H.Bاقتصاد الشرق
صعود الدولار يسحق القدرة الشرائية العربية
التضخم والأسعار

صعود الدولار يسحق القدرة الشرائية العربية

حسام بعكة

حسام بعكة

٢ مارس ٢٠٢٦ · 13 دقيقة

الجنيه المصري فقد ثلثي قيمته في عامين، والدينار السوداني فقد كل معنى اقتصادي. لكن ربط الخليج بالدولار ، رغم قيوده ، يظل صفقة أفضل مما يظنه المنتقدون. الضحايا الحقيقيون هم الاقتصادات العربية غير النفطية.

في صباح الحادي عشر من مارس 2024، استيقظ المصريون على خبر كانوا يتوقعونه ويخشونه في آن: البنك المركزي يُعلن تعويم الجنيه. في دقائق، قفز سعر الدولار من 30.8 جنيهًا إلى ما يتجاوز 50 جنيهًا في السوق الرسمية. أم أحمد، موظفة حكومية في وزارة التربية بمرتب 6,000 جنيه شهريًا، وقفت في السوبرماركت تُحدّق في الأسعار الجديدة وتحاول أن تفهم كيف أصبح راتبها ، الذي كان يُساوي 375 دولارًا في مطلع 2022 ، لا يتجاوز 120 دولارًا. لم يُخفَّض راتبها رسميًا ولم تُطرد من عملها، لكن قوتها الشرائية تبخّرت بنسبة 68% في أقل من عامين دون أن يتحمل أحد المسؤولية. الجاني ليس مديرها ولا وزيرها ، الجاني ورقة خضراء تُطبع في واشنطن على بُعد عشرة آلاف كيلومتر، في قرارات يتخذها مسؤولون لا يعرفون اسمها ولا يهتمون بفاتورة بقالتها.

هذا المشهد ، مواطن عربي يُسحق بين مطرقة الدولار الصاعد وسندان العملة المحلية المنهارة ، يتكرر بتنويعات مختلفة من القاهرة إلى الخرطوم ومن تونس إلى بيروت. لكن القصة الكاملة أعقد من مجرد "الدولار يصعد والعرب يتألمون". ثمة مفارقة يتجاهلها المنتقدون: ربط عملات الخليج بالدولار ، رغم كل قيوده ، يمنح هذه الاقتصادات استقرارًا ومصداقية دولية لا يمكن الاستهانة بهما. الضحايا الحقيقيون ليسوا دول الخليج التي تملك عائدات نفطية دولارية تمتص صدمة الربط، بل الاقتصادات العربية غير النفطية التي تستورد بالدولار وتُصدّر بالقليل وتدفع الثمن كاملًا دون أن تجني أي فائدة من النظام الذي يسحقها.

في مؤتمر بريتون وودز عام 1944، رُسم النظام النقدي الذي يحكم العالم العربي إلى اليوم ، ولم تكن هناك دولة عربية واحدة بين الحاضرين. لحظة غياب واحدة حددت مصير أجيال
نظام البترودولار

نظام نقدي غير رسمي نشأ في السبعينيات بموجب اتفاق بين واشنطن والرياض يقضي بتسعير النفط حصريًا بالدولار الأمريكي. يُعزز هذا النظام الطلب العالمي على الدولار ويمنح الولايات المتحدة "امتيازًا باهظًا" يُمكّنها من طباعة العملة التي يحتاجها العالم لشراء الطاقة.

ذلك اليوم في بريتون وودز: حين صاغوا مصيرنا بدوننا

في يوليو 1944، اجتمع مندوبون من 44 دولة في فندق ماونت واشنطن بمنتجع بريتون وودز في ولاية نيوهامبشير الأمريكية ليصوغوا نظامًا نقديًا جديدًا لعالم ما بعد الحرب. الجنيه الإسترليني كان يلفظ أنفاسه الأخيرة كعملة احتياط عالمية، وبريطانيا المُنهكة من حربين عالميتين لم تعد تستطيع حمل عبء النظام المالي العالمي. في تلك الغرف المُكيّفة، تقرر أن يكون الدولار الأمريكي ، المربوط بالذهب عند 35 دولارًا للأونصة ، العملة المرجعية التي تُربط بها جميع العملات الأخرى. لم تكن هناك دولة عربية واحدة بين الحاضرين. سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي. مصر والعراق والأردن تحت الهيمنة البريطانية. ليبيا تحت الاحتلال الإيطالي ثم البريطاني. دول الخليج مشيخات صغيرة لم يعترف بها المجتمع الدولي بعد. الجزائر جزء من فرنسا رسميًا. تونس والمغرب تحت الحماية الفرنسية. هكذا وُلد العالم العربي الحديث في نظام نقدي صُمّم في غيابه التام، ولا يزال يعيش في ظلّه إلى هذه اللحظة.

حين فكّ نيكسون ارتباط الدولار بالذهب عام 1971 ، في قرار أحادي لم يستشر فيه أحدًا ، تحوّل الدولار من عملة مدعومة بمعدن ثمين إلى عملة مدعومة بالثقة في الاقتصاد الأمريكي وبقوة الجيش الأمريكي وبأن النفط ، شريان الاقتصاد العالمي ، يُسعَّر بالدولار حصريًا. هذا "البترودولار" أصبح القيد الذهبي الذي يربط الاقتصادات العربية بالإرادة النقدية الأمريكية: كل برميل نفط يُباع في العالم يُعزّز الطلب على الدولار ويُعمّق هيمنته، وكل قرار يتخذه الاحتياطي الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة يُرسل موجات ارتدادية تصل إلى كل سوق ومتجر ومحفظة في العالم العربي.

  • يوليو 1944مؤتمر بريتون وودز ، 44 دولة تُرسي نظامًا نقديًا يُتوّج الدولار عملة احتياط عالمية
  • أغسطس 1971نيكسون يفك ارتباط الدولار بالذهب ، ولادة نظام العملات العائمة
  • 1974اتفاق البترودولار السعودي-الأمريكي ، النفط يُسعَّر حصريًا بالدولار
  • مارس 2024مصر تُعوّم الجنيه ، الدولار يقفز من 30.8 إلى أكثر من 50 جنيهًا

المفارقة الخليجية: سجن ذهبي بأقفال مُريحة

حين قررت دول الخليج ربط عملاتها بالدولار ، الريال السعودي عند 3.75 والدرهم الإماراتي عند 3.67 ، كانت المعادلة منطقية ومُغرية: النفط يُسعَّر بالدولار، والعائدات تأتي بالدولار، وربط العملة يُلغي مخاطر سعر الصرف ويمنح المستثمرين استقرارًا يجذب رؤوس الأموال. والحقيقة التي يتجاهلها المنتقدون هي أن هذا الربط يعمل لصالح دول الخليج أكثر مما يعمل ضدها ، في معظم الأوقات. حين يرتفع الدولار، ترتفع القيمة الاسمية لعائدات النفط الخليجية تلقائيًا لأن النفط مُسعَّر بالعملة ذاتها. حين يخفض الفيدرالي الفائدة، تستفيد الاقتصادات الخليجية من تمويل أرخص لمشاريعها الضخمة. والاستقرار في سعر الصرف يُسهّل التخطيط الاقتصادي طويل الأمد ، رؤية 2030 السعودية لا يمكن تنفيذها في بيئة تتقلب فيها العملة بنسبة 20% كل عام.

لكن الثمن حقيقي وإن كان مُحتملًا: حين رفع الفيدرالي الفائدة إلى نطاق 5.25-5.50% بين 2022 و2024 لمكافحة التضخم الأمريكي، اضطرت البنوك المركزية الخليجية للحاق به خطوة بخطوة، حتى لو كانت اقتصاداتها تحتاج فائدة أقل لتمويل مشاريع التنويع الاقتصادي. هذا التنازل عن استقلالية السياسة النقدية ثمن باهظ نظريًا، لكن دول الخليج تستطيع تعويضه عبر السياسة المالية ، الإنفاق الحكومي المباشر والصناديق السيادية والحوافز الاقتصادية. بمعنى آخر: ما تخسره في المرونة النقدية تُعوّضه بالقوة المالية. هذا الترف لا تملكه مصر أو تونس أو الأردن.

أوراق نقدية عربية متنوعة مبعثرة تعكس تعدد العملات في المنطقة

الانهيارات: مشاهد من الضفة الأخرى للدولار

إذا كان ربط الدولار سجنًا ذهبيًا لدول الخليج، فإنه كابوس وجودي للاقتصادات العربية غير النفطية. الجنيه المصري يروي القصة بأرقام لا تحتمل التجميل: في يناير 2022 كان الدولار يُساوي 16 جنيهًا. في مارس 2022 قفز إلى 18-19. في أكتوبر 2022 إلى 24.17. في يناير 2023 إلى 30.8. وفي مارس 2024 تجاوز 50 جنيهًا. انهيار بنسبة تتجاوز 200% في عامين. المواطن المصري الذي كان راتبه يُساوي 1,000 دولار أصبح يُساوي أقل من 330 دولارًا ، دون أن يتغير رقم واحد في كشف راتبه. التضخم بلغ 33.3% في 2024، يلتهم ما تبقى من القدرة الشرائية لطبقة وسطى كانت تمثل العمود الفقري للمجتمع المصري.

صندوق النقد الدولي وسّع حزمة إنقاذ مصر من 3 مليارات إلى 8 مليارات دولار في مارس 2024 ، لكن الثمن كان التعويم الكامل وتقليص الدعم. برنامج تكافل وكرامة يُغطي أكثر من 5 ملايين أسرة بتحويلات نقدية مباشرة ، شبكة أمان تمنع السقوط الكامل لكنها لا تمنع التراجع المؤلم في مستوى المعيشة. في السودان، الصورة أشد قتامة: سعر الصرف الرسمي 1,885 جنيهًا للدولار في يوليو 2024، لكن السوق الموازية تتداول عند 2,550 جنيهًا أو أكثر. التضخم بلغ 136.67% في النصف الأول من 2024 وقُدِّر بـ200.1% للعام كاملًا. عملة فقدت كل وظيفة اقتصادية ، لا تخزين للقيمة ولا وسيط تبادل موثوق ، في بلد تمزّقه الحرب الأهلية.

تونس اختارت طريقًا ثالثًا: رفضت حزمة صندوق النقد الدولي البالغة 1.9 مليار دولار ، التي كانت تشترط إصلاحات مؤلمة ، وقررت "الصمود" بمفردها. النتيجة دينار مُقوَّم بأعلى من قيمته الحقيقية بنحو 40%، ودعم طاقة يبتلع 5.3% من الناتج المحلي الإجمالي، واحتياطيات تتآكل، وطبقة وسطى تهاجر بصمت. تونس لم تنهر مثل السودان ولم تقبل وصفة الصندوق مثل مصر ، اختارت الموت البطيء على الجراحة المؤلمة، وكلا الخيارين قاسٍ.

دول الخليج: الربط بالدولار

استقرار سعر الصرف يجذب الاستثمار ، عائدات نفطية دولارية تمتص الصدمات ، تنازل عن السياسة النقدية المستقلة ، قدرة على التعويض بالسياسة المالية

الاقتصادات غير النفطية

الجنيه المصري فقد أكثر من 200% ، الدينار السوداني فقد كل معنى اقتصادي ، تضخم يلتهم القدرة الشرائية ، لا عائدات دولارية كافية لامتصاص الصدمات

التجارة العربية البينية: المفتاح المنسي في درج مقفل

بينما تتنافس العواصم العربية على جذب الدولارات من الخارج، يتجاهلون أداة أقرب وأبسط: تعزيز التجارة فيما بينهم وتسويتها بالعملات المحلية. التجارة البينية العربية لا تتجاوز 12-14% من إجمالي التجارة الخارجية للمنطقة ، مقارنة بـ60% للاتحاد الأوروبي و50% لدول شرق آسيا. هذا الرقم الهزيل يعني أن الدول العربية تتاجر مع العالم أضعاف ما تتاجر مع بعضها، وأن كل هذه التجارة تُسعَّر وتُسوّى بالدولار. لماذا تدفع مصر للسعودية بالدولار ثمن شحنة بتروكيماويات بينما يمكن التسوية بالريال أو الجنيه؟ لماذا يُسعَّر الألمنيوم الإماراتي المُصدَّر إلى المغرب بعملة أمريكية؟

الإجابة في غياب البنية التحتية المالية المشتركة: لا غرفة مقاصة عربية فعّالة، ولا سوق سندات إقليمية، ولا منظومة مدفوعات تُتيح التسوية بالعملات المحلية. منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، المُعلنة منذ 2005، لا تزال حبرًا على ورق في معظم بنودها. كل دولار يتحرك صعودًا في الأسواق العالمية يُحدث ارتجاجًا في الاقتصادات العربية لأنها لم تبنِ الأسوار التي تحميها ، ليس أسوار الحماية التجارية بل أسوار التكامل الإقليمي الذي يُقلل الحاجة إلى العملة الأجنبية في التعاملات البينية. لو ارتفعت التجارة العربية البينية إلى 30% فقط من إجمالي التجارة ، نصف النسبة الأوروبية ، لانخفض تعرّض المنطقة لتقلبات الدولار بشكل ملموس ودون الحاجة إلى أي ثورة نقدية عالمية.

IMF ، تقرير آفاق الاقتصاد الإقليمي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا، 2024
سوق صرافة عربي مزدحم بلافتات أسعار العملات المتغيرة أوراق نقدية من عملات عربية متعددة مع رموز مصرفية
التجارة البينية العربية

حجم التبادل التجاري بين الدول العربية فيما بينها، والذي لا يتجاوز 12-14% من إجمالي التجارة الخارجية العربية ، مقارنة بـ60% في الاتحاد الأوروبي ، مما يعني اعتمادًا مفرطًا على الدولار في تسوية المعاملات التجارية الإقليمية.

اليوان والحلم البديل: لماذا البديل ليس جاهزًا

في خضمّ السخط المتنامي من هيمنة الدولار، يُطلّ اليوان الصيني كمنافس محتمل. لكن الأرقام الصلبة تكشف حجم الفجوة: حصة الدولار من الاحتياطيات العالمية تبلغ نحو 59% في 2024 ، انخفاضًا من 85% في السبعينيات، لكنها لا تزال مهيمنة بشكل ساحق. حصة اليوان؟ 2.7% فقط. هذه الفجوة لن تُردم في عقد أو عقدين. اليوان ليس عملة قابلة للتحويل الحر ، بكين تتحكم في تدفقاته الرأسمالية بقبضة حديدية ، ولا يتمتع بالعمق السوقي الذي يسمح للحكومات والمستثمرين بالاحتفاظ به كاحتياطي آمن. التحول من الدولار إلى اليوان يشبه الانتقال من سجن معروف إلى سجن مجهول ، والسجين العاقل لا يفعل ذلك إلا إذا كان متأكدًا أن السجن الجديد أفضل.

اتفاقيات مبادلة العملات بين الصين ودول عربية ، السعودية والإمارات ومصر ، تتزايد، والحديث عن تسعير بعض صفقات النفط باليوان لم يعد محصورًا في دوائر المتمردين الاقتصاديين. لكن هذه خطوات رمزية أكثر منها تحوّلية. حتى الدول التي تُسعّر بعض صفقاتها باليوان تحتفظ باحتياطياتها الاستراتيجية بالدولار ، لأن الدولار هو ما تقبله الأسواق العالمية حين تحتاج شراء قمح أو دواء أو سلاح في وقت الأزمة. والعملات الرقمية للبنوك المركزية ، مشروع "إم بريدج" الذي تشارك فيه الإمارات والصين ، واعدة نظريًا لكنها لا تزال في مراحل تجريبية لا تُقدّم بديلًا حقيقيًا عن النظام القائم.

الطريق الطويل: ما الذي يمكن فعله فعلًا؟

التحرر من جبروت الدولار ليس قرارًا يُتخذ في قمة ويُنفَّذ في اليوم التالي ، إنه مسار جيلي يتطلب بناء اقتصادات إنتاجية تُصدّر أكثر مما تستورد، لأن العملة القوية انعكاس لاقتصاد قوي لا العكس. يتطلب تعميق الأسواق المالية العربية لتستوعب رؤوس الأموال التي تبحث عن ملاذ. يتطلب بناء مؤسسات نقدية ذات مصداقية واستقلالية. وقبل كل ذلك يتطلب ما هو أبسط وأصعب في آن: أن تتاجر الدول العربية مع بعضها بنسبة تليق بجوارها الجغرافي وعمقها التاريخي وحجم اقتصاداتها المجتمعة الذي يتجاوز 3.5 تريليون دولار.

التاريخ يُعلّمنا أن كل عرش نقدي ، من الدراخمة اليونانية إلى الدينار الإسلامي الذي هيمن على التجارة الدولية ثمانية قرون إلى الجنيه الإسترليني ، كان يبدو أبديًا حتى لحظة سقوطه. الدولار لن يسقط غدًا ولا بعد غد، لكنه لم يعد المُطلق الذي كان. وفي هذا الفضاء الضيق بين هيمنة متراجعة وبديل لم يتشكل بعد، يكمن هامش المناورة العربي ، هامش صغير لكنه حقيقي، يتطلب حكمة لا ثورة، وصبرًا لا شعارات. أم أحمد في السوبرماركت المصري لا تملك ترف انتظار النظام النقدي البديل ، هي تحتاج أن تُطعم أطفالها الليلة بعملة تتآكل كل يوم. بين الاستراتيجية الكبرى والحاجة اليومية يقع الاختبار الحقيقي لكل نظام اقتصادي، وهو اختبار يرسب فيه العالم العربي ، بمعظمه ، رسوبًا مؤلمًا.

حسام بعكة

حسام بعكة

كاتب ومحلل اقتصادي متخصص في شؤون الشرق الأوسط والاقتصاد العالمي. يقدم تحليلات معمّقة تربط بين الجيوسياسة والأسواق والتحولات الاقتصادية الكبرى.

المزيد عن الكاتب

مقالات ذات صلة