H.Bاقتصاد الشرق
لبنان: دروس من أسوأ أزمة تضخم في التاريخ العربي الحديث
التضخم والأسعار

لبنان: دروس من أسوأ أزمة تضخم في التاريخ العربي الحديث

حسام بعكة

حسام بعكة

١٥ يناير ٢٠٢٦ · 10 دقائق

خسرت الليرة اللبنانية 98% من قيمتها، وتحوّل بلد كان يُلقَّب بسويسرا الشرق إلى نموذج عالمي للانهيار الاقتصادي.

في بيروت، المدينة التي كانت تُلقَّب بـ"باريس الشرق" وسويسرا العالم العربي، يقف اللبناني اليوم في طابور أمام محطة الوقود ساعات طوال، ثم ينتقل إلى طابور الخبز، ثم يعود إلى بيت بلا كهرباء ليحصي ما تبقى في جيبه من أوراق نقدية باتت أخف من ورق المناديل قيمةً. هذا ليس مشهدًا من فيلم ديستوبي عن نهاية العالم، بل هو الحياة اليومية في لبنان منذ أن انفجرت الأزمة المالية في أكتوبر 2019 وكشفت عن واحدة من أسوأ حالات الانهيار الاقتصادي في التاريخ الحديث، ليس فقط في العالم العربي، بل على مستوى العالم بأسره. فالليرة اللبنانية التي ظلت مثبّتة عند ألف وخمسمئة للدولار لأكثر من عقدين، في ما بدا آنذاك رمزًا للاستقرار والنجاح، انهارت إلى ما يتجاوز مئة وأربعين ألف ليرة للدولار الواحد، أي أنها فقدت أكثر من تسعة وتسعين بالمئة من قيمتها، في مشهد يذكّر بجمهورية فايمار الألمانية في عشرينيات القرن الماضي أو زيمبابوي في العقد الأول من الألفية الثالثة.

لكن ما يجعل الأزمة اللبنانية فريدة وأكثر إيلامًا من سابقاتها هو أنها لم تنتج عن حرب أو حصار أو كارثة طبيعية، بل عن عقود من الفساد المنظّم والهندسة المالية الاحتيالية والطائفية السياسية التي حوّلت البلد بأكمله إلى ما يشبه مخطط بونزي عملاق، يعمل ما دامت الأموال تتدفق إلى الداخل، وينهار حين يتوقف التدفق. وقد وصف البنك الدولي الأزمة اللبنانية بأنها واحدة من أسوأ ثلاث أزمات اقتصادية شهدها العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر، وهو تصنيف يضعها في مرتبة الكوارث التاريخية الكبرى التي غيّرت مسار أمم بأكملها. والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح على كل اقتصادي ومحلل ومسؤول عربي: ما الدروس التي يمكن استخلاصها من هذه الكارثة حتى لا تتكرر في بلدان عربية أخرى تحمل بعض بذور الأزمة ذاتها؟

مبانٍ متهالكة في بيروت

هندسة الوهم: كيف بنى حاكم مصرف لبنان قلعة من رمال

لا يمكن فهم الانهيار اللبناني دون فهم الدور المحوري الذي لعبه مصرف لبنان المركزي وحاكمه رياض سلامة الذي تربّع على عرش السياسة النقدية لثلاثين عامًا متواصلة. فقد ابتكر سلامة ما أسماه "الهندسات المالية"، وهي في جوهرها عمليات معقدة كان مصرف لبنان يدفع بموجبها فوائد خيالية للمصارف التجارية مقابل إيداعاتها بالدولار، تصل أحيانًا إلى خمسة عشر أو عشرين بالمئة سنويًا في وقت كانت فيه الفوائد العالمية قريبة من الصفر. وكانت المصارف بدورها تجذب الودائع من اللبنانيين والمغتربين بفوائد مغرية تتراوح بين ثمانية واثني عشر بالمئة، في حلقة مفرغة تشبه إلى حد مذهل مخطط بونزي الكلاسيكي: أموال المودعين الجدد تُستخدم لدفع فوائد المودعين القدامى، دون أن تكون هناك أصول إنتاجية حقيقية تولّد هذه العوائد الاستثنائية.

وقد نجح هذا النموذج، أو بدا أنه ناجح، لسنوات طويلة، لأن تدفق الدولارات من المغتربين اللبنانيين المنتشرين في أنحاء العالم كان يُغذّي المنظومة بسيولة كافية لتغطية الالتزامات. فالمغتربون اللبنانيون، الذين يُقدّر عددهم بعدة أضعاف سكان لبنان المقيمين، كانوا يُرسلون ما يتراوح بين سبعة وثمانية مليارات دولار سنويًا من التحويلات، معظمها يذهب إلى ودائع مصرفية مغرية بفوائدها. وكان مصرف لبنان يستخدم هذه الدولارات لدعم سعر صرف الليرة عند ألف وخمسمئة للدولار، مما خلق وهمًا بالاستقرار النقدي أخفى وراءه هاوية سحيقة من العجز والديون المتراكمة. فالدين العام بلغ مئة وخمسة وسبعين بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، أحد أعلى المعدلات في العالم، وعجز الميزان التجاري كان يتجاوز خمسة عشر مليار دولار سنويًا في بلد لا يصدّر تقريبًا شيئًا ذا قيمة سوى البشر والخدمات المصرفية المشبوهة.

لحظة الانكشاف: حين توقفت الموسيقى فجأة

بدأت الشقوق تظهر في الجدار في صيف 2019، حين تراجعت تدفقات الدولار وبدأت المصارف تفرض قيودًا غير رسمية على سحب العملة الصعبة. ثم جاءت شرارة انتفاضة 17 أكتوبر 2019، التي اندلعت بسبب ضريبة على مكالمات واتساب بقيمة ستة دولارات شهريًا، في سخرية مريرة للتاريخ، لتكشف الغطاء عن كل ما كان مخفيًا: بنوك عاجزة عن ردّ ودائع عملائها، وبنك مركزي خسر معظم احتياطياته، ودولة مفلسة تعجز عن دفع رواتب موظفيها. وبين ليلة وضحاها، وجد ملايين اللبنانيين أن مدخراتهم التي أودعوها في البنوك بالدولار، والتي كانوا يعتقدون أنها مصانة ومضمونة، أصبحت حبيسة شاشات الكمبيوتر لا يمكن سحبها أو تحويلها. وقد قُدّرت الودائع المحتجزة بنحو مئة مليار دولار، وهو مبلغ يفوق الناتج المحلي الإجمالي للبلاد عدة مرات، مما يجعلها أكبر عملية مصادرة غير رسمية للمدخرات في التاريخ المالي الحديث.

ثم جاء انفجار مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس 2020، الذي أودى بأكثر من مئتي شخص ودمّر أحياء بأكملها، ليضرب المسمار الأخير في نعش ما تبقى من أمل. فالانفجار لم يكن كارثة منفصلة، بل كان تجسيدًا مادّيًا صارخًا لعقود من الإهمال والفساد وغياب المساءلة: ألفان وسبعمئة طن من نترات الأمونيوم مُخزَّنة في قلب العاصمة لست سنوات دون أي إجراءات سلامة، لأن كل مسؤول أحال الملف إلى غيره في دوّامة من التنصّل من المسؤولية هي السمة الأبرز للنظام الطائفي اللبناني. وحتى اليوم، لم يُحاسَب أحد على الانفجار، تمامًا كما لم يُحاسَب أحد على سرقة مدخرات الناس أو تدمير الاقتصاد أو تجويع شعب بأكمله، لأن المنظومة الطائفية مصمَّمة بعناية لتمنع أي مساءلة حقيقية.

أوراق نقدية لبنانية مكدسة

المجتمع المسحوق: أرقام تنبض بالألم

وراء الأرقام الاقتصادية المجردة يقبع واقع إنساني مروّع. فقد ارتفعت نسبة الفقر في لبنان من نحو ثمانية وعشرين بالمئة عام 2019 إلى أكثر من ثمانين بالمئة عام 2023، أي أن أربعة من كل خمسة لبنانيين أصبحوا فقراء أو معرّضين للفقر. وقد تبخّرت الطبقة الوسطى اللبنانية، التي كانت الأكثر حيوية وتعليمًا وانفتاحًا في العالم العربي، في غضون أشهر معدودة، حين اكتشف الأطباء والمهندسون والأساتذة الجامعيون أن رواتبهم بالليرة أصبحت لا تساوي بضعة دولارات شهريًا. فالأستاذ الجامعي الذي كان يتقاضى أربعة ملايين ليرة شهريًا، أي ما يعادل ألفين وسبعمئة دولار بالسعر القديم، أصبح راتبه لا يتجاوز ثلاثين دولارًا بسعر السوق، وهو مبلغ لا يكفي لشراء احتياجات أسبوع واحد من البقالة.

وقد أدّى هذا الانهيار إلى نزيف بشري غير مسبوق، إذ هاجر مئات الآلاف من اللبنانيين، معظمهم من الشباب المتعلّم وأصحاب المهارات، بحثًا عن حياة كريمة في الخارج. وتشير التقديرات إلى أن نحو مئة ألف مهني لبناني غادروا البلاد في السنوات الأربع الأخيرة وحدها، بما في ذلك نحو أربعين بالمئة من الأطباء وثلث الممرضين وعشرات المئات من المهندسين والمحامين والمحاسبين. وقد ترك هذا النزيف آثارًا كارثية على القطاع الصحي والتعليمي والخدمي، فالمستشفيات تعمل بنصف طاقتها لنقص الكوادر، والمدارس الحكومية تكافح للعثور على معلمين مؤهلين، والجامعة اللبنانية، التي كانت يومًا مفخرة التعليم العام العربي، تنزف أساتذتها واحدًا تلو الآخر. إن ما يجري في لبنان ليس مجرد أزمة اقتصادية، إنه تفريغ منهجي لبلد بأكمله من قدراته البشرية والمؤسسية، وهي عملية قد يحتاج عكسها إلى عقود.

المرآة المحطّمة: دروس لبنان للعالم العربي

الدرس الأول والأهم من الأزمة اللبنانية هو أن تثبيت سعر الصرف بشكل مصطنع، مهما بدا مريحًا على المدى القصير، هو قنبلة موقوتة تنفجر حتمًا حين تنفد الاحتياطيات. وهذا الدرس يجب أن يقلق عددًا من الدول العربية التي تربط عملاتها بالدولار دون أن تمتلك دائمًا الاحتياطيات الكافية لدعم هذا الربط في أوقات الأزمات. والدرس الثاني هو أن القطاع المصرفي، مهما بدا قويًا ومزدهرًا، يمكن أن يتحوّل بين ليلة وضحاها من ركيزة للاقتصاد إلى أداة لتدميره، حين يعمل دون رقابة حقيقية ويتحوّل إلى أداة لتمويل عجز الدولة بدلًا من تمويل الاقتصاد الإنتاجي. والدرس الثالث، وربما الأخطر، هو أن الطائفية السياسية والمحاصصة في إدارة الدولة ليست مجرد مشكلة سياسية أو أخلاقية، بل هي كارثة اقتصادية تمنع أي إصلاح حقيقي وتحوّل مؤسسات الدولة إلى إقطاعيات خاصة يتقاسمها أمراء الطوائف.

وهناك دول عربية تحمل في بنيتها بعض بذور الأزمة اللبنانية، وإن بدرجات متفاوتة. فالعراق يعاني من طائفية مؤسسية وفساد مستشرٍ واعتماد شبه كامل على النفط. والأردن يعاني من مديونية مرتفعة وسعر صرف مثبّت يستنزف الاحتياطيات. وتونس تمر بأزمة مالية حادة وعجز متزايد عن خدمة ديونها. وحتى بعض دول الخليج، رغم ضخامة احتياطياتها، ليست بمنأى عن المخاطر إذا استمرت أسعار النفط في التراجع ولم تنجح خطط التنويع. إن لبنان ليس استثناءً في العالم العربي، بل هو الحالة الأكثر تطرّفًا لمرض يصيب كثيرًا من اقتصادات المنطقة: الاعتماد على مصادر دخل هشّة، وغياب الإنتاج الحقيقي، وتسخير الدولة لخدمة النخب بدلًا من المجتمع.

مبنى البنك المركزي اللبناني

الطريق الطويل: هل يمكن للبنان أن يقوم من رماده؟

بعد أكثر من خمس سنوات على بداية الأزمة، لا يزال لبنان بلا خطة تعافٍ وبلا إصلاحات حقيقية وبلا حكومة قادرة على اتخاذ القرارات الصعبة اللازمة. فصندوق النقد الدولي وضع خارطة طريق للتعافي تتضمن إعادة هيكلة القطاع المصرفي وتوحيد أسعار الصرف وإصلاح قطاع الكهرباء ومكافحة الفساد، لكن الطبقة السياسية الحاكمة ترفض تنفيذ هذه الإصلاحات لأنها تمسّ مصالحها مباشرة. فإعادة هيكلة البنوك تعني محاسبة أصحابها الذين هم أنفسهم، أو حلفاؤهم، من الزعماء السياسيين. وإصلاح الكهرباء يعني المساس بشبكات مولّدات الديزل التي يمتلكها أمراء الحرب السابقون وتدرّ عليهم مئات الملايين سنويًا. ومكافحة الفساد تعني محاسبة المنظومة بأكملها، وهو ما لن تقبل به المنظومة بأكملها. إنها حلقة مفرغة من العجز المؤسسي تجعل التعافي مستحيلًا ما لم يحدث تغيير جذري في بنية السلطة ذاتها.

ومع ذلك، ثمة بصيص أمل في صمود المجتمع اللبناني وقدرته المذهلة على التكيّف. فقد ابتكر اللبنانيون اقتصادًا موازيًا يعمل بالنقد وبالدولار خارج المنظومة المصرفية المنهارة، ونشطت المبادرات المجتمعية والمنظمات غير الحكومية لسدّ الفراغ الذي تركته الدولة الغائبة، وبدأت بعض القطاعات، كتكنولوجيا المعلومات والخدمات الرقمية، بالتعافي مستفيدة من انخفاض التكاليف بالدولار. لكن هذا التكيّف، على أهميته، ليس بديلًا عن الإصلاح المؤسسي والسياسي الذي وحده يمكن أن يُعيد لبنان إلى مسار التعافي الحقيقي. والحقيقة المرّة التي يجب أن يواجهها كل لبناني وكل عربي يتابع هذه المأساة هي أن الدول لا تنهار بسبب عدو خارجي فحسب، بل تنهار حين يصبح الفساد هو النظام والطائفية هي الدستور والنهب هو السياسة الاقتصادية.

ظلال بيروت على المنطقة: نبوءة أم تحذير؟

إن ما حدث في لبنان ليس حالة معزولة يمكن احتواؤها خلف حدوده الجغرافية الضيقة، بل هو تحذير صاعق لكل دولة عربية، ولكل دولة في العالم النامي، من عواقب تجاهل الإصلاح حتى فوات الأوان. فالأزمة اللبنانية أثبتت أن بلدًا يمتلك نظامًا مصرفيًا متطورًا وقطاعًا خاصًا ديناميكيًا وطبقة وسطى متعلمة ومغتربين أثرياء يمكن أن ينزلق إلى هاوية الانهيار في غضون أسابيع إذا كانت أسس النظام السياسي والاقتصادي فاسدة. والدول العربية التي تعيش اليوم على مزيج من الديون والتحويلات والمساعدات الخارجية، دون بناء اقتصاد إنتاجي حقيقي ومؤسسات رقابية فعّالة وحوكمة رشيدة، تلعب اللعبة ذاتها التي لعبها لبنان لعقود، وقد تصل إلى النتيجة ذاتها ما لم تستيقظ في الوقت المناسب.

لبنان لم يكن يومًا مجرد بلد صغير على الساحل الشرقي للمتوسط، كان فكرة عن إمكانية التعايش والازدهار في منطقة ممزّقة بالحروب والانقسامات. وحين انهارت هذه الفكرة، لم ينهَر لبنان وحده، بل انهار معه جزء من الوعد العربي بمستقبل أفضل. والدرس الأخير الذي يقدّمه لبنان للعالم العربي بأسره هو أبسط الدروس وأقساها: لا يمكنك أن تأكل الوهم إلى الأبد.
حسام بعكة

حسام بعكة

كاتب ومحلل اقتصادي متخصص في شؤون الشرق الأوسط والاقتصاد العالمي. يقدم تحليلات معمّقة تربط بين الجيوسياسة والأسواق والتحولات الاقتصادية الكبرى.

المزيد عن الكاتب

مقالات ذات صلة