربية المباشرة في أفريقيا، رغم نموها في السنوات الأخيرة، لا تزال محصورة في قطاعات ضيقة كالعقارات والاتصالات والموانئ، ولا تمسّ القطاعات التحويلية التي تصنع فرق النمو الحقيقي. الإمارات هي الأنشط عربيًا باستثمارات تُقدّر بنحو 60 مليار دولار تراكميًا، تليها السعودية بنحو 25 مليارًا، ثم المغرب الذي أصبح أكبر مستثمر أفريقي في غرب القارة ووسطها. لكن هذه الأرقام مجتمعة تبقى أقل من استثمار شركة صينية واحدة كـ"تشاينا ستيت كونستراكشن" في القارة خلال العقد الأخير. الفجوة ليست في الإمكانات المالية، فالثروة السيادية العربية تتجاوز أربعة ترليونات دولار، بل في الرؤية الاستراتيجية والإرادة المؤسسية.
التنين الصيني في القارة السمراء: درس في الصبر الاستراتيجي
ما فعلته الصين في أفريقيا خلال عقدين يستحق أن يُدرّس في أكاديميات الاستراتيجية العربية، لا للتقليد بل للتعلم. بكين بدأت بمقاربة منهجية: أولًا البنية التحتية، الطرق والسكك الحديدية والموانئ والسدود، التي تحتاجها أفريقيا بشدة ولا يُقدّمها الغرب بشروط مقبولة. ثم التجارة، فتح الأسواق الصينية أمام المنتجات الأفريقية وإغراق القارة بسلع رخيصة تُلبّي حاجة الطبقات الدنيا. ثم التمويل، قروض ميسّرة بلا شروط سياسية ظاهرة، لكن مربوطة بضمانات استراتيجية خفية كحقوق التعدين وامتيازات الموانئ. النتيجة: الصين أصبحت الشريك التجاري الأول لأفريقيا، والمموّل الأكبر لبنيتها التحتية، والقوة الأكثر نفوذًا في كثير من عواصمها. منتدى التعاون الصيني-الأفريقي "فوكاك" يجمع أكثر من 50 رئيس دولة أفريقية كل ثلاث سنوات، وهو حشد لا تستطيع أي قمة عربية-أفريقية مجاراته. هذا الدرس يقول شيئًا واحدًا: الحضور الاقتصادي في أفريقيا يحتاج صبرًا استراتيجيًا ورؤية طويلة المدى وأدوات مؤسسية، لا مجرد صفقات متفرقة ومبادرات موسمية.
المغرب: النموذج العربي الوحيد الذي يستحق المتابعة
في المشهد العربي-الأفريقي الباهت، يبرز المغرب كاستثناء لافت يستحق التأمل. فمنذ تولي الملك محمد السادس العرش عام 1999، أطلقت الرباط استراتيجية أفريقية منهجية تجمع بين الدبلوماسية الملكية المباشرة، أكثر من 50 زيارة ملكية لدول أفريقية، والاستثمار المصرفي عبر مجموعات كأتيجاري وافا بنك والبنك المغربي للتجارة الخارجية اللذين أصبحا من أكبر المؤسسات المالية في غرب ووسط أفريقيا، والتعاون في الفوسفات والزراعة والتدريب المهني. عودة المغرب إلى الاتحاد الأفريقي عام 2017 بعد 33 سنة من الانسحاب كانت تتويجًا لهذا التوجه. النتيجة ملموسة: المغرب ثاني أكبر مستثمر أفريقي في القارة بعد جنوب أفريقيا، وحصته تتنامى في قطاعات البنوك والتأمين والاتصالات والبنية التحتية. لكن المغرب وحده لا يستطيع أن يمثل العالم العربي كله في قارة بحجم أفريقيا، والمطلوب أن يتحوّل النموذج المغربي من استثناء إلى قاعدة.
جيبوتي وباب المندب: الجسر الذي ينتظر البناء
جيبوتي، ذلك البلد الصغير الواقع على ملتقى البحر الأحمر وخليج عدن، يحمل في موقعه الجغرافي إمكانية أن يكون الجسر الحقيقي بين العالم العربي وأفريقيا. عضويته المزدوجة في الجامعة العربية والاتحاد الأفريقي تمنحه وضعًا فريدًا لا يتمتع به أي بلد آخر. الاستثمارات الإماراتية والسعودية في موانئه ومناطقه الحرة بدأت تُشكّل نواة لمنصة لوجستية يمكن أن تربط الأسواق العربية بالسوق الإثيوبية، ثاني أكبر سوق في أفريقيا بأكثر من 120 مليون نسمة، وبأسواق شرق أفريقيا عمومًا. لكن جيبوتي تواجه منافسة شرسة من الصين التي تمتلك قاعدة عسكرية ومرافق لوجستية كبيرة فيها، ومن القوى الغربية التي تتمسّك بوجودها العسكري في هذا الموقع الحيوي. السؤال: هل تستطيع الدول العربية أن تُحوّل جيبوتي إلى "سنغافورة عربية-أفريقية" تكون بوابة تجارية ومالية ولوجستية تربط بين العالمين؟ الإمكانية موجودة، لكن الإرادة والتنسيق العربيين ما زالا غائبين.
القارة الأخيرة: ساعة الحسم تدقّ
منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، التي دخلت حيز التنفيذ رسميًا، تُنشئ أكبر منطقة تجارة حرة في العالم من حيث عدد الدول المشاركة، بسوق يتجاوز 3.4 تريليون دولار وطبقة متوسطة متنامية ستبلغ 1.1 مليار شخص بحلول 2060 وفق تقديرات بنك التنمية الأفريقي. هذه الأرقام تعني أن أفريقيا ليست مجرد سوق واعد بل هي مستقبل الاستهلاك العالمي، القارة الوحيدة التي ستشهد نموًا سكانيًا حقيقيًا في النصف الثاني من القرن بينما تشيخ أوروبا وتتباطأ آسيا. الدول التي تُرسي شراكاتها اليوم ستكون في موقع القوة غدًا، والصين فهمت هذا قبل الجميع. الدول العربية تملك ميزات لا تملكها بكين ولا واشنطن: القرب الجغرافي، ساعتان بالطائرة من الخليج إلى أديس أبابا، والعمق الديني والثقافي في شرق وغرب أفريقيا، والمال السيادي الباحث عن عوائد. لكن تحويل هذه الميزات من حنين تاريخي إلى استراتيجية اقتصادية يحتاج إلى مؤسسات وأدوات ورؤية بعيدة المدى.
أفريقيا هي القارة التي ستُحدد ملامح القرن الحادي والعشرين، ديموغرافيًا واقتصاديًا وبيئيًا. والدول العربية التي تجاهلت هذا الممر لعقود تُدرك اليوم، متأخرة لكن ليس بعد فوات الأوان، أن من لا يزرع في تربة أفريقيا اليوم لن يحصد شيئًا غدًا. فالتاريخ المشترك رصيد ثمين، لكنه وحده لا يبني شراكات، بل يحتاج إلى إرادة ومال ومؤسسات وصبر استراتيجي طويل النفس.
