H.Bاقتصاد الشرق
صعود الدولار يسحق القدرة الشرائية العربية
التضخم والأسعار

صعود الدولار يسحق القدرة الشرائية العربية

حسام بعكة

حسام بعكة

٢ مارس ٢٠٢٦ · 11 دقائق

كل نقطة يرتفع فيها مؤشر الدولار تعني ارتفاعًا في فاتورة الاستيراد العربية. في منطقة تستورد معظم ما تستهلكه، الدولار القوي عدو خفي لا يُرى.

قبل أن يصبح الدولار سيّد العملات بلا منازع، كان الجنيه الإسترليني يجلس على عرش النظام المالي العالمي لأكثر من قرن، مدعومًا بأسطول بريطانيا الذي يجوب البحار ومستعمراتها التي تطوّق الكرة الأرضية. ثم جاءت حربان عالميتان أنهكتا الإمبراطورية العجوز، وفي غرفة مغلقة في فندق ماونت واشنطن بمنتجع بريتون وودز عام 1944، وُلد نظام نقدي جديد رُبطت فيه عملات العالم بالدولار الأمريكي المربوط بدوره بالذهب. منذ تلك اللحظة، ومرورًا بقرار نيكسون فكّ ارتباط الدولار بالذهب عام 1971، أصبحت الورقة الخضراء أداة هيمنة لا تُضاهيها قوة عسكرية ولا اتفاقية تجارية. العالم العربي، الذي لم يكن حاضرًا في تلك الغرفة المغلقة ولم يُستشر في صياغة ذلك النظام، يعيش منذ ثمانية عقود تحت رحمة عملة لا يملك قرار طباعتها ولا تحديد سعر فائدتها، ومع ذلك تتحكم في أسعار خبزه ووقوده ودوائه وكل ما يستورده من وراء البحار.

أوراق نقدية من الدولار الأمريكي متناثرة على سطح داكن

سلاسل بريتون وودز: حين يُصاغ المصير النقدي في غياب أصحابه

ثمة مفارقة مُرّة في أن يكون النظام النقدي الذي يتحكم في مصائر 450 مليون عربي قد صُمّم في لحظة تاريخية كانت فيها معظم الدول العربية ترزح تحت الاستعمار أو الانتداب. لم تكن هناك دولة عربية واحدة بين الدول الـ44 التي حضرت مؤتمر بريتون وودز، فسوريا ولبنان كانتا تحت الانتداب الفرنسي، ومصر والعراق تحت الهيمنة البريطانية، ودول الخليج مشيخات صغيرة لم تُعترف بها دوليًا بعد. هكذا وُلد العالم العربي المعاصر في نظام مالي رُسمت قواعده دون استشارته، وبات عليه أن يلعب بأوراق لم يختر توزيعها. واليوم، بعد ثمانية عقود، لا تزال تبعات ذلك الغياب تُلقي بظلالها الثقيلة على الاقتصادات العربية: فعملات المنطقة إما مربوطة بالدولار ربطًا وثيقًا، كما في دول الخليج، أو تتأرجح أمامه تأرجح القصبة في مهبّ الريح، كما في مصر وتونس والسودان. وفي كلتا الحالتين، يبقى الدولار هو المرجع والحَكَم والسيّد الذي لا يُردّ أمره.

قيود الذهب الأخضر: المفارقة الخليجية المؤلمة

حين قررت دول الخليج ربط عملاتها بالدولار الأمريكي، الريال السعودي عند 3.75 والدرهم الإماراتي عند 3.67 والريال القطري عند 3.64، كانت المعادلة تبدو منطقية ومُغرية: استقرار في سعر الصرف يُطمئن المستثمرين الأجانب، وتسهيل للتجارة النفطية المُسعّرة بالدولار، وحماية من التقلبات التي تعصف بالعملات الناشئة. لكن هذا الربط يعني، في جوهره، أن البنوك المركزية الخليجية تتنازل طوعًا عن أهم أدوات السياسة النقدية المستقلة: تحديد سعر الفائدة. فحين يقرر مجلس الاحتياطي الفيدرالي رفع أسعار الفائدة لمكافحة التضخم الأمريكي، كما فعل في دورة التشديد النقدي بين 2022 و2024 حين رفع الفائدة إلى نطاق 5.25-5.50%، تضطر البنوك المركزية الخليجية للحاق به خطوة بخطوة، حتى لو كانت اقتصاداتها المحلية تحتاج سياسة نقدية توسعية لتحفيز النمو غير النفطي وتمويل مشاريع التحول الاقتصادي الطموحة كرؤية 2030 السعودية. والمفارقة الأكثر إيلامًا تكمن في أن الدولار القوي يرفع القيمة الاسمية لعائدات النفط، لأن النفط مُسعّر بالدولار، لكنه يرفع في الوقت ذاته تكلفة كل ما تستورده هذه الدول من غذاء ومواد بناء وتكنولوجيا ومعدات، مما يُلغي جزءًا كبيرًا من المكاسب الظاهرية. إنها معادلة تشبه الجري فوق سير كهربائي: تبذل جهدًا هائلًا لتبقى في المكان نفسه.

أسواق شعبية عربية مزدحمة بالمتسوقين والبضائع

انهيارات العملات: مشاهد من الضفة الأخرى

إذا كانت دول الخليج تُعاني من قيود الربط بالدولار رغم ثرواتها النفطية الهائلة، فإن الصورة في الدول العربية غير النفطية تبلغ حدّ الكارثة الإنسانية. الجنيه المصري، الذي كان يُساوي 15 جنيهًا للدولار في مطلع 2022، تجاوز حاجز 50 جنيهًا في السوق الرسمية بحلول أوائل 2024، قبل أن يستقر عند مستويات تتراوح حول 48-50 جنيهًا، أي أن القوة الشرائية للمواطن المصري تبخّر أكثر من ثلثيها خلال عامين فقط. والدينار التونسي الذي كان يُساوي دينارين ونصف للدولار قبل عقد أصبح يتجاوز ثلاثة دنانير وثلث، في تآكل صامت لكنه قاتل لمعيشة الطبقة الوسطى التي كانت تُشكّل العمود الفقري للمجتمع التونسي. أما الجنيه السوداني فقد فقد كل معنى اقتصادي تقريبًا في ظل الحرب الأهلية، إذ يتراوح سعره في السوق الموازية بين 1500 و2000 جنيه للدولار الواحد، مُحوّلًا مدخرات ملايين السودانيين إلى أرقام بلا قيمة حقيقية. هذه الانهيارات ليست مجرد أرقام في جداول اقتصادية، بل هي زلازل اجتماعية تقضم الطبقة الوسطى قضمًا وتدفع ملايين الأسر تحت خط الفقر وتُشعل فتيل السخط الذي قد ينفجر في أي لحظة. والحكومات تجد نفسها محاصرة في زاوية ضيقة: صندوق النقد الدولي يشترط تعويم العملة وتقليص الدعم كثمن لحزم الإنقاذ، والشارع يرفض مزيدًا من التقشف الذي يطحن قدرته الشرائية المتبقية، وبين هاتين المطرقتين تُسحق إرادة الإصلاح.

الدولار كسلاح: ما وراء أسعار الصرف

لا يقتصر جبروت الدولار على تأثيره في أسعار الصرف، بل يمتد إلى ما هو أخطر بكثير: السيطرة على شرايين النظام المالي العالمي. نظام سويفت، شبكة الرسائل المالية التي تربط أكثر من 11,000 مؤسسة مالية في 200 دولة، يعمل فعليًا تحت المظلة الأمريكية، مما يمنح واشنطن قدرة غير مسبوقة على فرض عقوبات مالية تعزل أي دولة عن النظام المالي العالمي بضغطة زر. العراق عاش هذا الكابوس في التسعينيات، وإيران تعيشه منذ عقود، وروسيا اكتشفت وطأته بعد 2022. والدول العربية، حتى تلك التي لا تخضع لعقوبات مباشرة، تعيش في ظلّ هذا التهديد الدائم الذي يُقيّد حريتها في التعامل التجاري مع أطراف قد تكون واشنطن في خلاف معها. فحين تريد السعودية بيع النفط للصين باليوان، أو حين تريد الإمارات تعميق علاقاتها المالية مع روسيا، يبرز الدولار، لا كعملة محايدة بل كأداة ضغط سياسي، ليرسم الحدود التي لا يجوز تجاوزها. هذا البُعد السياسي للهيمنة النقدية الأمريكية هو ما يُعطي نقاشات «التخلي عن الدولار» زخمًا متزايدًا في الأروقة العربية والآسيوية، ليس لأن البديل جاهز بل لأن الثمن السياسي للاعتماد على عملة واحدة بات باهظًا إلى حد لا يُطاق.

سراب اليوان وأحلام العملة الرقمية

في خضمّ هذا السخط المتنامي من هيمنة الدولار، يُطلّ اليوان الصيني برأسه كمنافس محتمل، وبكين تُشجّع هذا الطموح بكل ما أوتيت من أدوات. اتفاقيات مبادلة العملات بين الصين وعدد من الدول العربية تتزايد، السعودية والإمارات ومصر وقّعت جميعها اتفاقيات من هذا النوع، والحديث عن تسعير بعض صفقات النفط باليوان (ما بات يُعرف إعلاميًا بـ«البترويوان») لم يعد محصورًا في دوائر الاقتصاديين المتمردين بل أصبح موضوعًا يُناقش في أعلى المستويات الرسمية. لكن الحقيقة الصلبة التي تقف في وجه هذا الطموح هي أن اليوان ليس عملة قابلة للتحويل الحر، إذ تتحكم بكين في تدفقاته الرأسمالية بقبضة حديدية، ولا يتمتع بالعمق السوقي الذي يتيح للمستثمرين والحكومات الاحتفاظ به كاحتياطي آمن. حصة اليوان من الاحتياطيات العالمية لا تتجاوز 2.7% مقابل نحو 59% للدولار، وهذه الفجوة الهائلة لن تُردم في عقد أو عقدين. أما العملات الرقمية للبنوك المركزية، التي تعمل عليها الصين والإمارات والسعودية ضمن مشاريع مثل «إم بريدج»، فهي تجارب واعدة لكنها لا تزال في مراحلها الأولى، ولم تُثبت بعد قدرتها على تقديم بديل حقيقي للنظام القائم على الدولار.

شاشات إلكترونية تعرض مؤشرات أسواق المال والعملات

التجارة العربية البينية: المفتاح المنسي

بينما تتصاعد النقاشات حول بدائل الدولار على المستوى العالمي، يتجاهل العالم العربي أداة أبسط وأقرب منالًا: تعزيز التجارة البينية العربية وتسويتها بالعملات المحلية. الأرقام تكشف حجم الفرصة الضائعة: التجارة البينية العربية لا تتجاوز 12-14% من إجمالي تجارة المنطقة الخارجية، وهي نسبة هزيلة مقارنة بـ60% للاتحاد الأوروبي و50% لدول شرق آسيا. هذا يعني أن الدول العربية تتاجر مع العالم الخارجي أضعاف ما تتاجر مع بعضها البعض، وكل هذه التجارة تُسعَّر وتُسوّى بالدولار. لماذا تدفع مصر للسعودية بالدولار ثمن شحنة بتروكيماويات؟ لماذا يُسعَّر الألمنيوم الإماراتي المُصدَّر إلى المغرب بالعملة الأمريكية؟ الإجابة تكمن في غياب البنية التحتية المالية العربية المشتركة، لا غرفة مقاصة عربية فعّالة، ولا سوق سندات عربية موحدة، ولا منظومة مدفوعات إقليمية تُتيح التسوية بالعملات المحلية. منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، التي أُعلن عنها عام 2005، لا تزال حبرًا على ورق في معظم بنودها، والاتحاد الجمركي العربي يبدو وكأنه من أحلام الستينيات التي لم تتحقق. والنتيجة أن كل دولار يتحرك صعودًا أو هبوطًا في الأسواق العالمية يُحدث ارتجاجًا في الاقتصادات العربية، لأنها لم تبنِ الحصون النقدية التي تحميها من عواصف عملة تُطبع على بُعد آلاف الأميال.

الطريق الطويل نحو السيادة النقدية

التحرر من جبروت الدولار ليس قرارًا سياسيًا يُتخذ في قمة عربية ويُنفَّذ في اليوم التالي، بل هو مسار تحوّل اقتصادي عميق يحتاج عقودًا من العمل المنهجي. الشرط الأول والأساسي هو بناء اقتصادات إنتاجية تُصدّر أكثر مما تستورد، فالعملة القوية هي انعكاس لاقتصاد قوي لا العكس. والشرط الثاني هو تعميق الأسواق المالية العربية وجعلها قادرة على استيعاب رؤوس الأموال الضخمة التي تبحث حاليًا عن ملاذ في سندات الخزانة الأمريكية. والشرط الثالث، وهو الأصعب، هو بناء مؤسسات نقدية عربية ذات مصداقية واستقلالية تُنافس الفيدرالي الأمريكي في قدرتها على ضبط التضخم والحفاظ على استقرار الأسعار. كل هذه الشروط تتطلب إرادة سياسية مُستدامة وإصلاحات مؤسسية جذرية وصبرًا تاريخيًا لا تتقنه الحكومات التي تعيش من أزمة إلى أزمة. لكن البديل، وهو الاستمرار في الخضوع لجبروت عملة لا يملكون قرارها ولا يتحكمون في مسارها، هو استسلام حضاري يليق بأمة فقدت البوصلة لا بأمة تملك ثروات باطن الأرض وموقعًا جغرافيًا يربط ثلاث قارات وتراثًا تجاريًا يمتد لآلاف السنين. إن الدولار، تلك الورقة الخضراء التي تحمل شعار «نثق بالله»، لن يتراجع عن عرشه بسهولة، لكن التاريخ يُعلّمنا أن كل عرش نقدي، من الدراخمة اليونانية إلى الدينار الإسلامي إلى الجنيه الإسترليني، كان يبدو أبديًا حتى لحظة سقوطه.

حسام بعكة

حسام بعكة

كاتب ومحلل اقتصادي متخصص في شؤون الشرق الأوسط والاقتصاد العالمي. يقدم تحليلات معمّقة تربط بين الجيوسياسة والأسواق والتحولات الاقتصادية الكبرى.

المزيد عن الكاتب

مقالات ذات صلة