في عام 1944 حين صمّم المنتصرون في الحرب العالمية الثانية النظام الاقتصادي الدولي الجديد في بريتون وودز، كان الهدف واضحًا: منع تكرار الحمائية التجارية والقومية الاقتصادية التي أشعلت الحربين العالميتين. التجارة الحرة لم تكن مجرد نظرية اقتصادية بل كانت مشروع سلام. وعلى مدى ثمانية عقود بُنيت مؤسسات كالغات ومنظمة التجارة العالمية وصندوق النقد والبنك الدوليين لتحرس هذا النظام وتوسّعه. والنتيجة كانت مذهلة: حجم التجارة العالمية تضاعف 40 مرة ومئات الملايين خرجوا من الفقر ودول كالصين وكوريا الجنوبية وسنغافورة صعدت من القاع إلى مصاف الدول المتقدمة بفضل التجارة المفتوحة. لكن هذا النظام الذي بدا راسخًا كالجبال يتصدّع اليوم من كل جانب. الرسوم الجمركية تعود بنسب لم تُشهد منذ الثلاثينيات. سلاسل التوريد تتفكك وتُعاد هيكلتها على أسس جيوسياسية لا اقتصادية. والدول تُعيد بناء صناعاتها المحلية بعد أن اكتشفت أن الاعتماد المتبادل الذي كان يُوصف بالفضيلة قد يكون سلاحًا فتّاكًا يُستخدم ضدها. العولمة كما عرفناها تحتضر والسؤال: ما الذي سيحلّ محلها؟
عصر الأسوار الجمركية: من أعاد بناء الجدران؟
المفارقة أن الولايات المتحدة التي قادت مشروع العولمة وفرضته على العالم هي التي تقود اليوم عملية تفكيكه. إدارة ترامب فرضت رسومًا جمركية بنسب غير مسبوقة على الصين وعلى حلفاء أمريكا أنفسهم كأوروبا وكندا والمكسيك. إدارة بايدن لم تُلغِ هذه الرسوم بل أضافت إليها قيودًا تكنولوجية صارمة على تصدير الرقائق والمعدات المتقدمة إلى الصين. الاتحاد الأوروبي يبني "آلية تعديل الكربون الحدودية" التي هي في جوهرها حاجز جمركي أخضر يفرض ضرائب على الواردات من الدول ذات الانبعاثات العالية. الصين تُسرّع الاكتفاء الذاتي في أشباه الموصلات وتبني "حصونًا تكنولوجية" لحماية صناعاتها الاستراتيجية. والهند ترفع رسومها وتُطلق مبادرة "صُنع في الهند" لإحلال الواردات. كل طرف يتحدث عن "الأمن الاقتصادي" و"المرونة" و"تقريب سلاسل التوريد" لكن النتيجة واحدة: عالم تجاري مُجزّأ يعود بالبشرية إلى ما قبل 1945.
الكتل الجيواقتصادية الجديدة: حرب باردة بعملات ساخنة
ما يتشكّل اليوم يُشبه نظام الحرب الباردة الاقتصادي لكن بتعقيد أكبر بكثير. كتلة غربية بقيادة أمريكية تضمّ أوروبا واليابان وأستراليا وكوريا الجنوبية تتمحور حول "تحالف القيم" والمعايير التكنولوجية المشتركة والاستبعاد التدريجي للصين من سلاسل التوريد الحساسة. كتلة صينية-روسية تتمدد نحو آسيا الوسطى وأجزاء من أفريقيا وأمريكا اللاتينية تبني بنيتها التحتية المالية والتجارية البديلة. وبينهما فضاء واسع ومتنامٍ من الدول التي ترفض الاختيار، الهند والبرازيل ودول الخليج وتركيا وإندونيسيا والمكسيك وجنوب أفريقيا، وتحاول الاستفادة من كل الأطراف دون الانحياز لأي منها. هذه الدول "المُتأرجحة" التي يسمّيها بعض المحللين "القوة الثالثة" قد تكون الرابح الأكبر من هذا النظام الجديد إذا أحسنت إدارة علاقاتها المتعددة. دول الخليج خير مثال: تبيع النفط للصين وتشتري الأسلحة من أمريكا وتستورد التكنولوجيا من أوروبا وتستثمر في الجميع.
ثمن التفكك: سبعة ترليونات سنويًا
التفكك التجاري ليس مجانيًا. تقديرات صندوق النقد الدولي تُشير إلى أن تجزئة التجارة العالمية الكاملة قد تُكلّف الاقتصاد العالمي ما يصل إلى 7% من ناتجه المحلي الإجمالي أي نحو 7 ترليونات دولار سنويًا وهو رقم يُعادل الناتج الاقتصادي لألمانيا وفرنسا مجتمعتين. هذا الثمن سيدفعه المستهلكون في صورة أسعار أعلى لكل شيء من الهواتف الذكية إلى الغذاء. والدول النامية ستدفعه في صورة فرص ضائعة ونمو أبطأ واندماج أقل في الاقتصاد العالمي. منظمة التجارة العالمية التي كانت حارسة النظام أصبحت شبه مشلولة بعد أن عطّلت واشنطن آلية تسوية النزاعات فيها. والاتفاقيات التجارية الجديدة باتت ثنائية أو إقليمية بدلًا من متعددة الأطراف مما يُضعف الدول الصغيرة التي لا تملك قوة تفاوضية.
العرب في عالم الكتل: الفرصة والمخاطرة
دول الخليج العربي في وضع فريد في هذا العالم المتشرذم. فهي شريكة استراتيجية لأمريكا عسكريًا وأمنيًا وشريكة تجارية رئيسية للصين نفطيًا وتجاريًا وشريكة استثمارية لأوروبا. هذا التموضع المتعدد يمنحها مرونة استراتيجية نادرة لكنه يحمل مخاطر أيضًا: فكلا القطبين الكبيرين قد يطلب منها في لحظة ما أن تختار وضغوط الاختيار ستتصاعد مع تعمّق الانقسام. الدول العربية غير النفطية في وضع أصعب: مصر وتونس والمغرب والأردن بنت قطاعات تصدير تعتمد على الأسواق الأوروبية وأي تراجع في انفتاح هذه الأسواق يضرب اقتصاداتها مباشرة. التجارة البينية العربية لا تتجاوز 12% من إجمالي تجارتها الخارجية وهو رقم يعكس فشلًا مزمنًا في بناء تكامل اقتصادي إقليمي كان يمكن أن يُوفّر حماية في زمن التفكك العالمي.
سلاسل التوريد: إعادة التشكيل الكبرى
أحد أعمق تجليات تفكك العولمة هو إعادة هيكلة سلاسل التوريد العالمية التي بُنيت على مدى ثلاثة عقود على أساس الكفاءة والتكلفة الأقل بصرف النظر عن الجغرافيا السياسية. اليوم تتراجع هذه الفلسفة لصالح مفاهيم جديدة: "إعادة التوطين القريب" أي نقل الإنتاج إلى دول قريبة جغرافيًا و"توطين الأصدقاء" أي حصر سلاسل التوريد في الدول الحليفة سياسيًا. المكسيك وفيتنام والهند هي الرابحة الأكبر من هذا التحوّل إذ تستقبل المصانع الهاربة من الصين. لكن بناء سلاسل توريد بديلة يحتاج سنوات وعشرات المليارات من الاستثمارات وفي المرحلة الانتقالية يدفع العالم ثمن عدم الكفاءة في صورة أسعار أعلى وتأخيرات في التسليم ونقص في بعض المنتجات.
العولمة كما عرفناها انتهت. ما يحلّ محلها ليس عزلة كاملة بل نظام هجين من التبادل المُقيّد والتحالفات الاقتصادية المُسيّسة. وفي هذا النظام الجديد القوة التفاوضية تتفوّق على الكفاءة الاقتصادية والجغرافيا السياسية تُملي شروط التجارة. والدول التي لا تبني قدرتها التفاوضية اليوم ستجد نفسها مجرد ملحقات في كتل لم تختر الانتماء إليها.
