H.Bاقتصاد الشرق
كيف تحوّلت تركيا إلى ممر العقوبات المفضّل للعالم؟
التجارة الدولية

كيف تحوّلت تركيا إلى ممر العقوبات المفضّل للعالم؟

حسام بعكة

حسام بعكة

٥ مارس ٢٠٢٦ · 8 دقائق

بين الشرق والغرب، تلعب تركيا دورًا مزدوجًا محفوفًا بالمخاطر: عضو في الناتو يُسهّل التجارة مع كل من تعاقبه واشنطن.

حين دخل السلطان العثماني سليمان القانوني القسطنطينية فاتحًا في القرن السادس عشر، وجد نفسه يحكم امبراطوريةً تقع بالضبط على خط التماس بين عالمين: الشرق الإسلامي والغرب المسيحي، بين طرق التجارة الآسيوية والأسواق الأوروبية. الموقع ذاته الذي كان مصدر عظمة الإمبراطورية العثمانية هو ما تستثمره تركيا أردوغان اليوم، بأدوات أكثر تعقيدًا، وفي عالم أكثر ترابطًا، لكن بالمنطق ذاته: من يجلس على خط التماس يملك ورقة تفاوضية لا يمتلكها من يقع في طرف واحد.

على جسر البوسفور، حيث تلتقي أوروبا بآسيا والتقت الحضارات عبر آلاف السنين، تُدار اليوم عمليات اقتصادية بالغة التعقيد لا تظهر بوضوح في الإحصاءات الرسمية ولا في بيانات الجمارك المُعلنة. تركيا، العضو في حلف الناتو منذ 1952 والمرشحة السابقة لعضوية الاتحاد الأوروبي، تحوّلت بهدوء محسوب وخطوات مدروسة إلى أكبر ممر التفاف على العقوبات الغربية في العالم، وهو لقب غير رسمي لكنه يعكس واقعًا اقتصاديًا لا يمكن إنكاره لأي متابع لبيانات التجارة الدولية.

الأرقام التي تفضح ما يُخفيه الصمت الرسمي

منذ فرض الغرب عقوباته على روسيا في أعقاب الغزو الأوكراني في فبراير 2022، قفزت الصادرات التركية إلى موسكو بنسبة تتراوح بين 50% و80% وفق تقديرات متباينة من مراكز أبحاث مختلفة، وهي نسبة لا يمكن تفسيرها بالتوسع الطبيعي في العلاقات التجارية، بل تكشف بوضوح عن أنقرة تُعيد تصدير منتجات غربية تحتاجها موسكو. سلع أوروبية وأمريكية وآسيوية، إلكترونيات استهلاكية وصناعية، وقطع غيار صناعية حساسة، ومكونات تقنية تدخل في الصناعات الدفاعية والمدنية الروسية، تجد طريقها إلى روسيا عبر شركات وسيطة تركية تعمل بشكل قانوني بموجب القانون التجاري التركي وإن كانت مخصصة لتجاوز روح العقوبات الغربية.

والتجارة مع إيران تسلك المسار ذاته، لكن عبر شبكات أكثر تعقيدًا وقِدَمًا: شبكات صرافة متخصصة تُتيح تحويلات مالية تتجاوز النظام المصرفي الدولي الخاضع للرقابة الأمريكية، وشركات واجهة تنتشر في إسطنبول وغازي عنتاب وميرسين تُدير تجارة ضخمة بين الشرق والغرب. وما يُضاف في هذه المرحلة هو أن الشبكات ذاتها باتت تخدم حكومات وشركات من كوريا الشمالية إلى فنزويلا تسعى إلى الالتفاف على العقوبات الأمريكية والأوروبية.

واشنطن تُراقب هذا المشهد بعيون مفتوحة وتُحذّر وتُهدد بفرض عقوبات ثانوية على البنوك والشركات التركية المتورطة في الالتفاف. لكن أنقرة تتحرك في منطقة رمادية تحتاج تعريفًا أكثر دقةً مما تملكه الوثائق القانونية الأمريكية: تُبدي التعاون علنًا في المؤتمرات الدولية وتُوقّع البيانات المشتركة وتغضّ الطرف عمليًا عن الشبكات التجارية الناشطة، مستفيدةً من الغموض القانوني ومن موقعها الجغرافي والاستراتيجي الذي يجعلها لا غنى عنها لجميع الأطراف في آنٍ واحد.

إسطنبول تجمع بين ضفتي البوسفور كرمز للدور التركي بين الشرق والغرب

اقتصاد المنطقة الرمادية: الازدهار الهش

هذا الدور الذي اضطلعت به تركيا، ربما بقرار استراتيجي مدروس، وربما بمنطق ارتجالي يُكيّف السياسة مع الفرص المتاحة، أنعش قطاعات تركية بأكملها وأوجد ثروات جديدة في سوق العمل والخدمات. شركات الشحن والتخليص الجمركي تعيش طفرة استثنائية، بعضها تضاعف حجمه ثلاث مرات منذ 2022. البنوك الصغيرة والمتوسطة التي تُقدّم خدمات للتحويلات الروسية والإيرانية والفنزويلية وغيرها تُحقق أرباحًا لم تشهدها في تاريخها. وسوق العقارات في إسطنبول، ولا سيما الأحياء الراقية كنيشانتاشي وباشاك شهير، استفاد من تدفق رؤوس الأموال الروسية الباحثة عن ملاذ آمن في مواجهة العقوبات الغربية، مما رفع الأسعار إلى مستويات لم تشهدها المدينة من قبل.

لكن هذا الازدهار يحمل في طياته بذور مخاطر لا يمكن لأحد تقدير موعد انبثاقها. فالعقوبات الثانوية الأمريكية، أي العقوبات التي تُفرض على الأطراف الثالثة التي تتعامل مع الكيانات المُعاقَبة، يمكن أن تضرب النظام المصرفي التركي، الهش أصلًا بسبب التضخم المرتفع والدين الخارجي المتضخم، في مقتل. فقدان البنوك التركية الكبرى لإمكانية الوصول إلى نظام المقاصة الدولي بالدولار سيكون بمثابة ضربة شبه قاضية لاقتصاد يعتمد على تدفقات رأس المال الأجنبي لتمويل عجزه الجاري المزمن. واقتصاد يبني رخاءه على الالتفاف حول القواعد الدولية يؤسّس ازدهاره على أرضية متحركة تبقى رهينة لمزاج دبلوماسي يمكن أن يتغير بقرار وزاري واحد في واشنطن.

والدرس التاريخي ينبّه إلى أن الدول التي راهنت طويلًا على دور الوسيط في التوترات الكبرى وجدت نفسها في نهاية المطاف أمام فاتورة باهظة: لا الطرف الشرقي يثق بها ثقةً كاملة لأنها عضو في الناتو، ولا الطرف الغربي يُعاملها معاملة الحليف الأمين لأنها تُسهم في تجاوز عقوباته. المنطقة الرمادية ليست موقفًا مريحًا للأبد.

الثمن الجيوسياسي: الورقة التركية ورهان أردوغان

أردوغان يُراهن بثقة ظاهرة وربما مُتعمَّدة على أن تركيا أكبر وأهم من أن يُعاقَبها الغرب بجدية. هذا الرهان يستند إلى أوراق متعددة يصعب إنكار ثقلها: تركيا تتحكم في ملف الهجرة نحو أوروبا عبر اتفاقية 2016 التي أعطتها نفوذًا لا تريد بروكسل خسارته في لحظة توتر مع موسكو أو غيرها. وتُمسك بمضيقي البوسفور والدردنيل، عقدة الاتصال البحرية الحيوية بين البحر الأسود والبحر المتوسط، وفق نظام مونترو الذي يُعطيها صلاحيات استثنائية في تنظيم الملاحة العسكرية. وتمتلك ثاني أكبر جيش في حلف الناتو من حيث العدد، مما يُصعّب على واشنطن الاستغناء عن الطاقة العسكرية التركية في أي حسابات دفاعية أطلسية جدية. وتجلس على حدود مع سوريا وإيران والعراق وروسيا وجورجيا وأرمينيا، جغرافيا لا يمكن لأي استراتيجية إقليمية أن تتجاهلها.

هذه الأوراق مجتمعةً تمنح أردوغان هامش مناورة واسعًا يُمكّنه من التلاعب بالخطوط الحمراء الغربية دون تجاوزها بصورة مُوجِبة للعقاب الجدي. لكن الرهان على الحصانة المطلقة خطرٌ بطبيعته، فالأوراق القوية ليست قوةً لا نهاية لها، وصبر واشنطن على الالتفاف التركي المستمر ليس لا محدودًا. وحين تتقاطع المصالح الأمريكية بالصورة الصحيحة، يمكن أن تجد أنقرة نفسها أمام ثمن تدفعه بشكل مفاجئ.

الاقتصاد التركي: ثمن المغامرة

يدفع الاقتصاد التركي ثمن هذه المغامرة الجيوسياسية من استقراره النقدي وثقة المستثمرين الدوليين فيه، وهما بضاعتان لا تُعوَّض بسهولة. الليرة التركية فقدت أكثر من 60% من قيمتها أمام الدولار خلال السنوات الثلاث الماضية في مسار انهيار شهده مواطنون تآكلت مدخراتهم أمام أعينهم. التضخم تجاوز 85% في ذروته عام 2022، وهو رقم يعني أن الراتب الذي كان يُعيل عائلة عام 2020 لم يعد كافيًا لإعالة نصفها في 2023. والدين الخارجي للقطاع الخاص التركي، المُقدَّر بأكثر من 400 مليار دولار، يُمثّل تعرضًا مرعبًا للمخاطر في ظل ليرة متدهورة وأسعار فائدة عالمية مرتفعة.

قد يُجادل المؤيدون بأن العوائد الاقتصادية من دور المنطقة الرمادية، ازدهار قطاع الشحن، وتدفقات رأس المال الروسي، وعائدات السياحة التي عوّضت جزئيًا ما فات، أسهمت في تخفيف حدة الأزمة الاقتصادية التركية. وربما هذا صحيح جزئيًا. لكن التساؤل يبقى: هل كانت تركيا ستكون في وضع اقتصادي أفضل لو سلكت مسار الانضباط الاقتصادي التقليدي بدلًا من الملاحة في مياه العقوبات الدولية؟ لا يمكن لأحد الإجابة عن هذا السؤال المضاد للتاريخ بيقين، لكن السؤال نفسه يكشف عن تناقضات التجربة التركية.

ميناء إسطنبول يرمز لحركة التجارة الدولية عبر الأراضي التركية

الدروس للعالم العربي: بين الإلهام والتحذير

الدور التركي يستدعي من دول المنطقة العربية، التي تجد نفسها هي الأخرى في مواضع التقاطع بين الشرق والغرب، تأملًا جادًا وهادئًا بعيدًا عن الإعجاب الأعمى والرفض المتسرع. فالدرس الإيجابي واضح: الجغرافيا الاستراتيجية يمكن تحويلها إلى رافعة اقتصادية وورقة تفاوضية، وتعدد الشراكات ليس ضعفًا بل قوة حين يُدار بذكاء ومرونة وإدراك دقيق للخطوط الحمراء. دول خليجية ومغاربية تتشارك بعض هذه المنطق في سياساتها الخارجية، وإن بأساليب مختلفة وبحدة أقل.

لكن الدرس التحذيري لا يقل أهمية: الاقتصاد الذي يبني جزءًا من ازدهاره على الغموض القانوني والالتفاف على القواعد الدولية يكتب عقدًا ضمنيًا مع عدم الاستقرار. والدولة التي تُراهن على أنها أكبر من أن تُعاقَب تختار رهانًا لا يمكن إثباته سلفًا إلا بعد اختبار مؤلم. السؤال الذي يتجنبه الجميع لأنه أشد الأسئلة إزعاجًا: إلى متى يمكن لاقتصاد أن يعيش على حافة السكين دون أن يسقط؟ والجواب الأمين الذي لا يريد أحد سماعه: إلى اللحظة التي تقرر فيها طرف أقوى أن الوقت قد حان لإنهاء الغموض المريح، ذلك الغموض الذي كان يتيح للجميع الادعاء بأنهم لا يرون ما يرون.

التاريخ العثماني نفسه يُعلّمنا أن الدول التي تستثمر موقعها الجغرافي بذكاء تُوسّع نفوذها، لكنها حين تُفرط في المراهنة على الغموض وتنسى بناء قوتها الداخلية الحقيقية، اقتصادًا منتِجًا ومجتمعًا متماسكًا وحوكمةً سليمة، تجد نفسها يومًا ما تخسر موقعها من الداخل قبل أن يتهددها أحد من الخارج. وهذا هو التحدي الحقيقي لتركيا ما بعد أردوغان، والتحدي ذاته يُقلق كثيرين في المنطقة يُتابعون التجربة التركية بعيون مزدوجة: إعجاب ببراعة اللعبة، وتساؤل عن صمود اللاعب.

طرق تجارية دولية تربط الأسواق الشرقية بالغربية عبر تركيا

الدرس الأعمق: بين الفرصة والفخ

في جوهره، النموذج التركي في الالتفاف الاقتصادي يطرح سؤالًا فلسفيًا عن طبيعة الدولة الحديثة في عالم العقوبات المتعددة والمصالح المتشابكة: هل يمكن لدولة أن تبني ازدهارها الاقتصادي على الاستفادة الدائمة من الانقسامات الدولية دون أن تدفع ثمنًا استراتيجيًا في نهاية المطاف؟ التاريخ يُلمح بإجابة محددة: الدول التي نجحت في تحويل موقعها الوسيط إلى قوة دائمة هي تلك التي نوّعت اقتصادها الحقيقي وبنت قاعدة إنتاجية متينة، لا تلك التي راهنت على استمرار الفوضى الدولية مصدرًا دائمًا للدخل.

سويسرا التي لعبت دورًا مشابهًا تاريخيًا في حياد مُربح وسط الحروب الأوروبية، بنت في الوقت ذاته صناعات تصديرية متطورة وقطاعًا ماليًا عالميًا وثقافةً ابتكاريةً راسخة. النموذج التركي الراهن يفتقر إلى هذه الطبقة الثانية من البناء الاقتصادي الحقيقي، وهو ما يجعله أكثر هشاشةً مما يبدو في الإحصاءات الرسمية للتجارة والنمو.

المنطقة العربية التي تنظر إلى تركيا بمزيج من الإعجاب والتحفظ تستطيع استخلاص درس مزدوج: الجغرافيا الاستراتيجية أصل ثمين يجب الاستثمار فيه، لكنه أصل يتآكل قيمته إن لم يكن مقترنًا ببناء اقتصاد حقيقي قائم على الإنتاج والابتكار والحوكمة السليمة. ومن يُقدّم الورقة الجيوسياسية وحدها دليلًا على القوة يجد نفسه يومًا ما يُفاوض من موقع ضعف حين يُقرر صانع القرار الكبير أن ثمن هذه الورقة بات أقل من تكاليف تحملها.

تبقى تركيا في قلب خريطة العالم، جغرافيًا واستراتيجيًا وتاريخيًا. وهذا لن يتغير. السؤال هو: ماذا ستصنع أنقرة بهذا الموقع في الجيل القادم؟ هل ستُحوّله إلى منصة لاقتصاد منتِج ومتنوع وعادل؟ أم ستبقى رهينة الدور الغامض الذي يُتيح ربحًا آنيًا على حساب الاستقرار البعيد؟ الإجابة ستُحدد، أكثر من أي عامل آخر، موقع تركيا في خريطة القرن الحادي والعشرين.

حسام بعكة

حسام بعكة

كاتب ومحلل اقتصادي متخصص في شؤون الشرق الأوسط والاقتصاد العالمي. يقدم تحليلات معمّقة تربط بين الجيوسياسة والأسواق والتحولات الاقتصادية الكبرى.

المزيد عن الكاتب

مقالات ذات صلة