حين أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أولى طلقات الحرب التجارية ضد الصين في مارس 2018 بفرض رسوم جمركية على واردات صينية بقيمة ستين مليار دولار، لم يكن كثيرون في العالم العربي يتوقعون أن تصل شظايا هذه الحرب إلى شواطئ الخليج العربي ووادي النيل وموانئ المغرب العربي. فالحرب التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم بدت شأناً ثنائياً بين واشنطن وبكين، صراعاً على التكنولوجيا والملكية الفكرية والعجز التجاري لا علاقة مباشرة للعرب به. لكن الواقع أثبت أن هذه النظرة كانت ساذجة بشكل خطير، فالنظام التجاري العالمي ليس مجموعة من العلاقات الثنائية المعزولة بل شبكة معقدة من التبادلات والتشابكات التي تعني أن أي اضطراب في أي نقطة منها ينتشر كالموجات في بركة ماء ليصل إلى أبعد الشواطئ. واليوم، بعد سنوات من التصعيد والتهدئة والتصعيد مجدداً، ومع رسوم جمركية أمريكية تتجاوز ستين بالمئة على بعض الواردات الصينية ورسوم انتقامية صينية مماثلة، يجد العالم العربي نفسه حرفياً بين نارين، مضطراً إلى السير على حبل مشدود بين أكبر مستورد لنفطه وأكبر شريك تجاري ومقرض واحد ومزود للتكنولوجيا والبنية التحتية.
نفط بلا وطن: حين تتأرجح أسعار الخام بين واشنطن وبكين
يظل النفط هو الشريان الأكثر حساسية الذي يربط العالم العربي بالحرب التجارية الأمريكية الصينية. فالصين التي تستورد أكثر من أحد عشر مليون برميل يومياً، أكثر من نصفها من دول الخليج العربي والعراق، هي الزبون الأكبر والأهم للنفط العربي. وأي تباطؤ في الاقتصاد الصيني نتيجة الحرب التجارية ينعكس مباشرة على الطلب على النفط وبالتالي على أسعاره وعلى إيرادات الدول المنتجة. وقد شهدنا هذا الارتباط بوضوح، ففي كل مرة تصاعدت فيها التوترات التجارية بين البلدين انخفضت أسعار النفط استجابة لتوقعات تراجع الطلب العالمي، مما أجبر أوبك+ على تخفيض الإنتاج لدعم الأسعار وهو ما يعني إيرادات أقل للدول المنتجة. والمفارقة أن الولايات المتحدة التي تشن الحرب التجارية أصبحت بدورها أكبر منتج للنفط في العالم بفضل ثورة النفط الصخري، مما يعني أن أي انخفاض في الأسعار لا يضر بالسعودية والإمارات والعراق فحسب بل يخدم المستهلك الأمريكي بشكل غير مباشر، وهو ما يجعل واشنطن أقل حساسية لمعاناة المنتجين العرب.
لكن التأثير لا يقتصر على الأسعار بل يمتد إلى بنية تجارة الطاقة نفسها. فالصين، التي تشعر بالقلق المتزايد من اعتمادها على مضيق هرمز الذي تمر عبره ثمانون بالمئة من وارداتها النفطية والذي يمكن للأسطول الأمريكي إغلاقه نظرياً في حالة صراع مباشر، تسعى إلى تنويع مصادرها بعيداً عن الخليج، مع زيادة وارداتها من روسيا وإيران وفنزويلا وغيرها من الدول التي تقع خارج المظلة الأمنية الأمريكية. وهذا التحول، وإن كان بطيئاً، يمثل تهديداً استراتيجياً طويل المدى لدول الخليج التي بنت ازدهارها على كونها المورد الموثوق والمستقر للطاقة لأكبر المستوردين في العالم. والسؤال الذي يقلق المخططين في الرياض وأبوظبي والكويت هو: ماذا لو قررت الصين في مرحلة ما أن تقلل اعتمادها على نفط الخليج بشكل جوهري لأسباب جيوسياسية لا اقتصادية؟
حرب الجيل الخامس: العرب في مفترق الطرق التكنولوجي
إذا كان النفط هو البعد التقليدي للتأثر العربي بالحرب التجارية، فإن التكنولوجيا هي البعد الأحدث والأكثر إثارة للقلق. فالصراع الأمريكي الصيني تحول بشكل متزايد من حرب رسوم جمركية إلى حرب تكنولوجية شاملة، تشمل الرقائق الإلكترونية المتقدمة والذكاء الاصطناعي وشبكات الجيل الخامس والحوسبة الكمية. وفي قلب هذه الحرب تقف شركة هواوي الصينية التي فرضت عليها واشنطن عقوبات قاسية منعتها من الوصول إلى التكنولوجيا الأمريكية. والعالم العربي، الذي يعتمد بشكل كبير على التكنولوجيا المستوردة، وجد نفسه مجبراً على الاختيار بين المعسكرين في ملف شبكات الجيل الخامس تحديداً. فالولايات المتحدة مارست ضغوطاً هائلة على حلفائها في المنطقة لاستبعاد هواوي من بناء شبكات الاتصالات، بينما عرضت الصين أسعاراً أقل بكثير وتكنولوجيا متقدمة وتمويلاً ميسراً يصعب رفضه.
والنتيجة كانت استجابات متباينة تعكس حسابات كل دولة الخاصة، فالسعودية والإمارات والبحرين حافظت على علاقات تجارية مع هواوي في بعض القطاعات بينما أبعدتها عن البنية التحتية الأكثر حساسية استجابة للضغوط الأمريكية. ومصر والأردن والمغرب، الأقل عرضة للضغط الأمريكي في هذا الملف، واصلت التعامل مع هواوي بشكل أوسع في بناء شبكاتها. لكن هذا الموقف الوسطي يزداد صعوبة مع تصاعد الحرب التكنولوجية، فالولايات المتحدة وسعت عقوباتها لتشمل ليس فقط هواوي بل عشرات الشركات الصينية الأخرى في مجالات الذكاء الاصطناعي والرقائق والأقمار الصناعية، وبدأت تطالب حلفاءها بالتقيد الكامل بهذه العقوبات تحت طائلة عقوبات ثانوية. والمشكلة أن كثيراً من الدول العربية استثمرت مليارات الدولارات في بنية تحتية تكنولوجية صينية يصعب استبدالها بين عشية وضحاها، مما يجعلها رهينة لخيارات اتُخذت في مرحلة كانت الحرب التكنولوجية فيها أقل حدة.
والبعد الأخطر في هذه الحرب التكنولوجية يتعلق بالذكاء الاصطناعي، فالولايات المتحدة فرضت قيوداً صارمة على تصدير رقائق إنفيديا المتقدمة المستخدمة في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي الكبرى، ليس فقط إلى الصين بل إلى دول عربية أيضاً ضمن ما يُعرف بتصنيف الدول إلى فئات حسب درجة الثقة الأمنية. والإمارات والسعودية اللتان تستثمران مليارات الدولارات في بناء قدرات الذكاء الاصطناعي، من خلال شركات مثل G42 الإماراتية ومبادرات مثل SDAIA السعودية، وجدتا نفسيهما في مواجهة معادلة مؤلمة: إما القبول بالقيود الأمريكية والتخلي عن الشراكات الصينية في هذا المجال، أو المخاطرة بفقدان الوصول إلى أحدث التقنيات الأمريكية. وهذا الواقع يكشف عن الحدود الحقيقية للطريق الثالث الذي تسعى إليه الدول العربية، ففي عالم الرقائق والخوارزميات لا مجال للحياد حين يفرض صانع التكنولوجيا شروطه على مستخدميها.
سلاسل الإمداد المكسورة: العرب يدفعون ثمن حرب ليست حربهم
من أكثر التأثيرات مباشرة وإيلاماً للحرب التجارية على الاقتصادات العربية هو اضطراب سلاسل الإمداد العالمية. فالرسوم الجمركية المتبادلة بين الولايات المتحدة والصين لم ترفع تكلفة التجارة الثنائية بينهما فحسب بل أعادت رسم خريطة التجارة العالمية بأسرها، حيث بدأت الشركات تنقل مصانعها من الصين إلى دول أخرى في جنوب شرق آسيا والهند والمكسيك لتجنب الرسوم، مما خلق اضطرابات في التوريد أثرت على كل من يعتمد على هذه السلاسل. والدول العربية التي تستورد الجزء الأكبر من سلعها الاستهلاكية والصناعية، من الإلكترونيات والسيارات إلى المواد الغذائية والأدوية، شهدت ارتفاعاً ملموساً في تكاليف الاستيراد وتأخيرات في التسليم وتقلصاً في الخيارات المتاحة. ومصر مثلاً التي تستورد ما يقارب سبعين بالمئة من غذائها، بما في ذلك القمح الذي يمثل عماد الغذاء لأكثر من مئة مليون مصري، تأثرت بشكل مباشر بارتفاع تكاليف الشحن وأسعار السلع العالمية الناتج جزئياً عن الاضطرابات في سلاسل الإمداد.
والأثر لا يقتصر على الأسعار بل يمتد إلى الخيارات الاستراتيجية، فالدول العربية التي كانت تعتمد بشكل شبه كامل على الصين كمصدر للسلع الرخيصة بدأت تدرك مخاطر هذا الاعتماد الأحادي. والإمارات والسعودية بدأتا بالفعل في تنويع سلاسل إمدادهما واستقطاب مصانع ومستودعات إقليمية ضمن رؤية أوسع لتحويل المنطقة إلى مركز لوجستي عالمي. لكن هذا التحول يحتاج سنوات واستثمارات ضخمة وبنية تحتية لا تتوفر بسهولة، وفي المدى القصير يبقى العرب مستهلكين يدفعون ثمناً متزايداً لحرب تجارية لم يختاروها ولا يملكون أدوات التأثير فيها. والمفارقة أن بعض الدول العربية، مثل المغرب وتونس ومصر، قد تستفيد من إعادة ترتيب سلاسل الإمداد إذا نجحت في جذب المصانع التي تغادر الصين، لكن هذا يتطلب تحسينات جوهرية في بيئة الأعمال والبنية التحتية والقوى العاملة لم تتحقق بعد بالقدر الكافي.
فن التوازن: كيف يمشي العرب بين قطرات المطر؟
ما يجعل الموقف العربي فريداً في سياق الحرب التجارية هو أن معظم الدول العربية الكبرى تحتفظ بعلاقات استراتيجية عميقة مع كلا الطرفين، فالسعودية والإمارات ومصر والأردن ودول الخليج الأخرى تعتمد على الولايات المتحدة كضامن أمني أساسي وكمصدر للسلاح المتطور وكحليف سياسي في المحافل الدولية، وفي الوقت نفسه تعتمد على الصين كأكبر شريك تجاري وكمستثمر متنامٍ في البنية التحتية وكسوق ضخمة للنفط والبتروكيماويات. هذه الازدواجية التي كانت مريحة ومربحة في عالم ما قبل الحرب التجارية أصبحت مصدراً للتوتر والقلق في عالم يتجه نحو الاستقطاب. والدبلوماسية العربية، التي تميزت تاريخياً بالبراغماتية والقدرة على الحفاظ على علاقات متعددة الأطراف، تُختبر اليوم بشكل غير مسبوق.
والإمارات ربما تقدم النموذج الأوضح لهذا التوازن الصعب، فهي تستضيف أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في المنطقة خارج قطر، وفي الوقت نفسه تعمق شراكتها التكنولوجية مع الصين في مجالات الذكاء الاصطناعي والفضاء والطاقة المتجددة. وحين ضغطت واشنطن على أبوظبي لإلغاء صفقة تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي مع شركة صينية، اختارت الإمارات البحث عن حلول وسطى بدلاً من الانحياز الكامل لأي طرف. لكن هذا الحبل المشدود يزداد رفعاً ورقة، وكلما تصاعدت الحرب التجارية والتكنولوجية يتقلص هامش المناورة المتاح للعرب. والسؤال ليس ما إذا كانت الدول العربية ستُجبر يوماً على الاختيار، فهذا محتمل لكنه ليس حتمياً، بل كيف تستعد لهذا الاحتمال وتبني قدراتها الذاتية لتقليل الاعتماد على أي طرف.
زمن الاستقطاب: العرب يبحثون عن طريق ثالث
في مواجهة هذا الاستقطاب المتزايد، بدأت بعض الدول العربية تبحث عن ما يمكن تسميته "الطريق الثالث"، أي بناء شراكات متنوعة مع قوى متعددة بحيث لا تصبح أسيرة لأي طرف واحد. والسعودية تبدو الأكثر جدية في هذا التوجه، حيث عمّقت علاقاتها مع الهند وكوريا الجنوبية واليابان والاتحاد الأوروبي في مجالات التكنولوجيا والطاقة المتجددة والصناعة، بينما تنضم إلى تجمعات متعددة الأطراف مثل بريكس الذي يضم الصين وروسيا والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا. هذا التنويع في الشراكات ليس مجرد تحوط ضد مخاطر الحرب التجارية بل هو جزء من رؤية أوسع لبناء سياسة خارجية مستقلة لا تخضع لإملاءات أي قوة عظمى، وهو طموح لم يكن متاحاً للعرب في عصور سابقة حين كانت التبعية للقطب الواحد أو الاثنين هي القاعدة.
لكن الطريق الثالث ليس سهلاً ولا مضموناً، فهو يتطلب قدرات اقتصادية وتكنولوجية ودبلوماسية عالية، ويتطلب أيضاً وحدة موقف عربية لا تزال بعيدة المنال في ظل الانقسامات الإقليمية المزمنة. والتاريخ يخبرنا أن الدول الصغيرة والمتوسطة نادراً ما تنجح في البقاء محايدة في صراعات القوى الكبرى، فعادة ما تُجبر على الانحياز بشكل أو بآخر. لكن التاريخ يخبرنا أيضاً أن أذكى الدول هي تلك التي تستغل المنافسة بين القوى الكبرى لصالحها، كما فعلت دول الخليج خلال الحرب الباردة حين استفادت من التنافس السوفييتي الأمريكي لتحصل على أفضل الصفقات من الطرفين. والسؤال هو: هل يملك العرب اليوم الحكمة والقدرة لتكرار هذه المعادلة في سياق الحرب التجارية الجديدة بين واشنطن وبكين؟ الإجابة ليست واضحة بعد، لكن ما هو واضح أن تجاهل الحرب التجارية والتصرف وكأنها لا تعنينا لم يعد خياراً متاحاً، فشظاياها تصل إلى كل ركن من أركان الاقتصاد العربي، والحكمة تقتضي الاستعداد لسيناريوهات أسوأ بدلاً من التمني بأن تنتهي العاصفة من تلقاء نفسها.
