H.Bاقتصاد الشرق
ثلاثمائة ترليون دولار من الديون: العالم يسير على حافة لا يراها
الاقتصاد العالمي

ثلاثمائة ترليون دولار من الديون: العالم يسير على حافة لا يراها

حسام بعكة

حسام بعكة

٣ مارس ٢٠٢٦ · 15 دقيقة

348 تريليون دولار من الديون العالمية ، رقم مُرعب. لكن ليس كل الديون سواء: الأزمة الحقيقية ليست في الرقم الإجمالي بل في من اقترض ولماذا ومتى تُستحق الفاتورة.

تخيّل ساعة رقمية ضخمة مُعلّقة في ساحة تايمز سكوير في نيويورك ، ساعة تعدّ تصاعديًا لا تنازليًا. كل ثانية تُضاف إليها 1.1 مليون دولار. هذه ليست ساعة خيالية بل هي "ساعة الدين الأمريكي" التي تُعلن للعالم أن دين أكبر اقتصاد على وجه الأرض تجاوز 36 تريليون دولار ويزداد بسرعة تفوق قدرة العين على المتابعة. لكن الدين الأمريكي ليس سوى شريحة واحدة ، الأكثر وضوحًا والأقل خطورة في الواقع ، من جبل ديون عالمي بلغ 348 تريليون دولار في فبراير 2026 وفقًا لمعهد التمويل الدولي، بزيادة 29 تريليون دولار في عام واحد فقط. هذا الرقم يُعادل 308% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي ، أي أن كل دولار يُنتجه العالم سنويًا مرهون ثلاث مرات وأكثر. الساعة تدقّ. لكن الخطر الحقيقي ليس في الرقم الكلّي ، فليست كل الديون متساوية ، بل في التفاصيل المدفونة تحت هذا الجبل: من اقترض؟ ولماذا اقترض؟ وماذا يحدث حين تحين ساعة السداد؟

ساعة قديمة ضخمة تدقّ وعقاربها تقترب من منتصف الليل رمز الوقت الذي ينفد

الفصل الأول ، ديون الإمبراطوريات: حين تقترض القوى العظمى من المستقبل

لنبدأ بتفكيك الرقم المُرعب. الديون الحكومية وحدها بلغت 106.7 تريليون دولار بنهاية 2025 ، بزيادة تتجاوز عشرة تريليونات عن العام السابق حين كانت 96.3 تريليون. لكن هنا يجب أن نتوقف ونسأل سؤالًا يتجنّبه كثيرون: هل كل هذا الدين خطير؟ الجواب ، الذي يُزعج المتشائمين والمتفائلين على حدّ سواء ، هو: لا. حين اقترضت الولايات المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية حتى بلغ دينها 120% من الناتج المحلي، أنفقت المال على بناء أكبر آلة صناعية في التاريخ ، مصانع طائرات ودبابات تحوّلت بعد الحرب إلى مصانع سيارات وثلاجات وطائرات مدنية. ذلك الدين موّل أصولًا إنتاجية حقيقية، ونما الاقتصاد بسرعة كافية لامتصاصه خلال عقدين. وحين اقترضت كوريا الجنوبية في الستينيات والسبعينيات لبناء صناعات الحديد والصلب وبناء السفن، كانت تُراهن على المستقبل ، ونجح الرهان. المشكلة ليست في الاقتراض ذاته بل في الاقتراض لتمويل الاستهلاك الجاري ورواتب البيروقراطية ودعم الأسعار وخدمة ديون سابقة ، أي الاقتراض لسداد الاقتراض في حلقة مُفرغة لا تُنتج شيئًا.

اقتراض مُنتج

كوريا الجنوبية في الستينيات: اقترضت لبناء صناعات الحديد والصلب وبناء السفن. نما الاقتصاد بسرعة كافية لامتصاص الدين وتحوّلت إلى قوة صناعية عالمية.

اقتراض مُدمّر

دول تقترض لتمويل الاستهلاك الجاري ورواتب البيروقراطية ودعم الأسعار وخدمة ديون سابقة ، اقتراض لسداد اقتراض في حلقة مفرغة لا تُنتج شيئًا.

وهنا تتكشّف الخريطة الحقيقية للخطر. اليابان تحمل دينًا حكوميًا يبلغ 230% من ناتجها المحلي ، وهو الأعلى في العالم ، لكن 90% منه مملوك لمؤسسات يابانية محلية، والحكومة تقترض بفائدة قريبة من الصفر من مواطنيها، فالخطر محدود ومُتحكَّم فيه. الولايات المتحدة بدينها البالغ 124-125% من الناتج المحلي تملك سلاحًا لا يملكه أحد آخر: الدولار هو عملة الاحتياط العالمية، فالعالم يشتري سندات الخزانة الأمريكية ليس بدافع السخاء بل لأنه لا يجد بديلًا بالسيولة والأمان ذاتهما. إيطاليا بنسبة 137% تقترض بعملة لا تتحكم فيها ، اليورو ، فهي أكثر هشاشة. والصين عند 116% تُخفي ديونًا ضخمة في ميزانيات الحكومات المحلية خارج الحسابات الرسمية. لكن الكارثة الحقيقية ، الأزمة التي تتشكّل بصمت بينما يُحدّق العالم في أرقام الكبار ، تقع في الدول التي اقترضت لتأكل لا لتبني.

الفصل الثاني ، الجنوب المُثقل: حيث الدين يقتل قبل أن ينفجر

في أديس أبابا وإسلام آباد والقاهرة ونيروبي وكولومبو، لا تحتاج أزمة الديون إلى "انفجار" لتكون كارثية ، إنها تقتل ببطء كل يوم. الدول النامية دفعت رقمًا قياسيًا بلغ 400 مليار دولار خدمة ديون خارجية في عام 2024 وحده. هذا المبلغ لم يذهب لبناء مدارس أو مستشفيات أو طرق ، بل عبر المحيطات ليستقرّ في خزائن دائنين في واشنطن ولندن وبكين. عدد الدول في حالة "ضائقة ديون شديدة" بلغ عشر دول في 2024 ، أعلى مستوى في ربع قرن. وهذه الدول ليست أرقامًا في جدول بيانات بل شعوب تُحرم من لقاحات لأن ميزانية الصحة ذهبت لسداد قسط سندات يوروبوند، وأطفال يتسرّبون من مدارس لأن ميزانية التعليم اقتُطعت لدفع فوائد قرض صيني بنى بنية تحتية لا تعمل. الأرقام تتحدث بقسوة: الأسواق الناشئة تواجه استحقاقات ديون تتجاوز 9 تريليونات دولار في 2026 ، رقم قياسي ، وكثير من هذه الدول ستحتاج إلى إعادة تمويل ديونها في بيئة أسعار فائدة مرتفعة وشهية مخاطر مُتراجعة.

مصر نموذج صارخ لهذه المعادلة القاتلة: دين خارجي يتجاوز 165 مليار دولار، وأكثر من 40% من إيرادات الحكومة تذهب لخدمة الدين ، أي أن من كل جنيه تجمعه الحكومة من ضرائب مواطنيها وجماركها ورسومها، يذهب أربعون قرشًا مباشرة إلى جيوب الدائنين قبل أن تُنفق قرشًا واحدًا على مدرسة أو مستشفى أو رغيف خبز. هذه ليست أزمة مالية فحسب بل أزمة اجتماعية وسياسية وأخلاقية: أجيال كاملة تدفع ثمن قرارات اقتراض لم تُستشَر فيها ولم تستفد منها. والمفارقة أن شروط صندوق النقد الدولي ، تقليص الدعم ورفع أسعار الطاقة وتعويم العملة ، التي يُفترض أنها "علاج" تزيد في المدى القصير من معاناة الفقراء وتُشعل الاحتجاجات وتُهدد الاستقرار الذي هو شرط أساسي لأي تعافٍ اقتصادي. إنها حلقة مُفرغة بامتياز.

مبانٍ قديمة متهالكة في حي شعبي مزدحم رمز الأحياء التي تدفع ثمن الديون السيادية

الفصل الثالث ، ساعة الفائدة: تريليون دولار أمريكي يتبخّر كل عام

الولايات المتحدة ، صاحبة أكبر اقتصاد في العالم والمُصدرة لعملة الاحتياط العالمية ، تدفع الآن ما يقرب من تريليون دولار سنويًا فوائد على ديونها. تريليون دولار. هذا الرقم يتجاوز ميزانية الدفاع الأمريكية بالكامل ، أضخم ميزانية عسكرية في تاريخ البشرية ، ويُشكّل أكبر بند إنفاق في الميزانية الفيدرالية. والمسار يزداد رعبًا: التوقعات تُشير إلى أن كلفة خدمة الدين الأمريكي ستتضاعف إلى 1.8 تريليون دولار سنويًا بحلول 2035. هذا يعني أن أمريكا ، خلال تسع سنوات ، ستُنفق على فوائد ديونها أكثر ممّا تُنفقه على الدفاع والتعليم والصحة والبنية التحتية مجتمعة. ليست هذه أزمة ستحدث يومًا ما في المستقبل ، إنها تحدث الآن، بتسارع مُتصاعد، والساعة لا تتوقف.

ما يجعل هذه اللحظة مختلفة عن كل أزمات الديون السابقة هو سياق أسعار الفائدة. لعقود، استطاعت الحكومات الاقتراض بتكلفة زهيدة ، أسعار الفائدة كانت تقترب من الصفر بعد أزمة 2008 وخلال جائحة كوفيد. الحكومات أدمنت الاقتراض الرخيص كمدمن يحقن نفسه بالمسكّنات: الألم يختفي مؤقتًا لكن المرض يتفاقم. ثم جاء التضخم في 2022-2023 وأجبر البنوك المركزية على رفع الفائدة بأسرع وتيرة منذ أربعة عقود. فجأة، أصبح المدمن محرومًا من المسكّنات والألم يعود مضاعفًا. كل سند حكومي يحين أجل استحقاقه يُعاد تمويله بفائدة أعلى بكثير. الدول التي كانت تقترض بفائدة 1-2% تقترض الآن بفائدة 4-5% أو أكثر. والفارق بين 2% و5% حين يُضرب في تريليونات الدولارات يُنتج أرقامًا مُرعبة تلتهم ميزانيات بأكملها.

  • 1982المكسيك تُعلن عجزها عن السداد وتُشعل أزمة ديون أمريكا اللاتينية
  • 2008الأزمة المالية العالمية تدفع البنوك المركزية لخفض الفائدة إلى الصفر
  • 2020جائحة كوفيد تُطلق موجة اقتراض غير مسبوقة عالميًا
  • 2022-2023أسرع دورة رفع فائدة منذ أربعة عقود تُضاعف تكلفة خدمة الديون
  • 2026استحقاقات ديون قياسية تتجاوز 9 تريليونات دولار للأسواق الناشئة

الفصل الرابع ، أشباح الماضي: من بوينس آيرس إلى فايمار

التاريخ مليء بأزمات ديون دمّرت مجتمعات بأكملها ، وأنماط هذه الأزمات تتكرر بدقة مُقلقة. في أمريكا اللاتينية في الثمانينيات، اقترضت حكومات المكسيك والبرازيل والأرجنتين بكثافة من البنوك الأمريكية خلال السبعينيات حين كانت أسعار النفط مرتفعة والسيولة وفيرة. ثم رفع بول فولكر رئيس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة إلى 20% لمحاربة التضخم الأمريكي، فتضاعفت تكلفة خدمة ديون أمريكا اللاتينية المُقوّمة بالدولار بين ليلة وضحاها. المكسيك أعلنت عجزها عن السداد في أغسطس 1982 وتبعتها خمس عشرة دولة لاتينية في "عقد ضائع" من الركود والتضخم الجامح والبطالة والفقر. جيل كامل من اللاتينيين دفع ثمن قرارات اقتراض متهوّرة واتخذها سياسيون لن يتحمّلوا عواقبها. أوجه الشبه مع اللحظة الراهنة مُقلقة: أسعار فائدة كانت منخفضة ثم ارتفعت بسرعة، وديون بالعملات الأجنبية تراكمت خلال سنوات الرخاء، وحكومات أنفقت على الاستهلاك والدعم بدل الاستثمار الإنتاجي.

والدرس الأشد قتامة يأتي من ألمانيا فايمار في العشرينيات. حين أُثقلت ألمانيا بتعويضات الحرب العالمية الأولى بموجب معاهدة فرساي ، ديون لم تقترضها بإرادتها بل فُرضت عليها ، لجأت إلى طباعة النقود لسدادها. النتيجة: تضخم جنوني بلغ 29,500% في شهر واحد في أكتوبر 1923. أسعار الخبز تتضاعف كل ساعات. عربات يد محمّلة بالأوراق النقدية لشراء رغيف. مدخرات الطبقة المتوسطة تبخّرت في أسابيع. والنتيجة السياسية كانت أفظع من الاقتصادية: انهيار الثقة بالديمقراطية ممّا مهّد الطريق لصعود هتلر بعد عقد. الدرس واضح وحاد كحدّ السكين: أزمات الديون لا تنتهي عند الاقتصاد ، بل تتسرّب إلى السياسة والمجتمع والأمن، وقد تُشعل حروبًا وتُسقط أنظمة وتُفكك دولًا.

أوراق نقدية قديمة ممزقة ومتناثرة على طاولة خشبية رمز انهيار القيمة النقدية

الفصل الخامس ، الديون العربية: بين من يقترض ليبني ومن يقترض ليأكل

خريطة الديون العربية تكشف تباينًا صارخًا يُجسّد الفرق بين الاقتراض المُنتج والاقتراض المُدمّر. السعودية رفعت دينها العام من قرابة الصفر إلى أكثر من 30% من الناتج المحلي في عقد واحد ، لكنها اقترضت لتمويل مشاريع نيوم والبحر الأحمر والقدية وتحوّل الطاقة وتنويع الاقتصاد. هذا اقتراض يُموّل أصولًا يُفترض أن تُولّد عوائد مستقبلية ، رهان على المستقبل قد ينجح وقد يفشل لكنه رهان مُتعمّد ومحسوب. الإمارات بدورها تستثمر في بنية تحتية اقتصادية ورقمية وذكاء اصطناعي وطيران ولوجستيات ، ديونها تُموّل أصولًا إنتاجية حقيقية. على الضفة المقابلة، مصر بدينها الخارجي الذي يتجاوز 165 مليار دولار اقترضت ، في معظم الحالات ، لتمويل فجوة الميزانية ودعم الجنيه ودفع فوائد ديون سابقة وتمويل مشاريع بنية تحتية ضخمة يشكّك كثيرون في عوائدها الاقتصادية الحقيقية. النتيجة: أكثر من 40% من إيرادات الحكومة تذهب لخدمة الدين ، وهي نسبة تجعل أي تنمية حقيقية شبه مستحيلة.

لبنان يُقدّم الدرس الأقسى: بلد صغير اقترض بلا حدود لتمويل نمط حياة يفوق إمكاناته، وبنى نظامًا ماليًا هرميًا ، يُسمّيه البعض "مخطط بونزي" ، حيث تُستخدم ودائع جديدة لدفع فوائد ودائع قديمة. حين توقفت التدفقات في أكتوبر 2019، انهار النظام بأكمله: المصارف أغلقت أبوابها والليرة فقدت 98% من قيمتها والطبقة المتوسطة تبخّرت في أشهر. تونس تقف على حافة مماثلة ، دين خارجي مُتصاعد وعجز عن الوصول إلى الأسواق المالية الدولية وشروط صندوق نقد مرفوضة سياسيًا. والأردن يُعيد جدولة ديونه بانتظام في ما يُشبه الصراع المستمر مع الغرق. هذا التباين العربي يُثبت أن الأزمة ليست في الرقم الإجمالي للديون بل في طبيعتها ، من اقترض ولماذا وهل أنتج الاقتراض أصولًا تُسدد نفسها أم التهم نفسه في دورة استهلاكية عقيمة.

سندات يوروبوند (Eurobonds)

سندات دين تُصدرها الحكومات بعملات أجنبية (عادة الدولار أو اليورو) في الأسواق الدولية. توفّر تمويلًا سريعًا لكنها تُعرّض الدول لمخاطر تقلبات سعر الصرف وتقلّبات شهية المستثمرين الدوليين.

الفصل السادس ، الدائنون المتشرذمون: لماذا الحل أصعب من أي وقت مضى

في ثمانينيات القرن العشرين، حين انفجرت أزمة ديون أمريكا اللاتينية، كان الحل ممكنًا ، وإن كان مؤلمًا ، لأن الدائنين كانوا محدودي العدد ويمكن جمعهم في غرفة واحدة: بضعة بنوك أمريكية كبرى وحكومتا واشنطن ولندن وصندوق النقد الدولي. جيمس بيكر وزير الخزانة الأمريكي جمعهم فعلًا ووضعوا خطة. اليوم المشهد أكثر تعقيدًا بمراحل لا يُمكن مقارنتها. الدائنون يشملون: حكومات غربية تقليدية (نادي باريس)، والصين التي أصبحت أكبر دائن ثنائي في العالم لكنها ترفض الشفافية وترفض المشاركة في آليات إعادة الهيكلة التقليدية، وصناديق التحوّط وحملة سندات يوروبوند من القطاع الخاص الذين يتمسكون بحقوقهم القانونية الكاملة ويرفضون أي خصم، وصندوق النقد الدولي الذي يُقرض بشروط تقشفية تُشعل الشوارع. هذا التشرذم يجعل أي إعادة هيكلة مُنظّمة ، من النوع الذي أنقذ أمريكا اللاتينية في النهاية عبر "خطة برادي" ، شبه مستحيلة اليوم. كل دائن يتمسّك بحصته ويرفض التنازل ما لم يتنازل الآخرون أولًا ، وبينما يتفاوضون، تغرق الدول المدينة أعمق.

سريلانكا قدّمت نموذجًا حيًا لهذا المأزق: أعلنت عجزها عن السداد في أبريل 2022 واستغرقت إعادة هيكلة ديونها أكثر من عامين من المفاوضات المُعقّدة بين الصين من جهة وحملة السندات الخاصة من جهة والحكومات الغربية من جهة ثالثة ، كل طرف ينتظر الآخر ليتحرّك أولًا. خلال هذين العامين، عانى الشعب السريلانكي من انقطاعات كهرباء ونقص في الوقود والدواء والغذاء. هذا هو الثمن البشري لتشرذم الدائنين ، ثمن يدفعه الأضعف بينما يتفاوض الأقوياء على النسب والشروط.

الفصل الأخير ، قبل أن تدقّ الساعة: ثلاثة مخارج ولا وقت للتردد

التاريخ يُعلّمنا أن أزمات الديون الكبرى تنتهي بإحدى ثلاث طرق ، ولا رابع لها. الطريقة الأولى هي النمو: حين ينمو الاقتصاد أسرع من الدين، تتقلص النسبة تدريجيًا دون حاجة للتقشف أو التعثّر. هذا ما فعلته أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية: نمو اقتصادي بنسبة 5-7% سنويًا لعقدين خفّض نسبة الدين إلى الناتج من 120% إلى أقل من 40% دون أن تسدّد الحكومة دولارًا واحدًا إضافيًا. لكن أين هذا النمو اليوم؟ الاقتصادات المتقدمة تنمو بنسبة 1-2% والاقتصادات الناشئة تُعاني من عوائق هيكلية والذكاء الاصطناعي قد يرفع الإنتاجية لكن ثماره لن تنضج قبل سنوات. الطريقة الثانية هي التضخم: طباعة النقود وتآكل القيمة الحقيقية للديون ، وهذا ما فعلته عشرات الدول عبر التاريخ لكنه يأتي على حساب مدخرات الطبقة المتوسطة والفقراء ويُنتج اضطرابات اجتماعية خطيرة. الطريقة الثالثة هي التعثّر وإعادة الهيكلة: الاعتراف بالعجز وإجبار الدائنين على قبول خسائر ، وهذا مؤلم لكنه أحيانًا يكون الخيار الأقل سوءًا.

الحقيقة المُزعجة أن العالم يتّجه نحو مزيج من الثلاثة: تضخم مُدار في الاقتصادات الكبرى يأكل الديون ببطء دون الاعتراف بذلك، وتعثّرات مُتتالية في دول الجنوب العالمي، ومحاولات يائسة لتحقيق نمو عبر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي قد تنجح وقد تفشل. الأسواق الناشئة تواجه استحقاقات قياسية تتجاوز تسعة تريليونات دولار في 2026 ، ساعة السداد تدقّ بصوت أعلى كل يوم. والدول التي لا تستعدّ الآن ، بتنويع مصادر تمويلها وبناء احتياطيات وتقليل اعتمادها على الديون بالعملات الأجنبية وتحويل اقتراضها من استهلاكي إلى إنتاجي ، هذه الدول ستكتشف أن الساعة لا تنتظر أحدًا.

شاشة كمبيوتر تعرض رسومًا بيانية مالية معقدة بأرقام حمراء متصاعدة
ثلاثمائة وثمانية وأربعون تريليون دولار ليست مجرد رقم في تقرير ، إنها وعود قُطعت باسم المستقبل ويُطلب من المستقبل الآن أن يفي بها. بعض هذه الوعود بنت مدارس ومصانع ومستشفيات ، هذه ديون شريفة سيُسددها النمو الذي أنتجته. وبعضها بنى قصورًا لحكّام وموّل حروبًا عبثية ودفع رواتب بيروقراطيات لا تُنتج شيئًا ، هذه ديون ستدفع ثمنها أجيال لم تُستشَر ولم تستفد. الفرق بين النوعين هو الفرق بين أمة تقترض لتصعد وأمة تقترض لتسقط. والتاريخ لا يسأل كم اقترضت ، بل يسأل: فيمَ أنفقت؟
معهد التمويل الدولي (IIF) ، إجمالي الديون العالمية بلغ 348 تريليون دولار بنهاية 2025
حسام بعكة

حسام بعكة

كاتب ومحلل اقتصادي متخصص في شؤون الشرق الأوسط والاقتصاد العالمي. يقدم تحليلات معمّقة تربط بين الجيوسياسة والأسواق والتحولات الاقتصادية الكبرى.

المزيد عن الكاتب

مقالات ذات صلة