حين وقف رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل أمام البرلمان في مطلع القرن العشرين ليُعلن تحويل الأسطول الملكي من الفحم إلى النفط، كان يعلم أنه يُقامر بأمن إمبراطوريته من أجل ميزة سرعة واحدة. فبريطانيا التي كانت تجلس فوق أكبر احتياطيات فحم في العالم، راهنت على وقود لا تملكه، وأصبحت بذلك رهينة لجغرافيا الشرق الأوسط لقرن كامل. ذلك القرار، الذي بدا تقنيًا بحتًا، أعاد رسم خريطة القوة العالمية، وأشعل حروبًا، وأسقط إمبراطوريات، وصنع ثروات خرافية في صحارى كانت منسية. اليوم، يقف العالم أمام لحظة مماثلة، الانتقال من الوقود الأحفوري إلى مصادر الطاقة المتجددة، لكن هذه المرة تتدخل الحروب والأزمات الجيوسياسية لتُبطئ هذا التحول وتكشف هشاشة الوعود المناخية التي تُطلقها الحكومات في قاعات المؤتمرات المُكيّفة بينما تشتعل حقول النفط والغاز خلف الكواليس. فالانتقال الطاقوي، كما اكتشفت أوروبا في شتاء 2022 المُرّ، ليس قرارًا تقنيًا يُتخذ في مختبر، بل هو مشروع جيوسياسي يحتاج إلى سلام واستقرار وإرادة سياسية نادرة، وكل حرب جديدة تُعيد عقارب هذا المشروع سنوات إلى الوراء.
شتاء أوروبا الكاشف: حين تسقط الأقنعة الخضراء
في الرابع والعشرين من فبراير 2022، حين عبرت الدبابات الروسية الحدود الأوكرانية، لم تسقط فقط أوهام الأمن الأوروبي العسكري، بل سقطت معها واحدة من أكبر الأوهام الاقتصادية في العقود الأخيرة: وهم أن أوروبا تستطيع بناء اقتصاد أخضر متقدم بينما تعتمد في أساسها على الغاز الروسي الرخيص. ألمانيا، المُعلّمة المناخية التي طالما حاضرت العالم عن ضرورة التخلي عن الوقود الأحفوري، وجدت نفسها تُعيد تشغيل محطات الفحم التي كانت قد أعلنت إغلاقها، وتتسابق مع جيرانها على شحنات الغاز المُسال من قطر وأمريكا والجزائر بأسعار تفوق ما كانت تدفعه لموسكو بأربعة أضعاف. بريطانيا منحت تراخيص تنقيب جديدة في بحر الشمال. هولندا أجّلت إغلاق حقل غرونينغن. وفرنسا، التي كانت تنظر إلى الطاقة النووية بحذر متزايد، ضاعفت رهانها عليها وأعلنت بناء ستة مفاعلات جديدة. في غضون أشهر، تبخرت عقود من الخطاب المناخي الأوروبي أمام حقيقة واحدة بسيطة: الشعوب لا تقبل أن تتجمد في الشتاء من أجل أهداف مناخية بعيدة الأمد، والحكومات التي تتجاهل هذه الحقيقة تسقط في الانتخابات التالية.
المفارقة العربية: نبيّ الطاقة المتجددة الذي يبيع النفط
الدول العربية المنتجة للنفط، وفي مقدمتها السعودية والإمارات، تعيش واحدًا من أعمق التناقضات الاستراتيجية في تاريخها الاقتصادي الحديث. فهي تستثمر عشرات المليارات في مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين الأخضر، مشروع نيوم السعودي وحده يتضمن أكبر محطة لإنتاج الهيدروجين الأخضر في العالم بقيمة خمسة مليارات دولار، بينما تُدافع في الوقت ذاته وبضراوة عن استمرار الاستثمار في النفط والغاز وتُقاوم أي محاولة لتحديد سقف زمني للتخلص من الوقود الأحفوري. هذا الموقف الذي يبدو متناقضًا يحمل في طيّاته منطقًا باردًا: النفط يُموّل الحاضر والانتقال معًا، ومن يتخلى عن مصدر دخله الوحيد قبل أن يُنضج البديل يرتكب انتحارًا اقتصاديًا. السعودية تُنتج نحو عشرة ملايين برميل يوميًا، وعائدات النفط تُشكّل أكثر من 60% من إيراداتها الحكومية. المطالبة بوقف هذا التدفق باسم المناخ، دون توفير بديل اقتصادي بنفس الحجم، ليست مثالية بل هي وصفة للانهيار. والدول العربية تقول صراحة ما يهمس به الجميع خلف الأبواب المغلقة: العالم سيحتاج النفط والغاز لعقود طويلة قادمة، والسؤال ليس متى سينتهي عصر الهيدروكربونات بل كيف تُدار مرحلة التعايش بين القديم والجديد دون كوارث اقتصادية.
أمريكا والصين: حرب المناخ التي لا يعترف بها أحد
خلف خطاب التعاون المناخي الدولي تدور حرب صناعية شرسة بين واشنطن وبكين حول من سيُهيمن على تقنيات الطاقة النظيفة في القرن الحادي والعشرين. الصين تُسيطر على أكثر من 80% من سلسلة إنتاج الألواح الشمسية العالمية، وتُنتج 75% من بطاريات الليثيوم أيون، وتحتكر معالجة أكثر من 60% من المعادن الحرجة اللازمة للتحول الطاقوي، الكوبالت والليثيوم والنيكل والمنغنيز. هذه الهيمنة تعني أن أي دولة تريد بناء اقتصاد أخضر ستجد نفسها مُعتمدة على بكين بدلًا من اعتمادها الحالي على الرياض وموسكو، أي أن التحول الطاقوي قد يُغيّر اسم المُهيمن دون أن يُغيّر بنية الهيمنة ذاتها. واشنطن أدركت هذا متأخرة وردّت بقانون خفض التضخم الذي ضخّ 369 مليار دولار في دعم الطاقة النظيفة المحلية، وبفرض رسوم جمركية بنسبة 100% على السيارات الكهربائية الصينية. هكذا تحوّل المناخ من قضية تعاون دولي إلى ساحة تنافس صناعي، والخاسر الأكبر هو الكوكب نفسه.
الجنوب العالمي: ضحية التحوّل وضحية غيابه
ثمة مفارقة قاسية تُلخّص وضع الدول النامية أمام الانتقال الطاقوي: هي الأكثر تضررًا من تغير المناخ، والأقل مسؤولية عنه، والأكثر تحمّلًا لتكاليف معالجته. أفريقيا جنوب الصحراء، التي لا تُسهم إلا بنحو 3% من الانبعاثات العالمية، تحتاج إلى 2.8 ترليون دولار بحلول 2030 لتحقيق أهدافها المناخية وفق تقديرات الأمم المتحدة، بينما لا يصلها من التمويل المناخي الدولي سوى جزء يسير من الوعود التي تتكرر في كل مؤتمر. مصر التي استضافت قمة شرم الشيخ 2022 بآمال كبيرة في صندوق "الخسائر والأضرار"، اكتشفت أن الوعود تتبخر حين تصل لمرحلة التنفيذ. والهند، التي تحتاج الفحم لإنارة حياة مئات الملايين من مواطنيها، ترفض أن يُطلب منها التخلي عن مصدر طاقتها الأرخص بينما بنى الغرب رخاءه على قرنين من حرق الوقود الأحفوري دون محاسبة. هذا التوتر بين عدالة المناخ وواقع التنمية هو القنبلة الموقوتة في قلب كل مفاوضات مناخية.
درس التاريخ: التحولات الطاقوية لا تحدث بمراسيم
من يقرأ تاريخ التحولات الطاقوية الكبرى يُدرك أن الانتقال لم يكن يومًا عملية خطية أو سلسة. الانتقال من الخشب إلى الفحم استغرق أكثر من قرن. والانتقال من الفحم إلى النفط استمر عقودًا حتى بعد اكتشاف النفط بوفرة. والفحم، الذي أُعلنت وفاته مرارًا، لا يزال يُوفّر أكثر من 27% من الطاقة الأولية العالمية في 2026. التحولات الطاقوية تحدث حين تتوفر ثلاثة شروط متزامنة: تقنية ناضجة أرخص من البديل القائم، وبنية تحتية قادرة على استيعابها، وإرادة سياسية مستدامة لا تتراجع عند أول أزمة. الشرط الأول يتحقق تدريجيًا، تكلفة الطاقة الشمسية انخفضت بنسبة 90% خلال عقد، لكن الشرطين الثاني والثالث يبقيان قاصرين. شبكات الكهرباء العالمية غير مُهيّأة لاستيعاب طاقة متقطعة من الشمس والرياح، وتخزين الطاقة بالبطاريات لا يزال مُكلفًا وغير كافٍ. أما الإرادة السياسية فهي الأهشّ، تتبخر عند أول ارتفاع في فاتورة الكهرباء أو أول موجة برد غير متوقعة.
النافذة العربية: فرصة لا تتكرر
في هذا المشهد المُعقّد، تمتلك الدول العربية المنتجة للطاقة نافذة زمنية أوسع مما كان يُعتقد قبل حرب أوكرانيا. فالعالم الذي كان يتحدث عن ذروة الطلب على النفط في 2025 يتحدث الآن عن 2030 أو ربما 2035. لكن هذه النافذة، وإن اتسعت، ليست مفتوحة إلى الأبد. والسؤال الجوهري ليس متى ستُغلق، بل ماذا ستفعل هذه الدول بالوقت المتاح. السعودية تراهن على التنويع الاقتصادي عبر رؤية 2030، السياحة والترفيه والتقنية والتعدين. الإمارات تبني منظومة متكاملة من الطاقة النووية والشمسية والهيدروجينية. قطر تستثمر في توسيع إنتاج الغاز المُسال على أساس أنه "وقود الانتقال" الذي سيبقى مطلوبًا لعقود. لكن التجربة التاريخية تُنذر: فنزويلا كانت تملك أكبر احتياطيات نفطية مُثبتة في العالم، ولم يمنعها ذلك من الانهيار الاقتصادي حين فشلت في تنويع اقتصادها وإصلاح مؤسساتها.
الانتقال الطاقوي ليس مسألة تقنية يُحسمها المهندسون في المختبرات، بل هو مشروع حضاري يحتاج إلى سلام واستقرار وعدالة دولية. وما دامت الحروب تشتعل والعقوبات تُفرض والأنابيب تُفجّر، فإن العالم سيبقى أسير الوقود الأحفوري حتى لو امتلأت صحاريه بالألواح الشمسية. فالمسألة لم تكن يومًا مسألة تكنولوجيا، بل مسألة إرادة وعدالة وجغرافيا سياسية لا ترحم الأوهام.
