في عام 1869، حين افتُتحت قناة السويس أمام الملاحة الدولية بعد عشر سنوات من العمل الشاق الذي كلف حياة أكثر من مئة ألف عامل مصري، لم يكن أحد يتخيل أن هذا الممر المائي الذي يربط البحر المتوسط بالبحر الأحمر سيصبح يوماً أحد أهم الشرايين في جسد الاقتصاد العالمي، ممراً تعبره اثنتا عشرة بالمئة من التجارة العالمية وثلاثون بالمئة من حركة الحاويات الدولية. وقناة السويس التي أممها الرئيس جمال عبد الناصر في لحظة فارقة عام 1956، في تحدٍّ هز أركان الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية وأعاد رسم خريطة القوة في الشرق الأوسط، ظلت لعقود المصدر الأكثر ثباتاً وموثوقية للعملة الصعبة في الاقتصاد المصري. لكن اليوم، ولأول مرة منذ عقود، يهتز هذا الشريان اهتزازاً عنيفاً تحت وطأة أزمة لم تصنعها مصر ولا تملك أدوات حلها: اضطرابات البحر الأحمر التي دفعت شركات الشحن الكبرى إلى تحويل سفنها حول رأس الرجاء الصالح في أطول رحلة التفاف جغرافي منذ ما قبل حفر القناة، مما أدى إلى تراجع إيرادات القناة بأكثر من أربعين بالمئة، ضربة موجعة لاقتصاد يعاني أصلاً من أزمات متراكمة في العملة والديون والتضخم.
الجغرافيا تنتقم: حين يعود رأس الرجاء الصالح من التقاعد
القصة بدأت في نوفمبر 2023 حين بدأ الحوثيون في اليمن، المدعومون من إيران، بشن هجمات على السفن التجارية في مضيق باب المندب والبحر الأحمر، مبررين ذلك بدعم القضية الفلسطينية رداً على الحرب الإسرائيلية على غزة. وبصرف النظر عن الدوافع السياسية لهذه الهجمات، فهي تقع في تقاطع معقد بين الحرب بالوكالة الإيرانية السعودية والصراع العربي الإسرائيلي والتنافس الدولي على البحر الأحمر، فإن نتائجها الاقتصادية كانت كارثية وفورية. فشركات الشحن العملاقة مثل ميرسك وهاباغ لويد وإم إس سي وسي إم إيه اتخذت قراراً سريعاً بتحويل سفنها حول رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا، رحلة تضيف ما بين عشرة وأربعة عشر يوماً إلى زمن الشحن وتكاليف إضافية تتراوح بين خمسمئة ألف ومليون دولار لكل رحلة. وفي غضون أسابيع قليلة انخفض عدد السفن العابرة لقناة السويس بأكثر من أربعين بالمئة، من معدل يومي يقارب سبعين سفينة إلى أقل من أربعين في بعض الفترات.
والأرقام تكشف حجم النزيف، فإيرادات قناة السويس التي بلغت تسعة مليارات وأربعمئة مليون دولار في العام المالي 2022-2023، وهو رقم قياسي في تاريخ القناة، تراجعت بشكل حاد في النصف الثاني من العام المالي 2023-2024، وتشير التقديرات إلى أن الخسائر التراكمية قد تتجاوز أربعة مليارات دولار إذا استمرت الأزمة. وهذا المبلغ ليس مجرد رقم في ميزانية، فهو يمثل ما يعادل نصف احتياطيات مصر من القمح لعام كامل، أو ثلث خدمة الدين الخارجي السنوية، أو ضعف ما تحصل عليه مصر سنوياً من المنح الدولية. والقناة التي كانت تُعتبر مصدراً "آمناً" و"مستقراً" للدخل بالعملة الصعبة، على عكس السياحة المتقلبة وتحويلات العاملين المتذبذبة، أصبحت فجأة رهينة لحسابات جيوسياسية خارج سيطرة مصر تماماً.
أزمة العملة: الجنيه يغرق في بحر الديون
تراجع إيرادات القناة يأتي في أسوأ توقيت ممكن بالنسبة للاقتصاد المصري الذي يعاني من أزمة عملة خانقة. فالجنيه المصري فقد أكثر من سبعين بالمئة من قيمته منذ مارس 2022 حين بدأت الحكومة سلسلة من التعويمات المتتالية تحت ضغط صندوق النقد الدولي، من 15.7 جنيه للدولار إلى ما يقارب خمسين جنيهاً في السوق الرسمية وأكثر في السوق الموازية. وكل دولار تخسره القناة يعني ضغطاً إضافياً على الاحتياطي النقدي الأجنبي الذي يتآكل تحت وطأة مدفوعات الدين الخارجي الذي تجاوز مئة وخمسة وستين مليار دولار، أي ما يعادل أربعين بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي. والمعادلة قاسية وبسيطة: إيرادات أقل بالدولار تعني عجزاً أكبر في ميزان المدفوعات يعني ضغطاً أقوى على الجنيه يعني ارتفاعاً في أسعار الواردات، بما فيها الغذاء والوقود والدواء، يعني تضخماً أعلى يأكل القدرة الشرائية لعشرات الملايين من المصريين الذين يعيش ثلثهم تحت خط الفقر أصلاً.
والبعد الأكثر قلقاً هو أن تراجع إيرادات القناة يقوض أحد الركائز الأساسية لبرنامج الإصلاح الاقتصادي الذي تتبناه الحكومة المصرية بالتعاون مع صندوق النقد الدولي. فالصندوق وافق في مارس 2024 على زيادة قرض مصر إلى ثمانية مليارات دولار، وهو ما وفر متنفساً مؤقتاً، لكن البرنامج يفترض تحسناً تدريجياً في مصادر العملة الصعبة، وتراجع إيرادات القناة يهدد هذا الافتراض. كما أن صفقة رأس الحكمة مع الإمارات التي ضخت خمسة وثلاثين مليار دولار في الاقتصاد المصري، أكبر صفقة استثمار أجنبي مباشر في تاريخ مصر، وفرت وقتاً ثميناً لكنها لا تحل المشكلة البنيوية المتمثلة في عجز مزمن في الحساب الجاري يحتاج إلى تدفقات مستمرة من العملة الصعبة لتغطيته. والقناة التي كانت أحد أهم مصادر هذه التدفقات أصبحت جزءاً من المشكلة بدلاً من أن تكون جزءاً من الحل.
التوسعة التي جاءت في غير أوانها: حين يخون التوقيت الرؤية
من المفارقات المريرة أن أزمة القناة تأتي بعد سنوات قليلة من اكتمال مشروع "قناة السويس الجديدة" الذي افتتحه الرئيس عبد الفتاح السيسي في أغسطس 2015 بتكلفة بلغت ثمانية مليارات دولار وبتمويل شعبي من خلال شهادات استثمار اكتتب فيها ملايين المصريين. المشروع الذي أضاف مجرى ملاحياً موازياً بطول خمسة وثلاثين كيلومتراً كان يهدف إلى مضاعفة القدرة الاستيعابية للقناة وتقليص زمن العبور وجذب مزيد من حركة الملاحة الدولية. وبالفعل ارتفعت إيرادات القناة بشكل مطرد بعد التوسعة، من خمسة مليارات دولار في 2015 إلى أكثر من تسعة مليارات في 2023، مما بدا مبرراً للاستثمار الضخم. لكن الأزمة الحالية تكشف عن حقيقة غير مريحة: أن البنية التحتية مهما كانت متطورة لا تحمي من المخاطر الجيوسياسية، وأن قيمة القناة لا تكمن في عمقها وعرضها بل في أمن الممرات المائية المؤدية إليها، وهي ممرات لا تسيطر عليها مصر.
والسؤال المؤلم الذي يطرحه كثير من الاقتصاديين المصريين هو: هل كان الأولى استثمار تلك المليارات في تنويع مصادر الدخل بدلاً من مضاعفة الرهان على مصدر واحد مهما بدا موثوقاً؟ فمصر التي تمتلك إمكانات هائلة في الطاقة الشمسية، بمساحات صحراوية شاسعة ومعدلات إشعاع شمسي من الأعلى في العالم، وفي السياحة الثقافية والبيئية وفي الزراعة والصناعات الغذائية وفي الخدمات الرقمية والتعهيد، ربما كانت ستكون في وضع أفضل اليوم لو وزعت استثماراتها بشكل أوسع بدلاً من تركيزها على توسعة القناة. لكن هذا من باب الحكمة بعد فوات الأوان، والأهم الآن هو كيف تتعامل مصر مع الأزمة الراهنة وتحولها إلى دافع للتنويع الاقتصادي الحقيقي بدلاً من انتظار عودة الأمور إلى سابق عهدها.
البعد الإقليمي: الشرق الأوسط يدفع ثمن حروبه
أزمة قناة السويس ليست أزمة مصرية فحسب بل هي أزمة إقليمية بامتياز، فهي تكشف كيف أن عدم الاستقرار الأمني في منطقة الشرق الأوسط يعود ليلتهم المكاسب الاقتصادية التي تحققها دوله. فالحرب في اليمن التي بدأت في 2015، والتي شاركت فيها السعودية والإمارات كطرف رئيسي، أفرزت قوة عسكرية حوثية قادرة اليوم على تهديد أحد أهم الممرات التجارية في العالم بصواريخ ومسيّرات رخيصة الثمن لكنها فعالة في إرهاب شركات الشحن. والمفارقة أن السعودية التي أنفقت مليارات الدولارات على حرب اليمن هي نفسها التي تتضرر اليوم من اضطراب حركة الشحن في البحر الأحمر، حيث أن ميناء جدة الإسلامي الذي يطمح ليكون مركزاً لوجستياً إقليمياً شهد تراجعاً في حركة الترانزيت بسبب تحويل السفن لمساراتها. والأردن الذي يعتمد على ميناء العقبة كمنفذه البحري الوحيد تأثر أيضاً بارتفاع تكاليف الشحن وتأخيرات التوريد.
والبعد الأوسع لهذه الأزمة يتعلق بسمعة المنطقة بأسرها كوجهة للاستثمار والتجارة. فالشركات الدولية التي تقيّم المخاطر الجيوسياسية عند اتخاذ قرارات الاستثمار والتوريد تنظر إلى اضطرابات البحر الأحمر كدليل إضافي على أن الشرق الأوسط يظل منطقة غير مستقرة لا يمكن الاعتماد عليها كعقدة لوجستية موثوقة، وهذا يتناقض مباشرة مع الطموحات السعودية والإماراتية والمصرية لتحويل بلدانها إلى مراكز تجارية عالمية. والحقيقة المرة هي أن بناء الموانئ والمطارات والمناطق الاقتصادية الحرة لا يكفي إذا كانت الممرات المائية المؤدية إليها عرضة للتعطيل بسبب صراعات لا نهاية لها، وهذا درس يجب أن يدفع قادة المنطقة إلى إعادة التفكير في أولوياتهم وتخصيص نفس الموارد التي تُنفق على الأسلحة والحروب لبناء آليات حقيقية لحل النزاعات ومنعها.
سيناريوهات المستقبل: بين التعافي والتآكل الدائم
ثمة ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل إيرادات قناة السويس، السيناريو الأول والأكثر تفاؤلاً هو انتهاء الهجمات الحوثية نتيجة تسوية سياسية في اليمن أو وقف إطلاق نار في غزة، مما يؤدي إلى عودة سريعة لحركة الملاحة إلى مستوياتها السابقة خلال أشهر قليلة. لكن هذا السيناريو يبدو بعيد الاحتمال في المدى القصير نظراً لتعقيد الأوضاع الإقليمية وغياب أي أفق واضح لتسوية شاملة. السيناريو الثاني هو استمرار الأزمة لفترة مطولة، سنة أو سنتين أو أكثر، مع تعافٍ تدريجي جزئي مع تكيف شركات الشحن مع المخاطر ورفع أقساط التأمين بدلاً من تحويل المسارات بالكامل. وهذا السيناريو يعني خسائر تراكمية كبيرة لكنها قابلة للإدارة إذا نجحت مصر في تعويض جزء من الخسائر من مصادر أخرى. السيناريو الثالث، والأكثر قلقاً، هو أن تؤدي الأزمة المطولة إلى تغيير بنيوي في أنماط التجارة العالمية بحيث تتقلص حصة قناة السويس بشكل دائم حتى بعد انتهاء الأزمة الأمنية.
والسيناريو الأخير ليس خيالياً كما قد يبدو، فبعض شركات الشحن اكتشفت أن مسار رأس الرجاء الصالح وإن كان أطول زمنياً إلا أنه يوفر مزايا معينة من حيث تجنب رسوم العبور المرتفعة للقناة والابتعاد عن منطقة جيوسياسية مضطربة بشكل مزمن. كما أن الاستثمارات المتزايدة في بدائل لوجستية، مثل ممر الشمال القطبي الذي يصبح صالحاً للملاحة بفضل ذوبان الجليد، والممر البري عبر السكك الحديدية بين الصين وأوروبا الذي توسع بشكل كبير في السنوات الأخيرة، تقلل تدريجياً من مركزية قناة السويس في التجارة العالمية. وحتى مشروع ممر الهند-الشرق الأوسط-أوروبا الذي أُعلن عنه في قمة مجموعة العشرين في نيودلهي، والذي يربط الهند بأوروبا عبر الإمارات والسعودية والأردن وإسرائيل بالسكك الحديدية والموانئ، يمثل تنافساً محتملاً مع القناة على المدى الطويل وإن كان تنفيذه لا يزال في مراحله الأولى.
دروس من الماضي ومخاطر المستقبل: هل تتعلم مصر؟
ليست هذه المرة الأولى التي تتعرض فيها قناة السويس لأزمة كبرى، فقد أُغلقت لثماني سنوات كاملة بين 1967 و1975 بسبب الحرب العربية الإسرائيلية، وتعطلت جزئياً لأيام في مارس 2021 حين جنحت سفينة الحاويات العملاقة إيفرغيفن وسدت الممر الملاحي بالكامل. وفي كل مرة أثبتت القناة قدرتها على التعافي واستعادة مكانتها، لكن كل أزمة تترك أثراً ولو طفيفاً يتراكم عبر الزمن. ودرس الإغلاق الطويل في السبعينيات كان واضحاً: حين أُعيد فتح القناة في 1975 اكتشفت مصر أن العالم قد تغير، فناقلات النفط العملاقة التي بُنيت خلال فترة الإغلاق لتحمل كميات أكبر عبر مسار رأس الرجاء الصالح الأطول كانت أكبر من أن تمر عبر القناة، مما استلزم عقوداً من أعمال التوسعة والتعميق لاستعادة هذه الحركة. والخشية اليوم هي أن يتكرر هذا النمط، أي أن تتكيف التجارة العالمية مع غياب القناة بطرق يصعب عكسها حتى بعد عودة الأمان إلى البحر الأحمر.
في نهاية المطاف، وبعيداً عن الأرقام والسيناريوهات، تحمل أزمة قناة السويس رسالة أعمق لمصر وللمنطقة بأسرها: أن الجغرافيا التي كانت يوماً نعمة يمكن أن تتحول إلى نقمة إذا لم تُحمَ بالاستقرار والحكمة، وأن المكاسب الاقتصادية التي تُبنى على ممرات ونقاط عبور هي بطبيعتها هشة وعرضة للصدمات الخارجية. والدرس الحقيقي ليس أن مصر يجب أن تتخلى عن القناة، فهي تبقى أصلاً استراتيجياً لا يُقدر بثمن، بل أنها يجب أن تبني اقتصاداً لا تكون فيه القناة هي طوق النجاة الوحيد، اقتصاداً متنوعاً ومنتجاً وقادراً على توليد العملة الصعبة من مصادر متعددة لا تخضع جميعها لنفس المخاطر الجيوسياسية. وهذا ليس ترفاً فكرياً بل ضرورة وجودية، فالتاريخ لا يرحم الأمم التي تضع بيضها كله في سلة واحدة مهما بدت تلك السلة متينة ومحكمة الصنع، والأمم الذكية هي تلك التي تتعلم من أزماتها قبل أن تتكرر بصورة أشد إيلاماً وأعمق أثراً.
