ثمة مشهد يختزل تناقضات عصرنا بأكمله: في نوفمبر 2023، استضافت دبي ، المدينة التي بناها النفط ، مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ COP28، وترأسه سلطان الجابر ، رئيس شركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك). طالب المؤتمر بـ"الانتقال بعيدًا عن الوقود الأحفوري"، بينما كانت أدنوك تستثمر 150 مليار دولار لزيادة طاقتها الإنتاجية النفطية. هذا ليس نفاقًا بالمعنى الأخلاقي البسيط ، إنه تجسيد لتناقض بنيوي يحكم عصر الانتقال الطاقوي بأكمله، تناقض بين ما يعرفه العالم وما يستطيع فعله، بين ما تقوله الحكومات في المؤتمرات وما تفعله حين تعود إلى عواصمها. والمفارقة الأعمق ، التي يتهرب منها المتفائلون والمتشائمون على حد سواء ، هي أن الحروب والأزمات الجيوسياسية التي يظنها كثيرون عقبة أمام التحول الطاقوي هي في الحقيقة المحرّك الأقوى له. كل حرب تكشف هشاشة الاعتماد على الوقود الأحفوري، وكل أزمة طاقة تدفع حكومة ما إلى الاستثمار أكثر في البدائل. حرب أوكرانيا فعلت للطاقة المتجددة الأوروبية ما لم تفعله عقود من المؤتمرات المناخية.
لكن قبل أن نحتفي بهذه المفارقة، يجب أن نواجه حقيقتها الكاملة: التسارع الذي تفرضه الأزمات فوضوي ومتناقض ومليء بالانتكاسات. ألمانيا أعادت تشغيل محطات الفحم في 2022 بينما كانت تبني أكبر شبكة طاقة متجددة في تاريخها. العالم سجّل رقمًا قياسيًا في الاستثمار بالطاقة النظيفة ، 2.1 تريليون دولار في 2024 وفقًا لـ BloombergNEF ، وفي العام نفسه سجّل رقمًا قياسيًا في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون: 37.8 غيغاطن. الطاقتان تنموان معًا لا على حساب بعضهما. هذا هو التناقض الأساسي الذي يجب فهمه قبل أي نقاش عن مستقبل الطاقة.
كل تحوّل طاقوي كبير في التاريخ كان يبدو مستحيلًا قبل حدوثه وحتميًا بعده ، السؤال ليس إن كان التحول سيحدث، بل كم من الضرر سيتراكم قبل أن يحدث
الانتقال من منظومة طاقة قائمة على الوقود الأحفوري (نفط، غاز، فحم) إلى منظومة تعتمد على مصادر متجددة (شمس، رياح، هيدروجين). ليس مجرد استبدال تقني بل إعادة هيكلة كاملة للاقتصاد والجيوسياسة.
التناقض الأول: أوروبا تحرق الفحم لتبني مزارع الرياح
حين قطعت روسيا إمدادات الغاز عن أوروبا بعد غزوها لأوكرانيا، كشفت الحقيقة التي كان الجميع يتجنبها: القارة التي نصّبت نفسها قائدة للعمل المناخي العالمي كانت تعتمد على غاز دولة استبدادية لتدفئة منازلها وتشغيل مصانعها. الاستجابة الفورية كانت صادمة في تناقضها ، ألمانيا أعادت تشغيل 27 محطة فحم كانت قد أُغلقت أو كانت في طريقها للإغلاق. الاستهلاك الأوروبي للفحم ارتفع بأكثر من 20% بين 2021 و2022. عالميًا، بلغ استهلاك الفحم رقمًا قياسيًا: 8.42 مليار طن في 2022، ارتفع إلى 8.54 مليار في 2023. سوناك في بريطانيا أجّل حظر بيع السيارات العاملة بالبنزين من 2030 إلى 2035. الأقنعة الخضراء سقطت واحدًا تلو الآخر أمام واقع الشتاء البارد وفواتير الطاقة المرتفعة والشوارع الغاضبة.
لكن ، وهنا التناقض المذهل ، الاستجابة المتوسطة والطويلة الأمد كانت عكسية تمامًا. أوروبا التي أحرقت الفحم في شتاء 2022 هي ذاتها التي ضخّت استثمارات غير مسبوقة في الطاقة المتجددة في 2023 و2024. ألمانيا أضافت 15 غيغاواط من الطاقة الشمسية في عام واحد ، أكثر مما أضافته في أي عام سابق. الاتحاد الأوروبي ككل خفض اعتماده على الغاز الروسي من 40% إلى أقل من 15% في أقل من عامين، ليس فقط عبر استيراد الغاز المسال من مصادر أخرى بل عبر تسريع تركيب الألواح الشمسية ومضخات الحرارة وتوربينات الرياح بوتيرة لم يكن أحد يتخيلها قبل الحرب. الأزمة فعلت ما لم تفعله عقود من النشاط البيئي: حوّلت الطاقة المتجددة من خيار أيديولوجي إلى ضرورة أمن قومي.
ألمانيا أضافت 15 غيغاواط شمسية في عام واحد، والاتحاد الأوروبي خفض اعتماده على الغاز الروسي من 40% إلى أقل من 15% في عامين فقط.
ألمانيا أعادت تشغيل 27 محطة فحم، والاستهلاك الأوروبي للفحم ارتفع بأكثر من 20% بين 2021 و2022.
التناقض الثاني: الاستثمارات ترتفع والانبعاثات ترتفع معها
الأرقام العالمية تروي قصة تبدو مستحيلة منطقيًا: الاستثمار في الطاقة النظيفة تجاوز 1.77 تريليون دولار في 2023 وقفز إلى أكثر من 2.1 تريليون في 2024. وكالة الطاقة المتجددة الدولية (إيرينا) سجّلت 807 مليارات دولار في الاستثمار المتجدد خلال 2024 وحده. القدرة المتجددة المُركّبة عالميًا نمت بنسبة 14% سنويًا. لكن في العام نفسه ، 2024 ، سجّل العالم رقمًا قياسيًا جديدًا في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون: 37.8 غيغاطن، بزيادة 0.8% عن العام السابق. كيف يمكن للاستثمار النظيف والانبعاثات القذرة أن يرتفعا معًا في العام نفسه؟
الجواب في معادلة يتجاهلها الخطاب المناخي المتفائل: الطاقة المتجددة لا تحلّ محل الأحفورية بل تُضاف إليها. الطلب العالمي على الطاقة ينمو بوتيرة تفوق قدرة المتجددات على تغطيته، خاصة في الاقتصادات الناشئة التي يخرج فيها مئات الملايين من الفقر ويحتاجون كهرباء وتبريدًا ونقلًا. الهند وحدها تُضيف طاقة فحمية جديدة بوتيرة تلتهم جزءًا كبيرًا من المكاسب المتجددة التي تُحققها أوروبا. هدف COP28 بمضاعفة كفاءة الطاقة يتطلب تحسنًا بنسبة 4% سنويًا ، الواقع الفعلي لا يتجاوز 1%. القدرة المتجددة تنمو بنسبة 14% بينما المطلوب 16.4% سنويًا للوصول إلى صافي صفر انبعاثات. الهدف يبتعد بأسرع مما نقترب منه.
والأكثر إثارة للقلق هو فجوة التمويل. الوصول إلى صافي صفر انبعاثات بحلول 2050 يتطلب استثمارات بقيمة 4.8 تريليون دولار سنويًا ، الاستثمار الحالي، رغم أرقامه القياسية، لا يتجاوز نصف هذا المبلغ. والتوزيع الجغرافي مختلّ بشكل صارخ: أكثر من 80% من الاستثمارات المتجددة تتركز في الدول المتقدمة والصين، بينما أفريقيا جنوب الصحراء ، التي تضم 17% من سكان العالم ، تحصل على أقل من 3% من الاستثمار. هذا يعني أن التحول الطاقوي، كما هو مُصمَّم حاليًا، سيُعمّق الفجوة بين الشمال والجنوب بدلًا من ردمها.
التناقض الثالث: من حرب تشرشل النفطية إلى حرب بوتين الغازية
حين قرر ونستون تشرشل عام 1911 تحويل الأسطول البريطاني من الفحم إلى النفط، كان يعلم أنه يستبدل وقودًا تملكه بريطانيا بوقود يتحكم فيه الآخرون. كان الفحم البريطاني وفيرًا ومحليًا وآمنًا، والنفط أجنبيًا وبعيدًا ومحفوفًا بالمخاطر. لكنه اتخذ القرار لأن السرعة التي يمنحها النفط للسفن الحربية تستحق المقامرة الاستراتيجية. ذلك القرار "التقني" أعاد رسم خريطة القرن العشرين بأكمله ، جعل الشرق الأوسط محور الصراع الدولي، وأشعل حروبًا من العراق إلى ليبيا، وصنع ثروات خرافية في صحارى كانت مهملة. واليوم تتكرر المعادلة بصورة معكوسة: أوروبا تكتشف أن اعتمادها على الغاز الروسي كان مقامرة تشرشلية فاشلة، والردّ ليس العودة إلى الفحم المحلي بل القفز إلى الطاقة المتجددة المحلية. الشمس والرياح لا يستطيع بوتين قطعها.
لكن حرب 1973 ، حين فرضت الدول العربية المنتجة للنفط حظرًا نفطيًا على الدول الداعمة لإسرائيل ، تُقدّم درسًا مختلفًا. ذلك الحظر أثبت أن الطاقة سلاح جيوسياسي فعّال، لكنه أثبت أيضًا أن استخدام هذا السلاح يُسرّع بحث الطرف الآخر عن بدائل. أمريكا بعد 1973 استثمرت بكثافة في إنتاج النفط المحلي والكفاءة الطاقوية، وفرنسا بنت أكبر برنامج نووي مدني في العالم. كل استخدام للطاقة كسلاح يُنتج ردّ فعل يُقلل من فاعلية ذلك السلاح في المستقبل. هذا بالضبط ما تفعله حرب أوكرانيا اليوم: كل يوم تمرّ فيه أوروبا بدون غاز روسي هو يوم يتراجع فيه نفوذ موسكو الطاقوي بشكل لا رجعة فيه.
- 1911تشرشل يحوّل الأسطول البريطاني من الفحم إلى النفط ، بداية عصر النفط الجيوسياسي
- 1973الحظر النفطي العربي يُثبت أن الطاقة سلاح استراتيجي فعّال
- 2022روسيا تقطع الغاز عن أوروبا ، أكبر صدمة طاقوية منذ السبعينيات
- 2024الاستثمار العالمي في الطاقة النظيفة يتجاوز 2.1 تريليون دولار
التناقض الرابع: النبيّ النفطي يبني مدن الشمس
الدول العربية المنتجة للنفط تعيش أكثف تناقضات العصر الطاقوي. السعودية تُنتج عشرة ملايين برميل يوميًا وتبني في الوقت ذاته مشروع نيوم الذي يتضمن أكبر محطة هيدروجين أخضر في العالم. الإمارات تُدير أدنوك بطاقة إنتاجية تتجاوز أربعة ملايين برميل وتستضيف مقر وكالة إيرينا للطاقة المتجددة وتُشغّل محطة براكة النووية ، أول محطة نووية عربية ، وتستثمر عبر شركة مصدر في مشاريع متجددة بعشرات المليارات. هذا التناقض الظاهري يحمل منطقًا باردًا: النفط يُموّل التحول، والتحول يُؤمّن ما بعد النفط. من يتخلى عن مصدر دخله قبل إنضاج البديل يرتكب انتحارًا اقتصاديًا. لكن من لا يستثمر في البديل بينما الدخل النفطي متاح يرتكب انتحارًا مؤجلًا.
خطة مصدر الإماراتية للاستثمار بـ10 مليارات دولار في الطاقة المتجددة بمصر ، بقدرة 10 غيغاواط ، تُجسّد نموذجًا مثيرًا للاهتمام: دولة نفطية خليجية تُموّل التحول الطاقوي في دولة عربية مستوردة للطاقة. إذا نجح هذا النموذج وتوسّع، فقد يكون أهم مساهمة عربية في التحول الطاقوي العالمي ، ليس بالتخلي عن النفط بل باستخدام عائداته لبناء بنية طاقوية جديدة في المنطقة بأكملها. لكن الواقعية تقتضي الاعتراف بأن هذه المشاريع، رغم ضخامتها، لا تزال جزءًا صغيرًا من المطلوب. والسؤال الذي لا يُجيب عنه أحد: ماذا يحدث لدول الخليج حين ينخفض الطلب العالمي على النفط بنسبة 30% أو 40%، حتى لو لم ينته تمامًا؟ رؤية 2030 السعودية ومثيلاتها الخليجية تُراهن على أن التنويع الاقتصادي سيملأ الفراغ ، لكن التاريخ لا يعرف دولة ريعية نجحت في التحول الكامل إلى اقتصاد إنتاجي متنوع دون صدمات عنيفة في الطريق.
التناقض الخامس: المناخ يتغير والعدالة تنتظر
في كل مؤتمر مناخي، تتكرر المعادلة المؤلمة ذاتها: الدول الأكثر تلويثًا تاريخيًا هي الأقل تضررًا من تغير المناخ، والدول الأقل مسؤولية هي الأكثر معاناة. أفريقيا جنوب الصحراء تُسهم بنحو 3% من الانبعاثات التاريخية لكنها تُعاني من موجات جفاف وفيضانات تُهدد حياة مئات الملايين. الدول العربية ، خاصة في المغرب العربي ووادي النيل والقرن الأفريقي ، تواجه ارتفاعًا في درجات الحرارة أسرع من المعدل العالمي بمرة ونصف، وشح مياه يتفاقم عقدًا بعد عقد. صندوق "الخسائر والأضرار" الذي أُعلن عنه في COP27 بشرم الشيخ ، بعد ثلاثين عامًا من مطالبة الدول النامية به ، لا يزال يفتقر إلى التمويل الكافي. الوعود كثيرة والأموال شحيحة.
والتناقض الأعمق يكمن في أن التحول الطاقوي ذاته قد يُنتج أشكالًا جديدة من الظلم. الصين تسيطر على أكثر من 80% من سلسلة إنتاج الألواح الشمسية و75% من بطاريات الليثيوم أيون. التخلي عن الاعتماد على نفط الشرق الأوسط قد يعني الانتقال إلى الاعتماد على معادن الكونغو وليثيوم تشيلي وأرض نادرة صينية ، أي استبدال شكل من الهيمنة بشكل آخر. الكوبالت الذي يُستخرج بأيدي أطفال في مناجم الكونغو ليدخل في بطاريات السيارات الكهربائية التي يقودها أوروبيون أثرياء ، هل هذا عدالة مناخية؟ التحول الطاقوي الحقيقي لا يمكن أن يكون مجرد استبدال مصدر طاقة بآخر ، يجب أن يكون إعادة هيكلة لعلاقات القوة التي تحكم من يُنتج ومن يستهلك ومن يدفع الثمن.
التناقض السادس: كلما اقتربنا ابتعدنا
من يقرأ تاريخ التحولات الطاقوية الكبرى يُدرك أنها لم تكن يومًا خطية أو سلسة. الانتقال من الخشب إلى الفحم استغرق أكثر من قرن. الانتقال من الفحم إلى النفط استمر عقودًا. والفحم ، الذي أُعلنت وفاته مرارًا ، لا يزال يُوفّر أكثر من 27% من الطاقة الأولية العالمية. كل تحوّل طاقوي كبير تطلّب ثلاثة شروط متزامنة: تقنية أنضج وأرخص، وبنية تحتية قادرة على استيعابها، وإرادة سياسية لا تتراجع عند أول أزمة. الشرط الأول يتحقق بسرعة مذهلة ، تكلفة الطاقة الشمسية انخفضت 90% في عقد واحد وأصبحت أرخص مصدر كهرباء في تاريخ البشرية في معظم مناطق العالم. لكن الشرطين الثاني والثالث متخلفان بشكل خطير: شبكات الكهرباء غير مهيأة لاستيعاب طاقة متقطعة، وتخزين الطاقة بالبطاريات لا يزال مكلفًا، والإرادة السياسية تتبخر عند أول ارتفاع في فاتورة الكهرباء.
والمفارقة الأخيرة ، وربما الأكثر أهمية ، هي أن العالم يملك كل الأدوات التقنية اللازمة للتحول لكنه يفتقر إلى البنية السياسية القادرة على تنفيذه. ليس لدينا مشكلة تكنولوجية بل مشكلة حوكمة. الشمس تشرق كل يوم والرياح تهب كل ليلة والتقنيات موجودة والأموال متاحة ، لكن النظام الدولي القائم على سيادة الدول وتنافسها يعجز عن تنسيق استجابة جماعية لتهديد يتجاوز الحدود. كل دولة تُحسب مصلحتها القصيرة على حساب مصلحة الكوكب الطويلة. والحروب ، من أوكرانيا إلى غزة إلى السودان ، تستهلك الأموال والاهتمام والإرادة السياسية التي كان يمكن توجيهها نحو التحول. لكن الحروب ذاتها، بكشفها لهشاشة منظومة الوقود الأحفوري، تزرع بذور التحول في التربة ذاتها التي تحرقها. هذا هو التناقض الأخير والأعمق: الدمار يُنتج البناء، والأزمة تُنتج الحل، والحرب ، بكل وحشيتها ، قد تكون القابلة التي تُولّد عصر الطاقة الجديد. السؤال فقط: كم من الثمن سيدفعه العالم قبل أن يصل إلى هناك؟
