H.Bاقتصاد الشرق
ثلاثمائة ترليون دولار من الديون: العالم يسير على حافة لا يراها
الاقتصاد العالمي

ثلاثمائة ترليون دولار من الديون: العالم يسير على حافة لا يراها

حسام بعكة

حسام بعكة

٣ مارس ٢٠٢٦ · 11 دقيقة

الدين العالمي تجاوز 300 ترليون دولار، رقم يتجاوز قدرة العقل البشري على استيعابه. لكن الأرقام الكبرى تُخفي أزمة أعمق في هيكل الاقتصاد العالمي.

في عام 1694 أسّست إنجلترا بنك إنجلترا لغرض واحد: اقتراض المال لتمويل حربها ضد فرنسا. منذ ذلك اليوم والدين السيادي يسير جنبًا إلى جنب مع الحرب والطموح الإمبريالي، وكل جيل يُقرض المستقبل ليدفع ثمن الحاضر. لكن ما يحدث اليوم يختلف نوعيًا عن كل ما سبقه. الدين العالمي تجاوز 307 ترليونات دولار أي ما يُعادل 340% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. هذا الرقم يتجاوز قدرة العقل البشري على الاستيعاب فهو يعني أن كل إنسان على وجه الأرض بما في ذلك الرضّع يتحمّل نظريًا نحو 38 ألف دولار من الديون. الحكومات التي أنقذت البنوك في 2008 بالاقتراض ثم اقترضت لمواجهة الجائحة في 2020 ثم اقترضت لتمويل الحروب والتسلح في 2022 تجد نفسها اليوم أمام جبل من الالتزامات يزداد ارتفاعًا مع كل أزمة جديدة. والسؤال الذي يتجنّبه الجميع هو: متى تنهار هذه الأرض المبنية على الرمل وكيف ستبدو الكارثة حين تقع؟

أوراق نقدية متراكمة رمز الديون المتراكمة التي تُثقل كاهل الاقتصاد العالمي

خريطة الهشاشة: من واشنطن إلى أديس أبابا

التوزيع الجغرافي للديون يكشف خريطة القوة والهشاشة في آن واحد. الولايات المتحدة وحدها تتحمل ديونًا سيادية تتجاوز 36 ترليون دولار أي أكثر من 120% من ناتجها المحلي لكنها تملك ميزة فريدة: عملتها هي عملة الاحتياط العالمية فتستطيع طباعة المال لسداد ديونها وإن كان ذلك بثمن تضخمي. اليابان تحمل دينًا يبلغ 260% من ناتجها المحلي لكن معظمه مملوك لمؤسسات يابانية فالخطر أقل. الصين أضافت عشرات الترليونات من ديون الحكومات المحلية والشركات العقارية في فقاعة قد تنفجر في أي لحظة. لكن الأزمة الأشد قسوة والأقل ظهورًا تقع في الجنوب العالمي: 60% من الدول منخفضة الدخل إما في حالة تعثّر فعلي أو على حافته وفق تقديرات البنك الدولي. في أفريقيا ترتفع تكلفة خدمة الدين إلى مستويات تلتهم ميزانيات التعليم والصحة والبنية التحتية. مصر تُنفق أكثر من 40% من إيراداتها الحكومية على خدمة الدين. باكستان تعيش على أجهزة الإنعاش المالي من صندوق النقد. والأردن ولبنان وتونس يئنّون تحت أعباء لا طاقة لاقتصاداتها الصغيرة بتحمّلها.

مصيدة الفائدة المرتفعة: الحلقة المفرغة

حين رفعت البنوك المركزية الكبرى أسعار الفائدة بأسرع وتيرة منذ أربعة عقود لمحاربة التضخم ضاعفت في الوقت ذاته تكلفة خدمة الديون القائمة. الولايات المتحدة تدفع الآن أكثر من ترليون دولار سنويًا فوائد على ديونها وهو رقم يتجاوز ميزانيتها العسكرية بالكامل ويُشكّل أكبر بند إنفاق في الميزانية الفيدرالية. الدول الأفريقية مجتمعة تُنفق على خدمة الديون الخارجية أكثر مما تُنفق على الصحة والتعليم معًا. وهذه المعادلة تُنتج حلقة مُفرغة كلاسيكية: الاقتراض لسداد الفوائد يزيد الدين الذي يُولّد مزيدًا من الفوائد فيستلزم مزيدًا من الاقتراض. والدول التي تدخل هذه الحلقة تجد نفسها عاجزة عن الاستثمار في النمو الذي هو السبيل الوحيد للخروج منها وتبقى أسيرة دورة الديون إلى أن تنفجر.

الدائنون الجدد: الصين وسوق السندات والفوضى

تعقيد أزمة الديون الحالية يتجاوز أي أزمة سابقة بسبب تعدد الدائنين وتضارب مصالحهم. في الثمانينيات والتسعينيات كان المقرضون أساسًا حكومات غربية وبنوكًا تجارية يمكن جمعهم في غرفة واحدة للتفاوض. اليوم المشهد أكثر تعقيدًا بمراحل: الصين أصبحت أكبر دائن ثنائي في العالم بقروض تتجاوز 800 مليار دولار لكنها ترفض الشفافية وترفض المشاركة في "نادي باريس" التقليدي لإعادة هيكلة الديون. صناديق التحوّط وحملة السندات من القطاع الخاص يمتلكون حصة متزايدة من ديون الدول النامية ويتمسّكون بحقوقهم القانونية بصرامة. وصندوق النقد الدولي يفرض شروطًا تقشفية تُفاقم الأزمات الاجتماعية وتُشعل الاحتجاجات كما حدث في مصر والأردن وتونس. هذا التشرذم بين الدائنين يجعل أي إعادة هيكلة منظّمة شبه مستحيلة.

رسم بياني يُظهر خطًا تصاعديًا حادًا رمز تراكم الديون العالمية

سيناريوهات الخروج: كلها مؤلمة

التاريخ يُعلّمنا أن أزمات الديون لا تنتهي بالتقشف وحده. هناك ثلاثة مخارج تاريخية لا رابع لها. الأول هو النمو الاقتصادي القوي الذي يُقلّص نسبة الدين إلى الناتج كما حدث بعد الحرب العالمية الثانية حين نما الاقتصاد الأمريكي بسرعة كافية لامتصاص ديون الحرب. الثاني هو التضخم الذي يأكل القيمة الحقيقية للديون وهو ما فعلته دول كثيرة عبر التاريخ لكنه يأكل مدخرات المواطنين معها. الثالث هو التعثّر وإعادة الهيكلة أي الاعتراف بالعجز عن السداد وإجبار الدائنين على تحمّل خسائر. الاقتصاد العالمي اليوم يفتقر إلى النمو الكافي ويحارب التضخم بضراوة مما يُضيّق المخارج المتاحة. والدول التي تؤجّل المواجهة تُراكم المشكلة لتصبح أكبر وأعقد حين تنفجر.

الديون العربية: الفيل في الغرفة

في المشهد العربي تتباين صورة الديون بشكل حادّ. دول الخليج النفطية تتمتع بديون منخفضة نسبيًا واحتياطيات ضخمة لكنها بدأت تقترض بوتيرة متسارعة لتمويل مشاريع التنويع الاقتصادي. السعودية رفعت دينها العام من الصفر تقريبًا إلى أكثر من 30% من ناتجها المحلي خلال عقد واحد. على الضفة الأخرى مصر تعيش أزمة ديون مزمنة بدين خارجي يتجاوز 165 مليار دولار ودين محلي يفوق ضعف ذلك وتُنفق أكثر من 40% من إيراداتها على خدمة الدين. لبنان انهار بالكامل تحت ثقل ديونه. تونس على حافة التعثّر. والأردن يُعيد جدولة التزاماته باستمرار. هذه الصورة تُنذر بأن الموجة القادمة من أزمات الديون قد تضرب العالم العربي بشكل خاص ولن يكون هناك صندوق إنقاذ كافٍ لاحتوائها.

مبنى بنك مركزي ضخم رمز المؤسسات المالية التي تُدير أزمة الديون العالمية
ثلاثمائة ترليون دولار من الديون ليست مجرد رقم في ميزانية. إنها رهن على مستقبل أجيال كاملة قُرض بدون إذنها ويُطلب منها سداده بعملها وعرقها ومستقبلها. والفاتورة ستُستحق عاجلًا أم آجلًا والسؤال الوحيد هو: من سيدفعها ومن سيُعفى منها؟
حسام بعكة

حسام بعكة

كاتب ومحلل اقتصادي متخصص في شؤون الشرق الأوسط والاقتصاد العالمي. يقدم تحليلات معمّقة تربط بين الجيوسياسة والأسواق والتحولات الاقتصادية الكبرى.

المزيد عن الكاتب

مقالات ذات صلة