H.Bاقتصاد الشرق
أوروبا بعد الغاز الروسي: قارة تبحث عن هويتها الصناعية
الاقتصاد العالمي

أوروبا بعد الغاز الروسي: قارة تبحث عن هويتها الصناعية

حسام بعكة

حسام بعكة

٢٧ فبراير ٢٠٢٦ · 11 دقيقة

خسرت أوروبا رهانها على الطاقة الروسية الرخيصة، واكتشفت أن نموذجها الاقتصادي بأكمله كان قائمًا على وهم الاستقرار الجيوسياسي.

في سبتمبر 2022 انفجرت أنابيب نورد ستريم 1 و2 في قاع بحر البلطيق في عمل تخريبي لم يُحدَّد مُنفّذه بشكل قاطع حتى اليوم. لم تكن تلك مجرد أنابيب غاز بل كانت الشرايين التي ربطت أكبر اقتصاد أوروبي بأكبر مورد طاقة في العالم لعقود طويلة. ألمانيا القلب الصناعي النابض للقارة الأوروبية بنت عقودًا من التفوق التصنيعي على معادلة بسيطة وبراغماتية: غاز روسي رخيص يُغذّي مصانعها الكيميائية وأفرانها الصناعية ومنازل مواطنيها مقابل تكنولوجيا ألمانية وسلع فاخرة تتدفق شرقًا. هذه المعادلة التي بدت عبقرية في زمن السلم تحوّلت إلى كارثة استراتيجية حين تحوّل الغاز من سلعة تجارية إلى سلاح جيوسياسي. واليوم تقف أوروبا بأكملها أمام سؤال وجودي: هل تستطيع قارة بنت رخاءها على طاقة رخيصة مستوردة أن تُعيد اختراع نموذجها الاقتصادي بالكامل قبل أن يتآكل ما تبقى من قاعدتها الصناعية؟

مصنع أوروبي بمداخن تتصاعد منها الأبخرة رمز القاعدة الصناعية المُهددة

النزيف الصناعي: حين تُغلق المصانع أبوابها

الأرقام تتحدث بقسوة لا تحتمل التأويل. شركة باسف الكيميائية العملاقة أكبر شركة كيماويات في العالم ورمز الصناعة الألمانية أعلنت نقل جزء كبير من استثماراتها إلى الصين حيث الطاقة أرخص والسوق أكبر. مصانع الزجاج والسيراميك في ألمانيا وإيطاليا أغلقت أبوابها واحدًا تلو الآخر. صناعة الأسمدة الأوروبية التي تعتمد على الغاز الطبيعي كمادة خام أساسية تقلّصت بأكثر من النصف. مصاهر الألمنيوم والزنك أوقفت إنتاجها لأن تكلفة الكهرباء جعلته غير مُجدٍ اقتصاديًا. وتكلفة الطاقة في أوروبا رغم تراجعها عن ذروة 2022 لا تزال ضعف نظيرتها في الولايات المتحدة وثلاثة إلى أربعة أضعاف الصين. هذه الفجوة في تكلفة الطاقة تُصعّب على أي صناعة أوروبية كثيفة الاستهلاك للطاقة أن تنافس عالميًا. والنتيجة: حصة الصناعة التحويلية من الناتج المحلي الإجمالي الألماني انخفضت إلى أدنى مستوياتها منذ إعادة التوحيد عام 1990.

المغناطيس الأمريكي: قانون خفض التضخم يسرق المصانع

فوق أزمة الطاقة جاء قانون خفض التضخم الأمريكي بإعاناته السخية التي تصل إلى 369 مليار دولار للطاقة النظيفة والتصنيع المحلي ليُشكّل مغناطيسًا يجذب الاستثمارات الأوروبية عبر الأطلسي. شركات أوروبية كبرى بدأت تُعيد النظر في مواقع إنتاجها لصالح الولايات المتحدة حيث الطاقة أرخص والإعانات أسخى والبيئة التنظيمية أقل تعقيدًا. نورثفولت السويدية للبطاريات أعلنت عن مصنع ضخم في أمريكا. شركات الأدوية الألمانية تتوسع في الولايات المتحدة. حتى شركات الطاقة المتجددة الأوروبية بدأت تُركّز استثماراتها هناك. هذا النزيف الاستثماري يُثير قلقًا وجوديًا في بروكسل وبرلين وباريس: هل تتحول أوروبا من قوة صناعية عالمية إلى متحف اقتصادي يعيش على السياحة والخدمات بينما تُصنّع البضائع في مكان آخر؟

برلمان أوروبي في بروكسل رمز البيروقراطية التي تُبطئ الاستجابة للأزمات

خطة دراغي: محاولة إعادة الاختراع الأخيرة

أوروبا لا تستسلم بصمت. تقرير ماريو دراغي الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي حول القدرة التنافسية الأوروبية الذي صدر في 2024 طرح تشخيصًا صريحًا ووصفة جريئة: أوروبا تحتاج إلى 800 مليار يورو سنويًا من الاستثمارات الإضافية في الدفاع والتكنولوجيا والطاقة النظيفة والرقمنة وإلا ستفقد مكانتها في الاقتصاد العالمي بشكل لا رجعة فيه. فرنسا تُراهن على الطاقة النووية وأعلنت بناء ستة مفاعلات جديدة. إسبانيا والبرتغال تتحوّلان إلى مراكز للطاقة الشمسية وطاقة الرياح. دول الشمال تقود الابتكار في التكنولوجيا النظيفة والهيدروجين الأخضر. لكن التحدي الحقيقي يكمن في سرعة التنفيذ: البيروقراطية الأوروبية بمؤسساتها المتعددة ومتطلبات الإجماع بين 27 دولة تتحرك ببطء محبط في عالم يتغير بسرعة البرق. الوقت الذي تحتاجه أوروبا لاتخاذ قرار تستخدمه الصين لبناء مصنع كامل.

دروس للعالم العربي: لا تبنِ رخاءك على افتراض الاستقرار

ما يحدث لأوروبا يحمل درسًا بالغ الأهمية للدول العربية ولكل اقتصاد يبني رخاءه على افتراض الاستقرار الجيوسياسي. دول الخليج التي تُموّل تنويعها الاقتصادي من عائدات النفط يجب أن تسأل نفسها: ماذا لو تحوّل النفط فجأة من نعمة إلى عبء كما تحوّل الغاز الروسي من ركيزة ألمانية إلى نقطة ضعف استراتيجية؟ الطاقة الرخيصة ليست حقًا مكتسبًا والأسواق المفتوحة قد تُوصد أبوابها بين ليلة وضحاها والنماذج الاقتصادية التي تبدو صلبة كالصخر قد تنهار حين تتغير المعادلات الجيوسياسية التي قامت عليها.

العلاقة مع الخليج: شراكات الطاقة الجديدة

في بحثها عن بدائل للغاز الروسي وجدت أوروبا في دول الخليج العربي شريكًا طبيعيًا. قطر وقّعت عقود غاز مُسال طويلة الأجل مع ألمانيا وفرنسا وهولندا. السعودية والإمارات تتفاوضان على تصدير الهيدروجين الأخضر إلى أوروبا. المغرب يطمح لأن يكون مركز تصدير الطاقة الشمسية عبر كابلات بحرية إلى إسبانيا. هذه الشراكات تفتح فرصًا استثنائية للدول العربية لبناء علاقات اقتصادية أعمق مع أوروبا تتجاوز التبادل التقليدي للنفط والغاز. لكنها تحتاج إلى استراتيجية واضحة وتفاوض صارم لتجنّب تكرار نمط "المورّد الخام" الذي حكم العلاقة لعقود.

طواحين هواء في سهل أوروبي أخضر رمز التحول الطاقوي الذي تراهن عليه القارة
أوروبا اليوم تُعيد اكتشاف حقيقة نسيتها في سنوات الرخاء والسلم: السيادة الاقتصادية الحقيقية تبدأ من التحكم في مصادر الطاقة ومن لا يملك طاقته لا يملك مصيره. هذا الدرس الذي تدفع أوروبا ثمنه من ترسانتها الصناعية ورخاء مواطنيها يجب أن يكون نصب أعين كل صانع قرار عربي يُخطط لعقود قادمة.
حسام بعكة

حسام بعكة

كاتب ومحلل اقتصادي متخصص في شؤون الشرق الأوسط والاقتصاد العالمي. يقدم تحليلات معمّقة تربط بين الجيوسياسة والأسواق والتحولات الاقتصادية الكبرى.

المزيد عن الكاتب

مقالات ذات صلة