في حيّ تيانتونغيوان السكني شمال بكين ، أحد أكبر المجمّعات السكنية في العالم بنصف مليون ساكن ، تجلس السيدة وانغ لي مي في شقتها الصغيرة التي اشترتها عام 2019 بقرض عقاري يمتدّ ثلاثين سنة. دفعت مليوني يوان ، نحو 280 ألف دولار ، ثمنًا لسبعين مترًا مربعًا في الطابق الثالث والعشرين. اليوم، الشقة المماثلة في الطابق ذاته تُباع بمليون ومئتي ألف يوان. فقدت وانغ 40% من قيمة أكبر استثمار في حياتها، لكنها لا تزال تدفع القسط الشهري كاملًا. ابنها البالغ من العمر أربعًا وعشرين سنة ، خرّيج هندسة حاسوب من جامعة مرموقة ، يعمل سائق توصيل طلبات عبر تطبيق "ميتوان" لأنه لم يجد وظيفة تتناسب مع مؤهلاته. هذه العائلة ليست استثناءً بل نموذج مُصغّر لمئات الملايين من الأسر الصينية التي تعيش واقعًا اقتصاديًا مختلفًا تمامًا عن الأرقام الرسمية المُصقولة التي تُصدرها بكين. وقصة وانغ لي مي هي المفتاح لفهم ما يحدث حقًا في ثاني أكبر اقتصاد في العالم ، وما سيعنيه ذلك لكل ركن من أركان الاقتصاد المعولم.
انخفاض مستمر في المستوى العام للأسعار، عكس التضخم. يبدو ظاهريًا إيجابيًا للمستهلك لكنه يُدمّر الاقتصاد حين يُصبح مزمنًا: المستهلكون يؤجّلون الشراء انتظارًا لأسعار أقل، فتنخفض المبيعات وتتراجع الأرباح وتُسرَّح العمالة في حلقة مفرغة.
خلف جدران الشقة المفقودة القيمة: تشريح أزمة العقارات
لفهم الانكماش الصيني، يجب أن نبدأ من حيث بدأت الأزمة: في شقة وانغ لي مي وملايين الشقق المماثلة عبر الصين. قطاع العقارات ، مع القطاعات المرتبطة به من أسمنت وفولاذ وأثاث وتصميم داخلي ، كان يُشكّل ما يقرب من 30% من الناتج المحلي الإجمالي الصيني. لم يكن مجرد قطاع اقتصادي بل كان العمود الفقري للعقد الاجتماعي بين الحزب الشيوعي والطبقة المتوسطة: أنت تعمل بجد وتدّخر وتشتري شقة وقيمتها ترتفع وتُصبح ثروتك التقاعدية. هذا العقد تحطّم. شركة إيفرغراند ، التي كانت أكبر مطوّر عقاري في العالم بأصول تتجاوز 350 مليار دولار ، أعلنت تعثّرها بديون بلغت 2.39 تريليون يوان، أي نحو 330 مليار دولار تُعادل 2% من الناتج المحلي الإجمالي. صُفّيت أصولها قضائيًا في يناير 2024 وشُطبت من بورصة هونغ كونغ في أغسطس 2025. لم تكن وحدها: أكثر من خمسين مطوّرًا عقاريًا تعثّروا منذ أزمة إيفرغراند عام 2021، بما في ذلك كانتري غاردن ، ثاني أكبر مطوّر ، التي تخلّفت عن سداد ديونها في أكتوبر 2023.
النتيجة على أرض الواقع مُرعبة: مبيعات المنازل الجديدة انخفضت بنسبة 20 إلى 30% على أساس سنوي في نوفمبر 2025 وفقًا لتقديرات غولدمان ساكس. مدن بأكملها في المقاطعات الداخلية تحوّلت إلى ما يُسمّيه الصينيون "غوي تشنغ" ، مدن الأشباح ، حيث تصطفّ أبراج سكنية فارغة لم يسكنها أحد قط. أسعار العقارات في المدن من الدرجة الثانية والثالثة انخفضت بنسب تتراوح بين 30 و50% من ذروتها. والأثر على المستهلك العادي ، على وانغ لي مي وجيرانها ، كارثي: ثلاثة أرباع ثروة الأسر الصينية مُستثمرة في العقارات. حين تنهار أسعار العقارات، ينهار معها الإحساس بالأمان المالي وتتراجع الثقة الاستهلاكية ويتوقف الإنفاق ، وهذا بالضبط ما يُغذّي دورة الانكماش المُفرغة.
- 2021تعثّر إيفرغراند وبداية انهيار قطاع العقارات الصيني
- 2022بدء تراجع عدد السكان في الصين لأول مرة منذ ستة عقود
- 2023تخلّف كانتري غاردن عن سداد ديونها وانتشار أزمة العقارات
- يناير 2024تصفية أصول إيفرغراند قضائيًا
- أغسطس 2025شطب إيفرغراند من بورصة هونغ كونغ ومؤشر أسعار المنتجين يهبط للشهر 39 على التوالي
أرقام لا تكذب: تسعة وثلاثون شهرًا من الأسعار الهابطة
الأرقام الكلّية تُرسم صورة قاتمة لا يُزيّنها أي تأويل رسمي. مؤشر أسعار المنتجين ، الذي يقيس الأسعار عند بوابة المصنع ، سقط لتسعة وثلاثين شهرًا متتاليًا حتى ديسمبر 2025، مُسجّلًا تراجعًا بنسبة 1.9% على أساس سنوي في ذلك الشهر. المتوسط السنوي لعام 2025 بأكمله بلغ سالب 2.6%. هذا يعني أن المصانع الصينية تبيع منتجاتها بأسعار أقل ممّا كانت تبيعها به قبل أكثر من ثلاث سنوات ، وهذا ضغط هائل على هوامش الربح وعلى قدرة الشركات على دفع رواتب عمّالها والاستثمار في التوسّع. أما مؤشر أسعار المستهلكين ، المقياس الذي يُهمّ وانغ لي مي وكل ربّة بيت صينية ، فقد سجّل نموًا صفريًا خلال عام 2025 بأكمله: لا تضخم ولا انكماش رسمي، لكن الواقع أن أسعار السلع المُعمّرة تهبط بينما ترتفع أسعار الغذاء الأساسي ، مقصّ يقطع القدرة الشرائية من الجانبين.
البطالة بين الشباب ، الفئة العمرية 16 إلى 24 سنة باستثناء الطلاب ، بلغت 16.5% في ديسمبر 2025. هذا الرقم الرسمي مُثير للقلق بذاته، لكن الاقتصاديين المستقلين يُقدّرون أن الرقم الحقيقي أعلى بكثير، لأن كثيرًا من الشباب توقفوا عن البحث عن عمل وخرجوا من الإحصاءات فيما يُعرف بظاهرة "التانغ بينغ" ، أي "الاستلقاء" ، وهي حركة اجتماعية صامتة يرفض فيها الشباب الصيني ثقافة العمل المُرهِقة لأنهم لا يرون مستقبلًا يستحق التعب. الإيرادات المالية للحكومة تنزف أيضًا: نسبة الإيرادات إلى الناتج المحلي الإجمالي انخفضت بمقدار 4.8 نقاط مئوية منذ 2021، لتصل إلى 17.2% فقط ، وهي نسبة مُنخفضة بشكل مُقلق لدولة بحجم الصين وطموحاتها. والدين العام توسّع بأربعين نقطة مئوية منذ 2019 ليبلغ 116% من الناتج المحلي الإجمالي في 2025.
الانكماش سلاح تجاري مُحسوب: أسعار منخفضة تمنح المُصدّرين الصينيين ميزة ساحقة وتُمكّن بكين من السيطرة على أسواق السيارات الكهربائية والطاقة الشمسية والبطاريات عالميًا.
الانكماش مرض خارج السيطرة: قيادة بكين عاجزة عن تحفيز الاستهلاك المحلي والأزمة العقارية تجرّ الاقتصاد نحو ركود على النمط الياباني.
السلاح الهادئ: هل الانكماش مرض أم استراتيجية؟
هنا نصل إلى الأطروحة التي يتجنّبها معظم المحللين الغربيين: ماذا لو لم يكن الانكماش الصيني مرضًا بحتًا بل سلاحًا تجاريًا ، جزئيًا على الأقل ، يخدم أهداف بكين الاستراتيجية؟ الرواية السائدة تقول إن الصين تُعاني من انكماش لا تستطيع السيطرة عليه، وأن قيادتها عاجزة عن تحفيز الاستهلاك المحلي. لكن هذه الرواية تتجاهل حقيقة مُزعجة: الأسعار المنخفضة تمنح المُصدّرين الصينيين ميزة تنافسية ساحقة في الأسواق العالمية. حين تبيع المصانع الصينية بأسعار أقل، فإنها تكتسح الأسواق ، وهذا بالضبط ما يحدث. السيارات الكهربائية الصينية تُباع بنصف أو ثلث سعر نظيراتها الأوروبية. الألواح الشمسية الصينية أصبحت رخيصة إلى حد دمّرت صناعة الطاقة الشمسية في أوروبا وأمريكا تقريبًا. الفولاذ الصيني يُباع بأقل من تكلفة إنتاجه في أي مصنع غربي.
بكين لديها أدوات لتحفيز التضخم لو أرادت: تستطيع ضخّ تريليونات في شيكات مباشرة للمستهلكين كما فعلت أمريكا أثناء الجائحة، أو تخفيض الضرائب بشكل جذري، أو إطلاق موجة إنفاق حكومي هائلة على الاستهلاك لا البنية التحتية. لكنها تختار بدلًا من ذلك تحفيزًا مُحسوبًا يدعم الإنتاج والتصدير أكثر ممّا يدعم الاستهلاك. هل هذا عجز أم حساب استراتيجي بارد؟ الصين تخوض حربًا تجارية وتكنولوجية مع الولايات المتحدة، وتحتاج إلى السيطرة على أكبر حصة ممكنة من الأسواق العالمية في القطاعات الحيوية ، السيارات الكهربائية والبطاريات والطاقة الشمسية والإلكترونيات ، قبل أن تُوصد الأسواق الغربية أبوابها بالرسوم الجمركية. الانكماش، في هذه القراءة، ليس علامة ضعف بل ثمن مقبول لكسب معركة أكبر. بالطبع، هذا لا يعني أن الأزمة العقارية مُصطنعة أو أن بطالة الشباب مُتعمّدة ، المعاناة حقيقية ، لكنه يعني أن بكين قد تكون أقل اهتمامًا بعلاج الانكماش ممّا يظنّ المحللون، لأنه يخدم أهدافها التصديرية في المدى القصير.
من بكين إلى العالم: كيف يسافر الانكماش عبر الحدود
سواء كان الانكماش مرضًا أم سلاحًا ، أو كليهما ، فإن تأثيره يتجاوز حدود الصين عبر ثلاث قنوات رئيسية. القناة الأولى هي طوفان الصادرات الرخيصة: حين تُنتج المصانع الصينية بأسعار أقل، تغزو منتجاتها أسواق العالم وتُدمّر الصناعات المحلية في عشرات الدول. هذا ليس تنظيرًا ، صناعة الفولاذ الأوروبية تُغلق مصانعها واحدًا تلو الآخر. صناعة السيارات الألمانية ، جوهرة التاج الصناعي الأوروبي ، تواجه تهديدًا وجوديًا من BYD وزملائها. حكومات من واشنطن إلى بروكسل إلى نيودلهي تفرض رسومًا جمركية حمائية ترتفع كل شهر، وكل رسم جمركي جديد يُعمّق تفكك النظام التجاري العالمي الذي بُني بعد الحرب العالمية الثانية.
القناة الثانية هي أسواق السلع الأوّلية. الصين تستهلك أكثر من نصف إنتاج العالم من النحاس والألمنيوم وخام الحديد والأسمنت. حين يتراجع قطاع البناء الصيني ، الذي كان يبتلع هذه المواد بشراهة لا نظير لها ، تنهار الأسعار العالمية لهذه السلع. أستراليا التي تُصدّر خام الحديد بمليارات الدولارات إلى الصين تشعر بالارتجاج. تشيلي وزامبيا والكونغو التي تعتمد على تصدير النحاس تُعاني. القناة الثالثة ، وهي الأقل وضوحًا والأكثر خطورة ، هي قناة الثقة: حين يتباطأ ثاني أكبر اقتصاد في العالم، يتراجع الاستثمار العالمي وتزداد النزعة نحو الأصول الآمنة وتضيق شهية المخاطرة ، وهذا يضرب الأسواق الناشئة بشكل خاص، تلك الأسواق التي تحتاج تدفقات رأسمالية مستمرة لتمويل نموّها.
حرفيًا "الاستلقاء". حركة اجتماعية صامتة بين الشباب الصيني يرفضون فيها ثقافة العمل المُرهِقة لأنهم لا يرون مستقبلًا اقتصاديًا يستحق التضحية، ممّا يُعمّق أزمة الإنتاجية والاستهلاك في آن واحد.
شبح طوكيو: ثلاثة عقود ضائعة تطرق باب بكين
في ديسمبر 1989، بلغ مؤشر نيكاي الياباني ذروته عند 38,957 نقطة. استغرق الأمر أربعة وثلاثين عامًا ، حتى فبراير 2024 ، ليعود إلى هذا المستوى. أربعة وثلاثون عامًا من الركود شبه الكامل في أسعار الأصول. هذا هو "الدرس الياباني" الذي يُؤرق كل اقتصادي يدرس الصين اليوم، والتشابهات بين اليابان في أواخر الثمانينيات والصين اليوم مُقلقة إلى حدّ يصعب تجاهله. في اليابان: فقاعة عقارية هائلة غذّاها الائتمان السهل والمضاربة المحمومة ، ثم انفجرت. في الصين: القصة ذاتها لكن بحجم أكبر بعشر مرات. في اليابان: شيخوخة سكانية متسارعة قلّصت القوى العاملة وأضعفت الطلب الاستهلاكي. في الصين: عدد السكان بدأ بالفعل في التراجع منذ 2022 بسبب عقود من سياسة الطفل الواحد، والشيخوخة تتسارع بوتيرة لم تشهدها أي دولة كبرى. في اليابان: انكماش مُزمن رفض الاستجابة لأي تحفيز نقدي أو مالي ، أسعار فائدة عند الصفر وحزم إنفاق حكومي بمئات المليارات، كلها فشلت في كسر الحلقة المُفرغة.
لكن هناك فروقات جوهرية تجعل السيناريو الصيني أخطر من الياباني. أولًا: الصين لم تصل بعد إلى مستوى الدخل الذي وصلت إليه اليابان قبل أزمتها ، نصيب الفرد الصيني من الناتج المحلي يبلغ نحو 12,500 دولار مقارنة بأكثر من 30,000 دولار لليابان عام 1990. هذا يعني أن الصين قد "تشيخ قبل أن تغتني" ، وهو سيناريو كابوسي ليس له سابقة تاريخية في اقتصاد بهذا الحجم. ثانيًا: اليابان كانت ديمقراطية ليبرالية بمؤسسات شفافة نسبيًا، بينما الصين نظام سلطوي يعتمد على النمو الاقتصادي كمصدر أساسي لشرعيته ، فماذا يحدث لشرعية الحزب حين يتبخّر النمو؟ ثالثًا: حجم الصين يعني أن أي "عقود ضائعة" صينية ستكون زلزالًا اقتصاديًا عالميًا لا يُقارن بالتباطؤ الياباني الذي كان محدود الأثر الدولي نسبيًا.
دوائر الارتجاج: كيف يشعر العالم العربي بالزلزال الصيني
على بُعد آلاف الكيلومترات من شقة وانغ لي مي في بكين، يرتجف العالم العربي بموجات الزلزال الصيني عبر قنوات متعددة. القناة الأولى والأوضح هي النفط: الصين هي أكبر مستورد للنفط في العالم بأكثر من أحد عشر مليون برميل يوميًا، وأي تراجع في نشاطها الاقتصادي يعني طلبًا أقل على الخام ، وهذا يضغط مباشرة على إيرادات الميزانيات الخليجية. السعودية التي أصبحت الصين شريكها التجاري الأول تُراقب الأرقام الصينية بقلق بالغ: كل نقطة مئوية تتراجع فيها وتيرة النمو الصيني تعني مليارات أقل في خزائن الرياض وأبوظبي والدوحة والكويت. القناة الثانية هي قناة الاستثمار: الصناديق السيادية الخليجية استثمرت عشرات المليارات في الصين ، في العقارات والتكنولوجيا والبنية التحتية ، وتراجع الأصول الصينية يعني خسائر دفترية تُثقل ميزانياتها. القناة الثالثة هي قناة الأسعار: طوفان الصادرات الصينية الرخيصة يُهدد الصناعات الوليدة في مصر والمغرب وتونس ، تلك الصناعات التي تحاول هذه الدول بناءها كبديل عن الاعتماد على السياحة والتحويلات.
لكن هناك بُعدًا أعمق يغيب عن معظم التحليلات: الانكماش الصيني يُعيد تشكيل توازنات القوة في الاقتصاد العالمي بطريقة تُفرز فائزين وخاسرين جددًا. الدول التي تستورد السلع المُصنّعة ، وبينها كثير من الدول العربية ، تستفيد من انخفاض الأسعار. المستهلك المصري أو المغربي يشتري إلكترونيات وملابس وأدوات منزلية صينية بأسعار أقل. لكن هذه الفائدة القصيرة الأجل تأتي على حساب أي أمل في بناء صناعات محلية منافسة. كيف يستطيع مصنع ملابس في طنطا أو فاس أن يُنافس مصنعًا صينيًا يبيع بأقل من تكلفة المواد الخام؟ الانكماش الصيني، في هذا المعنى، يُثبّت التبعية الصناعية للعالم النامي ويُغلق نافذة التصنيع التي عبرت منها الصين ذاتها قبل أربعة عقود.
بين المطرقة والسندان: سيناريوهات المستقبل الصيني وتداعياته
ثلاثة سيناريوهات تتنافس على رسم مستقبل الاقتصاد الصيني ، ولكل منها تداعيات مختلفة جذريًا على بقية العالم. السيناريو الأول هو "الإنقاذ الكبير": بكين تتخلى عن حذرها وتُطلق حزمة تحفيز هائلة تتجاوز عشرة تريليونات يوان ، شيكات مباشرة للأسر، وإعادة هيكلة شاملة لقطاع العقارات، وإصلاح نظام التقاعد لتقليل الحاجة إلى الادّخار الاحترازي. هذا السيناريو مُمكن تقنيًا لكنه يتناقض مع فلسفة شي جين بينغ الاقتصادية التي تُفضّل الإنتاج على الاستهلاك و"الأمن" على "الرفاهية". السيناريو الثاني هو "اليابان بحجم صيني": انزلاق تدريجي نحو ركود مُزمن يمتدّ عقدًا أو عقدين، مع نمو لا يتجاوز 2-3% سنويًا ، وهو رقم يبدو معقولًا لدولة متقدمة لكنه كارثي لصين لا تزال تحتاج نموًا مرتفعًا لامتصاص ملايين الخرّيجين الجدد كل عام وللحفاظ على شرعية النظام السياسي.
السيناريو الثالث ، وهو الأقل احتمالًا لكن الأكثر خطورة ، هو "الانفجار": أزمة مالية حادة تُشعلها موجة جديدة من التعثّرات العقارية أو انهيار في ديون الحكومات المحلية التي تتجاوز تسعة تريليونات دولار. هذا السيناريو يُنتج هروبًا لرؤوس الأموال وانهيارًا في اليوان وفوضى اجتماعية قد تُجبر بكين على اللجوء إلى القومية والمغامرات الخارجية ، تايوان في المقدمة ، لتحويل الانتباه عن الأزمة الداخلية. العالم العربي يحتاج أن يستعدّ لأي من هذه السيناريوهات: بتنويع شركائه التجاريين، وبتقليل اعتماده على مشترٍ واحد للنفط، وبالتحوّط ضد تقلبات أسعار السلع التي ستزداد حدّة كلما ازداد عدم اليقين الصيني. وانغ لي مي في شقتها في بكين لا تعرف أنها ، بامتناعها عن شراء حذاء جديد أو هاتف جديد ، تُرسل ارتجاجات تصل إلى أسواق النفط في الخليج ومصانع النسيج في مصر ومناجم النحاس في أفريقيا.
التاريخ الاقتصادي يُعلّمنا أن القوى العظمى لا تسقط بضربة واحدة بل تتآكل ببطء من الداخل ، كما تآكلت روما وكما تآكلت الإمبراطورية العثمانية. الصين لن تنهار غدًا، لكنها تمرّ بتحوّل هيكلي سيُعيد تعريف دورها في الاقتصاد العالمي لعقود قادمة. ومن يظنّ أنه بمنأى عن هذا التحوّل لأنه يعيش على بُعد قارات من بكين، عليه أن يتذكّر أن وانغ لي مي حين تُقرر ألا تشتري سيارة جديدة، ينخفض سعر النفط الذي يموّل ميزانيته. في الاقتصاد المعولم، لا مسافة آمنة.
