H.Bاقتصاد الشرق
تخفيضات أوبك+ الجديدة: هل تنجح في إنقاذ أسعار النفط من الانهيار؟
النفط والطاقة

تخفيضات أوبك+ الجديدة: هل تنجح في إنقاذ أسعار النفط من الانهيار؟

حسام بعكة

حسام بعكة

١ مارس ٢٠٢٦ · 9 دقائق

في ظل تراجع الطلب العالمي وتصاعد المنافسة من مصادر الطاقة البديلة، تواجه أوبك+ تحديات غير مسبوقة في الحفاظ على استقرار الأسواق.

في عام 1973، حين قررت الدول العربية المنتجة للنفط استخدام سلاح الطاقة في مواجهة الغرب، لم يكن أحد يتخيّل أن تلك اللحظة ستُعيد تشكيل النظام الاقتصادي العالمي بأسره، لقد كان النفط حينها أشبه بعصا موسى التي شقّت البحر وكشفت عن حقيقة بسيطة وعميقة في آن واحد: من يتحكّم بشرايين الطاقة يتحكّم بمصير الأمم. واليوم، بعد أكثر من خمسة عقود على تلك اللحظة الفارقة، تجد منظمة أوبك+ نفسها أمام مفترق طرق لا يقلّ خطورة عن ذلك الذي واجهته سابقتها، إذ تتقاطع ضغوط السوق المتراجعة مع صعود بدائل الطاقة النظيفة ومع التحولات الجيوسياسية التي تُعيد رسم خريطة التحالفات الدولية. التخفيضات الجديدة التي أعلنتها المنظمة ليست مجرد قرار فني يتعلق بعدد البراميل المنتجة يومياً، بل هي رهان استراتيجي على قدرة تحالف هش، يجمع بين خصوم تاريخيين ومصالح متضاربة، على الصمود في وجه عاصفة اقتصادية عاتية.

إن المتأمل في قرارات أوبك+ الأخيرة يدرك أنها لا تنبع من فراغ، بل من سياق معقّد تتشابك فيه خيوط الاقتصاد والسياسة والتكنولوجيا. فالأسعار التي هبطت إلى ما دون 75 دولاراً للبرميل في مطلع عام 2026 لم تكن نتيجة عامل واحد، بل محصّلة لتراكم ضغوط متعددة، من تباطؤ النمو الاقتصادي في الصين التي كانت تلتهم كل برميل إضافي يُضخّ في السوق، إلى الطفرة المستمرة في إنتاج النفط الصخري الأمريكي الذي تجاوز 13 مليون برميل يومياً، مروراً بالتحول التدريجي لكنه المتسارع نحو السيارات الكهربائية التي باتت تُهدد قلعة الطلب الأخيرة على النفط: قطاع النقل. في هذا المشهد المضطرب، جاء قرار التخفيض بمثابة محاولة يائسة، أو ربما محسوبة بدقة، لإعادة التوازن إلى سوق فقد بوصلته.

منصة نفطية في الخليج العربي عند الغروب

عنق الزجاجة الذي يتحكّم بمصير الطاقة

ليست المرة الأولى التي تلجأ فيها أوبك+ إلى سلاح التخفيض، لكنها ربما تكون المرة الأكثر تعقيداً. ففي الماضي، كان الأمر أبسط نسبياً: تُخفّض الإنتاج فترتفع الأسعار، وتُعيد فتح الصنابير حين يُهدد الركود الطلب العالمي. لكن المعادلة اليوم تغيّرت جذرياً، فالمنافسون لم يعودوا دولاً نفطية تقليدية يمكن إدراجها في اتفاقيات التخفيض، بل شركات خاصة أمريكية تعمل بمنطق السوق الحرة ولا تخضع لأي قرار سياسي مركزي. إن صناعة النفط الصخري الأمريكي، التي كادت تنهار في عام 2020 حين هوت الأسعار إلى ما دون الصفر، أثبتت مرونة مذهلة في التكيّف مع الأسعار المنخفضة، إذ خفّضت تكاليف الإنتاج إلى ما دون 40 دولاراً للبرميل في كثير من الحقول، وباتت قادرة على زيادة الإنتاج بسرعة فائقة كلما ارتفعت الأسعار فوق عتبة الربحية. هذا يعني أن أي تخفيض من أوبك+ يرفع الأسعار سيُقابل تلقائياً بزيادة في الإنتاج الأمريكي، وهو ما يُشبه محاولة ملء دلو مثقوب القاع.

التحدي الأعمق يكمن في البنية الداخلية لتحالف أوبك+ ذاته. فالسعودية، التي تتحمّل العبء الأكبر من التخفيضات بإنتاج يقلّ عن طاقتها القصوى بنحو 3 ملايين برميل يومياً، تجد نفسها في موقف صعب: هي تُضحّي بإيرادات آنية ضخمة من أجل الحفاظ على مستوى سعري يُموّل مشاريع رؤية 2030 الطموحة، بينما دول أخرى في التحالف، كالعراق ونيجيريا وكازاخستان، تتجاوز حصصها المقررة بشكل منهجي، مستفيدة من التخفيضات السعودية دون أن تدفع ثمنها. هذا الخلل في توزيع الأعباء يُنذر بتصدّع التحالف من الداخل، خاصة إذا استمرت الأسعار في مستويات لا تُلبّي احتياجات الميزانية السعودية التي تحتاج إلى سعر يتراوح بين 80 و85 دولاراً للبرميل لتحقيق التوازن المالي.

الدبّ الروسي على طاولة النفط: حليف أم منافس؟

حين انضمّت روسيا إلى تحالف أوبك+ في عام 2016، بدا الأمر وكأنه زواج مصلحة بين عملاقين نفطيين يجمعهما هدف واحد هو رفع الأسعار. لكن هذا الزواج كان منذ البداية محفوفاً بالتوترات الخفية، فروسيا، التي تخوض حرباً مكلفة في أوكرانيا وتواجه عقوبات غربية غير مسبوقة، تحتاج إلى كل دولار يمكنها الحصول عليه من صادرات النفط، مما يجعل التزامها بحصص التخفيض أمراً مشكوكاً فيه. والحقيقة أن البيانات تُشير إلى أن روسيا لم تلتزم بشكل كامل بحصصها في كثير من الأحيان، مستفيدة من آليات التهريب عبر ناقلات الظل وشبكات التجارة الموازية التي بنتها لتجاوز العقوبات الغربية. المفارقة أن هذه الشبكات ذاتها التي صُمّمت للالتفاف على العقوبات باتت تُستخدم للالتفاف على اتفاقيات أوبك+، وهو ما يُثير حنق السعودية التي ترى أنها تتحمّل وحدها ثمن الانضباط بينما يتهرّب الآخرون.

العلاقة السعودية-الروسية في إطار أوبك+ تُجسّد معضلة كلاسيكية في نظرية الألعاب تُعرف بـ"معضلة السجين": كلا الطرفين يعلم أن التعاون يُحقق نتيجة أفضل للجميع، لكن كل طرف يُغريه الغش على حساب الآخر. وقد شهدنا انفجار هذه المعضلة في مارس 2020 حين فشلت المفاوضات وأطلقت السعودية حرب أسعار مدمّرة أغرقت الأسواق بالنفط الرخيص. ذلك الدرس المؤلم أعاد الطرفين إلى طاولة المفاوضات، لكنه لم يُزل جذور الخلاف، فالمصالح الاستراتيجية لكل طرف تختلف اختلافاً جوهرياً عن الآخر. السعودية تُخطط لعقود قادمة وتريد أسعاراً مرتفعة ومستقرة تُموّل تحوّلها الاقتصادي، بينما روسيا تعيش أزمة آنية وتحتاج إلى أكبر حجم ممكن من الصادرات بغض النظر عن السعر.

حقول نفطية ممتدة في صحراء عربية

شبح الطاقة النظيفة يطرق أبواب القلعة

لعل أخطر ما يُواجه أوبك+ ليس المنافسة من النفط الصخري أو الخلافات الداخلية، بل التحوّل البنيوي في نظام الطاقة العالمي الذي بدأ يُلقي بظلاله الطويلة على مستقبل الطلب النفطي. فالسيارات الكهربائية التي كانت قبل سنوات قليلة مجرد ترف للأثرياء باتت اليوم تُشكّل أكثر من 25% من مبيعات السيارات الجديدة عالمياً، وفي الصين، أكبر مستورد للنفط في العالم، تجاوزت هذه النسبة 50%. هذا التحوّل لا يعني أن الطلب على النفط سينهار غداً، لكنه يعني أن ذروة الطلب باتت أقرب مما كان يُعتقد، وكالة الطاقة الدولية تتوقع أنها قد تأتي قبل عام 2030، وهو ما يُغيّر حسابات كل منتج نفطي على وجه الأرض. في هذا السياق، تبدو تخفيضات أوبك+ أشبه بمحاولة إبطاء قطار يتسارع لا محالة، قد تُبطئه قليلاً لكنها لن توقفه.

الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، اللتان كانتا مصدر سخرية رجال النفط قبل عقد من الزمن، باتتا اليوم أرخص مصادر الكهرباء في معظم أنحاء العالم. وحين يُضاف إليهما الهيدروجين الأخضر وتقنيات التخزين المتطورة، فإن المنظومة الجديدة للطاقة النظيفة باتت تُهدد ليس فقط حصة النفط في توليد الكهرباء، التي تراجعت أصلاً بشكل كبير، بل حتى هيمنته على قطاعي النقل والصناعة. أوبك+ تُدرك هذا التحوّل، لكنها تعيش حالة إنكار جزئي، فالتخفيضات الحالية تُعالج أعراض المرض لا جذوره، وتُحاول الحفاظ على أسعار مرتفعة في سوق يتقلّص تدريجياً، وهو ما قد يُسرّع، مفارقةً، التحوّل نحو البدائل إذ يجعلها أكثر جاذبية اقتصادياً.

الميزانيات العربية في عين العاصفة

لا يمكن فهم حسابات أوبك+ دون النظر إلى الميزانيات الوطنية للدول المنتجة التي تعتمد على النفط بشكل شبه كلّي. فالسعودية تحتاج إلى 80-85 دولاراً للبرميل، والعراق إلى نحو 70 دولاراً، والجزائر إلى أكثر من 100 دولار، وإيران المحاصرة بالعقوبات إلى كل دولار يمكنها تحصيله. هذا التفاوت في أسعار التعادل يخلق توترات دائمة داخل المنظمة، فما يُناسب السعودية قد لا يُناسب نيجيريا، وما تقبله الإمارات قد يكون كارثياً على الجزائر. التخفيضات الجديدة، التي بلغت نحو 2.2 مليون برميل يومياً مقارنة بمستويات الإنتاج المرجعية، تعني أن كل دولة تتخلّى عن إيرادات ضخمة، إيرادات كانت ستذهب لتمويل مشاريع التنمية ودفع رواتب الموظفين الحكوميين وتهدئة الشوارع التي لا تزال تذكر ربيعاً عربياً اشتعل بسبب الظلم الاقتصادي بقدر ما اشتعل بسبب القمع السياسي.

الأثر الأكبر يقع على الدول التي لم تتمكن بعد من تنويع اقتصاداتها، كالعراق الذي يعتمد على النفط بنسبة تتجاوز 90% من إيراداته، أو الجزائر التي فشلت محاولاتها المتكررة للتنويع الاقتصادي. هذه الدول تجد نفسها محاصرة بين مطرقة التخفيضات التي تُقلّص إيراداتها وسندان الإنفاق العام المتضخّم الذي لا يمكن تقليصه دون مخاطر سياسية جسيمة. في المقابل، فإن دولاً كالإمارات وقطر والكويت، التي تمتلك صناديق سيادية ضخمة واقتصادات أكثر تنوعاً، تستطيع تحمّل فترات الأسعار المنخفضة بشكل أفضل، وهو ما يُعمّق الفجوة داخل العالم العربي ذاته ويخلق ديناميكيات تنافسية حادة بين دول كان يُفترض أنها حليفة.

شاشات أسواق مالية تعرض مؤشرات أسعار النفط

لعبة الشطرنج الأمريكية: بين الإنتاج والسياسة

الولايات المتحدة، التي تحوّلت من أكبر مستورد للنفط إلى أكبر منتج له في العالم، تلعب دوراً مزدوجاً ومتناقضاً في هذه المعادلة. فمن جهة، تريد واشنطن أسعاراً منخفضة تُخفّض تكلفة البنزين للمستهلك الأمريكي، وهي قضية انتخابية بامتياز، ومن جهة أخرى، تحتاج إلى أسعار مرتفعة بما يكفي لضمان ربحية صناعة النفط الصخري التي تُوظّف مئات الآلاف في ولايات مفتاحية كتكساس ونيو مكسيكو وداكوتا الشمالية. هذا التناقض يجعل الموقف الأمريكي غامضاً، فالإدارة الحالية تُطالب أوبك+ بزيادة الإنتاج علناً بينما تستفيد ضمنياً من الأسعار المرتفعة التي تُنعش قطاع الطاقة المحلي وتُعزز الصادرات الأمريكية من الغاز المسال إلى أوروبا وآسيا.

المفارقة الكبرى أن الولايات المتحدة، التي طالما انتقدت أوبك واعتبرتها كارتلاً احتكارياً يتلاعب بالأسعار، باتت هي ذاتها أكبر لاعب مؤثر في أسواق النفط العالمية. فالاحتياطي الاستراتيجي الأمريكي الذي يُستخدم كأداة لإدارة الأسعار، والعقوبات المفروضة على إيران وفنزويلا وروسيا التي تُقلّص المعروض العالمي، والسياسات الضريبية التي تُشجّع أو تُثبّط إنتاج النفط الصخري، كل هذه أدوات تتحكّم بها واشنطن وتؤثر في السوق بقدر لا يقل عن تأثير قرارات أوبك+ ذاتها. في هذه اللعبة المعقّدة، تبدو تخفيضات أوبك+ كحجر واحد على رقعة شطرنج مزدحمة بالحجارة المتحركة.

ما وراء الأفق: سيناريوهات المستقبل القريب

ثمة ثلاثة سيناريوهات رئيسية تتنافس على رسم مستقبل أسواق النفط في المدى القريب. السيناريو الأول، والأكثر تفاؤلاً لأوبك+، يفترض أن تنجح التخفيضات في رفع الأسعار إلى نطاق 85-90 دولاراً مع تعافي الطلب الصيني وتباطؤ نمو الإنتاج الأمريكي بسبب نضوب أفضل المواقع الجيولوجية. السيناريو الثاني يرسم صورة لاستقرار هش عند مستوى 70-80 دولاراً، حيث تنجح التخفيضات جزئياً لكنها تُقابَل بزيادة في الإنتاج من خارج أوبك+ وبتباطؤ في نمو الطلب. أما السيناريو الثالث، والأكثر قتامة، فيتصوّر انهيار التحالف تحت وطأة الغش المتبادل وتراجع الأسعار إلى ما دون 60 دولاراً، مما يُعيد إلى الأذهان كابوس عام 2020. كل سيناريو يحمل تداعيات مختلفة على الاقتصادات العربية والعالمية، وكل سيناريو يعتمد على متغيرات يصعب التنبؤ بها، من مسار الحرب في أوكرانيا إلى سرعة التحوّل الطاقوي إلى مزاج المستهلك الصيني.

خاتمة: حين يصبح النفط أداة لإدارة الانحدار

في نهاية المطاف، ربما يكون السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت تخفيضات أوبك+ ستنجح في رفع الأسعار، فهي غالباً ستُحقق أثراً مؤقتاً، بل ما إذا كانت هذه التخفيضات تُمثّل استراتيجية مستدامة في عالم يتحوّل بنيوياً بعيداً عن الوقود الأحفوري. الإجابة، على الأرجح، هي لا. فما نشهده اليوم هو إدارة للانحدار لا مقاومة له، محاولة لإبطاء التراجع وكسب الوقت بدلاً من عكس المسار. الدول العربية المنتجة للنفط التي تُدرك هذه الحقيقة وتستثمر في تنويع اقتصاداتها ستخرج من هذا التحوّل أقوى مما دخلته، أما تلك التي تتوهّم أن النفط سيبقى ملك الطاقة إلى الأبد فإنها تُراهن على حصان متعب في سباق طويل. التاريخ لا يرحم من يتجاهل إشاراته، وإشارات التحوّل الطاقوي باتت أوضح من أن تُنكر وأسرع من أن تُتجاهل.

حسام بعكة

حسام بعكة

كاتب ومحلل اقتصادي متخصص في شؤون الشرق الأوسط والاقتصاد العالمي. يقدم تحليلات معمّقة تربط بين الجيوسياسة والأسواق والتحولات الاقتصادية الكبرى.

المزيد عن الكاتب

مقالات ذات صلة