H.Bاقتصاد الشرق
ضريبة القيمة المضافة في الخليج: بين ضرورة التنويع وغلاء المعيشة
التضخم والأسعار

ضريبة القيمة المضافة في الخليج: بين ضرورة التنويع وغلاء المعيشة

حسام بعكة

حسام بعكة

١٨ يناير ٢٠٢٦ · 9 دقائق

فرض الضرائب في دول لطالما عُرفت بانعدام الأعباء الضريبية يُغيّر المعادلة الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة.

لعقود طويلة، كانت دول الخليج العربي تتباهى بأنها واحة ضريبية فريدة في عالم يرزح تحت ثقل الضرائب والرسوم والاقتطاعات. لم يكن المواطن الخليجي يعرف معنى "الإقرار الضريبي" أو "ضريبة الدخل" أو حتى "ضريبة المبيعات"، وكان هذا الغياب التام للضرائب جزءًا أصيلًا من الهوية الاقتصادية لدول مجلس التعاون، ميزة تنافسية تجذب الاستثمارات والكفاءات والشركات العالمية، وأداة سياسية تضمن رضا المواطنين وولاءهم في إطار عقد اجتماعي ضمني يقوم على مبادلة الحرية السياسية بالرفاهية الاقتصادية. ثم جاء يناير 2018 ليُعلن نهاية هذا العصر الذهبي بلا ضرائب، حين فرضت كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ضريبة القيمة المضافة بنسبة خمسة بالمئة، في خطوة بدت آنذاك رمزية ومتواضعة، لكنها كانت في حقيقتها بداية تحوّل هيكلي عميق في العلاقة بين الدولة الخليجية ومواطنيها ومقيميها.

لم يمضِ عامان على تطبيق الضريبة حتى فاجأت المملكة العربية السعودية الجميع بمضاعفة النسبة ثلاث مرات، من خمسة إلى خمسة عشر بالمئة، في يوليو 2020، في قرار اتُخذ في ذروة جائحة كوفيد-19 وانهيار أسعار النفط. كان القرار صادمًا ليس فقط في حجم الزيادة، بل في توقيتها: ففي الوقت الذي كانت فيه حكومات العالم تُقلّص الضرائب وتُطلق حزم تحفيز لمواجهة الركود الوبائي، كانت الرياض تسير في الاتجاه المعاكس تمامًا. وقد كشف هذا القرار عن حقيقة أراد كثيرون تجاهلها: أن النموذج الاقتصادي الخليجي القائم على النفط لم يعد مستدامًا، وأن التحوّل نحو التنويع ليس ترفًا مستقبليًا بل ضرورة وجودية عاجلة، حتى لو كان ثمنها كسر أحد أقدس المحرّمات الاقتصادية في المنطقة: فرض الضرائب على المواطنين والمقيمين.

أفق مدينة دبي الحديثة

نهاية عصر الوفرة: حين يتحوّل النفط من نعمة إلى لعنة

لفهم السياق الذي ظهرت فيه ضريبة القيمة المضافة في الخليج، يجب العودة إلى انهيار أسعار النفط في منتصف 2014، حين هبط سعر البرميل من مئة وخمسة عشر دولارًا إلى ما دون الثلاثين دولارًا في أقل من عامين. كان هذا الانهيار كاشفًا لهشاشة اقتصادات بنت كل شيء على سلعة واحدة متقلبة: فالمملكة العربية السعودية سجّلت عجزًا في الموازنة بلغ تسعة وتسعين مليار دولار عام 2015، وهو رقم مذهل حتى لأكبر مصدّر للنفط في العالم، وبدأت تسحب من احتياطياتها الأجنبية بمعدل يزيد عن عشرة مليارات دولار شهريًا. وقد أدرك صانعو القرار في الرياض وأبوظبي أن الاستمرار في هذا المسار يعني استنزاف الاحتياطيات خلال سنوات معدودة، وأن البديل الوحيد هو خلق مصادر إيرادات جديدة لا تعتمد على تقلبات السوق النفطية.

وقد جاءت ضريبة القيمة المضافة في هذا السياق كأحد أعمدة استراتيجية التنويع الاقتصادي، إلى جانب رسوم على العمالة الوافدة ورسوم على التبغ والمشروبات الغازية وغيرها من الإجراءات الرامية إلى توسيع القاعدة الضريبية. وتُقدّر الإيرادات المتحققة من ضريبة القيمة المضافة في السعودية وحدها بنحو خمسة وخمسين مليار ريال سنويًا، أي ما يقارب خمسة عشر مليار دولار، وهو مبلغ يُشكّل نحو عشرة بالمئة من إجمالي إيرادات الموازنة. أما في الإمارات، فقد بلغت الإيرادات نحو سبعة وأربعين مليار درهم منذ تطبيق الضريبة، وهو مبلغ يتجاوز ما كان يتوقعه كثير من المحللين. لكن السؤال ليس عن حجم الإيرادات المتحققة، بل عن الأثر الذي أحدثته هذه الضريبة في نسيج الحياة اليومية لملايين المواطنين والمقيمين الذين اعتادوا لعقود على حياة بلا ضرائب.

الصدمة الأولى: كيف تكيّف المستهلك الخليجي مع واقع جديد

حين طُبّقت ضريبة القيمة المضافة بنسبة خمسة بالمئة في يناير 2018، كان الأثر المباشر محدودًا نسبيًا، ارتفاع بنسبة ثلاثة إلى خمسة بالمئة في تكلفة المعيشة وفقًا لمعظم التقديرات. لكن حين قفزت النسبة إلى خمسة عشر بالمئة في السعودية، تغيّر المشهد جذريًا. فالسلعة التي كانت تُباع بمئة ريال أصبحت تُباع بمئة وخمسة عشر ريالًا، وهو ارتفاع يشعر به المستهلك في كل عملية شراء يومية، من فنجان القهوة الصباحي إلى فاتورة المطعم إلى قسط السيارة. وقد أظهرت استطلاعات الرأي أن أكثر من ستين بالمئة من المقيمين في السعودية غيّروا عاداتهم الاستهلاكية بعد الزيادة، فتراجع الإنفاق على الكماليات والمطاعم والسفر، وازدادت المقارنة بين الأسعار والبحث عن العروض والتخفيضات، وهي سلوكيات لم تكن مألوفة في مجتمع اعتاد على الإنفاق بسخاء دون حساب.

والأكثر إثارة للاهتمام هو التباين في تأثير الضريبة بين الشرائح الاجتماعية المختلفة. فالمواطنون السعوديون والإماراتيون الذين يحصلون على رواتب حكومية مجزية وبدلات سكن وعلاوات يستطيعون استيعاب الزيادة نسبيًا، لكن المقيمين، وخاصة ذوي الدخل المتوسط والمنخفض من العمالة الآسيوية والعربية، وجدوا أن الضريبة تلتهم جزءًا معتبرًا من دخلهم المحدود أصلًا. وقد دفع هذا الواقع كثيرًا من العمالة الوافدة إلى مغادرة المنطقة بحثًا عن وجهات أقل تكلفة، وهو ما يفسّر تراجع عدد المقيمين في السعودية بنحو مليوني شخص خلال السنوات الخمس الماضية. كما أن بعض الشركات بدأت تعيد حساباتها بشأن جدوى التمركز في المنطقة، خاصة مع ارتفاع التكاليف التشغيلية الناتج عن الضريبة ورسوم العمالة ومتطلبات التوطين.

مركز تسوق في الخليج العربي

خمسة أم خمسة عشر: التنافس الخليجي في ظل الضريبة

أحد أبرز تداعيات التباين الضريبي بين دول الخليج هو ظهور ما يمكن تسميته "التنافس الضريبي"، وهو سباق ضمني لجذب الاستثمارات والشركات والكفاءات عبر تقديم بيئة ضريبية أكثر تنافسية. فالإمارات، التي أبقت نسبة ضريبة القيمة المضافة عند خمسة بالمئة بينما رفعتها السعودية إلى خمسة عشر بالمئة، باتت تتمتع بميزة تنافسية واضحة في استقطاب الشركات متعددة الجنسيات والرواد الرقميين والمهنيين ذوي المهارات العالية. وقد عزّزت أبوظبي ودبي هذه الميزة بإصلاحات إضافية مثل منح الإقامة الذهبية والتأشيرات طويلة الأمد والسماح بالملكية الأجنبية الكاملة، مما جعل الإمارات الوجهة المفضّلة للشركات والأفراد الباحثين عن بيئة أعمال مرنة ومنخفضة التكلفة في المنطقة.

في المقابل، تحاول السعودية التعويض عن ارتفاع الضريبة بمزايا أخرى: سوق محلية ضخمة تضم أكثر من خمسة وثلاثين مليون نسمة، ومشروعات عملاقة مثل نيوم ومشروع البحر الأحمر والقدية تستقطب استثمارات بمئات المليارات، وبرنامج إلزامي لنقل المقرات الإقليمية إلى الرياض يدفع الشركات العالمية إلى تأسيس حضور حقيقي في المملكة. لكن يبقى فارق الضريبة، عشر نقاط مئوية كاملة، عائقًا حقيقيًا أمام بعض القرارات الاستثمارية، خاصة للشركات الصغيرة والمتوسطة ورواد الأعمال الذين تمثّل الضريبة نسبة معتبرة من هوامش ربحهم الضئيلة أصلًا. وثمة تساؤل مشروع: هل ستُضطر السعودية في نهاية المطاف إلى تخفيض النسبة لتظل قادرة على المنافسة، أم أن حجم السوق والفرص المتاحة سيعوّضان عن العبء الضريبي الإضافي؟

ما وراء القيمة المضافة: هل تقترب ضريبة الدخل؟

الخشية التي لا يُفصح عنها كثيرون في الخليج هي أن ضريبة القيمة المضافة ليست سوى البداية، خطوة أولى في مسار طويل سيقود حتمًا إلى ضريبة الدخل الشخصي، وهي المحرّمة الكبرى التي لم تجرؤ أي دولة خليجية على الاقتراب منها حتى الآن. وتستند هذه الخشية إلى سوابق تاريخية: فمعظم الدول التي بدأت بضريبة القيمة المضافة انتهت إلى فرض ضريبة دخل تدريجية، لأن ضريبة القيمة المضافة وحدها لا تكفي لسد العجز المالي على المدى الطويل. وقد فرضت الإمارات بالفعل ضريبة على أرباح الشركات بنسبة تسعة بالمئة اعتبارًا من يونيو 2023، وهي خطوة كانت غير متصوّرة قبل سنوات قليلة وتُشير إلى أن منطقة الخليج تسير بخطى ثابتة نحو بناء منظومة ضريبية متكاملة.

لكن فرض ضريبة الدخل في الخليج ليس مسألة اقتصادية فحسب، بل هو تحوّل سياسي عميق. ففي الدول الديمقراطية، ترتبط الضرائب تاريخيًا بالتمثيل السياسي، "لا ضريبة بلا تمثيل" كان شعار الثورة الأمريكية، وفرض ضرائب على المواطنين الخليجيين قد يُطلق مطالب مشروعة بمزيد من المشاركة في صنع القرار والرقابة على الإنفاق العام والمساءلة الحكومية. وهذا ما يجعل صانعي القرار في الخليج يتحركون بحذر شديد في هذا الملف، مدركين أن كل خطوة ضريبية تحمل في طيّاتها بذور تحوّل سياسي قد يكون أعمق وأبعد مدى مما يتصوّره كثيرون. إن المنطقة تقف عند مفترق طرق تاريخي: بين نموذج اقتصادي قديم يتآكل ونموذج جديد لم تتضح معالمه بعد، والضريبة ليست سوى أحد تجلّيات هذا التحوّل الأعمق.

أبراج مالية في السعودية

الميزان الدقيق: بين التنويع والتنافسية

التحدي الحقيقي أمام دول الخليج ليس في فرض الضرائب ذاتها، فمعظم اقتصادات العالم المتقدم تعمل بمعدلات ضريبية أعلى بكثير، بل في إيجاد التوازن الصحيح بين تحقيق إيرادات كافية للتنويع الاقتصادي والحفاظ على الميزة التنافسية التي جعلت المنطقة وجهة عالمية للأعمال والاستثمار. فالخليج يتنافس ليس فقط مع بعضه البعض، بل مع سنغافورة وهونغ كونغ وأيرلندا وغيرها من المراكز المالية العالمية التي تجذب الشركات بمعدلات ضريبية منخفضة وبنية تحتية متطورة وبيئة أعمال شفافة. ولعل الدرس الأهم من تجربة السنوات الماضية هو أن الضرائب وحدها لا تصنع اقتصادًا ناجحًا ولا تُدمّر اقتصادًا قائمًا، بل إن ما يحسم الأمر هو كيفية إنفاق الإيرادات الضريبية وجودة الخدمات العامة والبنية المؤسسية والحوكمة والشفافية، وهي مجالات لا تزال دول الخليج بحاجة إلى قطع أشواط طويلة فيها.

إن ضريبة القيمة المضافة في الخليج ليست مجرد أداة مالية لسد عجز الموازنة، إنها الفصل الأول من قصة تحوّل تاريخي يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن، بين النفط والضريبة، بين الريع والإنتاج. والفصول القادمة ستكون أكثر إثارة، وأكثر إيلامًا.
حسام بعكة

حسام بعكة

كاتب ومحلل اقتصادي متخصص في شؤون الشرق الأوسط والاقتصاد العالمي. يقدم تحليلات معمّقة تربط بين الجيوسياسة والأسواق والتحولات الاقتصادية الكبرى.

المزيد عن الكاتب

مقالات ذات صلة