H.Bاقتصاد الشرق
الانكماش الصيني يُصدّر أزماته إلى بقية العالم
الاقتصاد العالمي

الانكماش الصيني يُصدّر أزماته إلى بقية العالم

حسام بعكة

حسام بعكة

٥ مارس ٢٠٢٦ · 11 دقيقة

حين يعطس الاقتصاد الصيني، يُصاب العالم بالحمّى. والانكماش الذي يضرب ثاني أكبر اقتصاد في العالم بدأ ينشر عدواه عبر سلاسل التوريد وأسواق السلع.

حين أطلق دنغ شياو بينغ إصلاحاته الاقتصادية عام 1978 وفتح أبواب الصين أمام الاستثمار الأجنبي والسوق، لم يكن أحد يتخيّل أن هذا البلد الذي كان يعيش في فقر مُدقع سيُصبح خلال أربعة عقود ثاني أكبر اقتصاد في العالم ومصنعه الأول وشريكه التجاري الأوسع. كان الصعود الصيني أشبه بمعجزة اقتصادية لا سابقة لها في التاريخ: 800 مليون إنسان خرجوا من الفقر المدقع ومعدلات نمو تجاوزت 10% سنويًا لعقدين متتاليين وبنية تحتية هائلة بُنيت من الصفر. لكن كل صعود يحمل في طيّاته بذور تحوّله والتنين الصيني الذي بهر العالم بصعوده يُقلقه اليوم بتباطئه. فالانكماش الذي يضرب ثاني أكبر اقتصاد في العالم ليس مشكلة صينية داخلية فحسب بل هو زلزال اقتصادي ترتدّ موجاته عبر سلاسل التوريد وأسواق السلع والتدفقات المالية إلى كل ركن من أركان الاقتصاد المعولم. وما يحدث في بكين لن يبقى في بكين.

ناطحات سحاب صينية في ضباب كثيف رمز التباطؤ الذي يلفّ ثاني أكبر اقتصاد في العالم

تشريح التنين المريض: أزمات متزامنة لا سابقة لها

المشهد الاقتصادي الصيني يحمل ملامح قاتمة متعددة تتشابك في آن واحد. قطاع العقارات الذي كان يُشكّل مع القطاعات المرتبطة به نحو 30% من الناتج المحلي الإجمالي ينهار تحت ثقل ديون بتريليونات الدولارات. شركة إيفرغراند العقارية العملاقة أعلنت إفلاسها بديون تتجاوز 300 مليار دولار وكانتري غاردن تلتها ومئات المطورين الأصغر أغلقوا أبوابهم تاركين ملايين الشقق غير المُكتملة يسمّيها الصينيون "مقابر الأسمنت". البطالة بين الشباب دون الخامسة والعشرين تجاوزت 20% قبل أن تتوقف الحكومة عن نشر الأرقام في إشارة بليغة. الأسعار تنخفض للشهر السادس عشر على التوالي مسجّلة أطول موجة انكماشية منذ التسعينيات. والثقة الاستهلاكية في أدنى مستوياتها. هذا المزيج يُنتج ما يخشاه الاقتصاديون أكثر من التضخم: الانكماش الذاتي التغذية حيث يتوقف المستهلكون عن الإنفاق انتظارًا لانخفاض الأسعار فتنخفض الأسعار فعلًا فيتوقفون أكثر في حلقة مفرغة يصعب كسرها. اليابان دخلت هذه الحلقة في التسعينيات ولم تخرج منها بالكامل بعد ثلاثة عقود.

تصدير الانكماش: طوفان البضائع الرخيصة

حين ينكمش الطلب الداخلي الصيني تبحث المصانع عن أسواق بديلة لتصريف طاقتها الإنتاجية الفائضة. النتيجة: طوفان من الصادرات الرخيصة يغزو أسواق العالم بأسعار تتحدى أي منافسة. الفولاذ الصيني يُباع بأسعار تقل عن تكلفة الإنتاج في أوروبا. السيارات الكهربائية الصينية كسيارات BYD تُباع بنصف سعر نظيراتها الأوروبية وتكتسح أسواق جنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية وبدأت تدخل أوروبا بقوة. الألواح الشمسية الصينية أصبحت رخيصة إلى حد دمّر صناعة الألواح الشمسية في أوروبا وأمريكا تقريبًا. هذا الإغراق السعري يُصدّر الانكماش الصيني إلى العالم ويُدمّر صناعات محلية في عشرات الدول ويدفع حكومات إلى فرض رسوم حمائية تُعمّق تفكك النظام التجاري العالمي.

حاويات شحن مُكدّسة في ميناء صيني رمز الطاقة الإنتاجية الفائضة

أسواق السلع تنزف: من النحاس إلى النفط

الصين تستهلك وحدها أكثر من نصف إنتاج العالم من النحاس والألمنيوم وخام الحديد والأسمنت. تباطؤ الطلب الصيني وانهيار قطاع البناء يعني انخفاض أسعار هذه السلع بنسب كبيرة وهو ما يضرب مباشرة اقتصادات أستراليا وتشيلي والبرازيل ودول أفريقيا المُصدّرة للمعادن كالكونغو وزامبيا وجنوب أفريقيا. حتى دول الخليج العربي تتأثر بشكل مباشر: فالصين هي أكبر مستورد للنفط في العالم بأكثر من 11 مليون برميل يوميًا وأي تراجع في شهيّتها يضغط على أسعار الخام ويُقلّص إيرادات الميزانيات الخليجية. السعودية التي أصبحت الصين شريكها التجاري الأول تراقب الأزمة الصينية بقلق بالغ لأن أي ركود صيني عميق يعني انخفاضًا في أسعار النفط قد يُعيد حسابات رؤية 2030 بأكملها.

الحرب التجارية: حين يتحوّل المريض إلى ساحة قتال

فوق أزمة الانكماش الداخلية تأتي الحرب التجارية مع الولايات المتحدة لتزيد الضغط. واشنطن فرضت رسومًا جمركية تصل إلى 100% على بعض المنتجات الصينية وقيّدت تصدير الرقائق المتقدمة إلى الصين وضغطت على حلفائها في أوروبا واليابان وكوريا الجنوبية للانضمام إلى هذا الحصار التكنولوجي. بكين ردّت بتقييد تصدير المعادن النادرة والغاليوم والجرمانيوم وبتسريع مشاريع الاكتفاء الذاتي في أشباه الموصلات. هذا الصراع يُعطّل سلاسل التوريد العالمية ويُعيد رسم خريطة التصنيع. شركات كثيرة تنقل خطوط إنتاجها من الصين إلى فيتنام والهند والمكسيك فيما يُعرف بـ"إعادة التوطين القريب". لكن هذا التحوّل مُكلف وبطيء ولا توجد دولة واحدة قادرة على استبدال الصين في سلاسل التوريد العالمية.

الدرس الياباني: شبح العقود الضائعة

من يُريد استشراف مستقبل الصين عليه أن يدرس ماضي اليابان. في أواخر الثمانينيات كانت اليابان القوة الاقتصادية الصاعدة التي أخافت أمريكا وبدت على وشك تجاوزها. ثم انفجرت فقاعة العقارات والأسهم عام 1990 ودخل الاقتصاد الياباني في ما يُعرف بـ"العقود الضائعة" ثلاثة عقود من النمو شبه المعدوم والانكماش المزمن. أوجه الشبه مع الصين اليوم مُقلقة: فقاعة عقارية هائلة وشيخوخة سكانية متسارعة ومستويات ديون مرتفعة وفخّ الانكماش. الفارق أن الصين أكبر بكثير من اليابان وأي "عقود ضائعة" صينية ستكون تداعياتها على الاقتصاد العالمي أشد بمراحل مما عاشه العالم مع التباطؤ الياباني.

شاشات أسواق مالية تعرض أرقامًا حمراء رمز التراجع الاقتصادي
ما يحدث في الصين اليوم يُعيد تشكيل الاقتصاد العالمي بصمت. والدول التي تعتقد أنها بمنأى عن العاصفة الصينية ستكتشف أن الاقتصاد المعولم لا يعرف الحدود ولا يحترم المسافات. فحين يبرد التنين يرتجف العالم بأسره.
حسام بعكة

حسام بعكة

كاتب ومحلل اقتصادي متخصص في شؤون الشرق الأوسط والاقتصاد العالمي. يقدم تحليلات معمّقة تربط بين الجيوسياسة والأسواق والتحولات الاقتصادية الكبرى.

المزيد عن الكاتب

مقالات ذات صلة