في عام 1973، حين قرر الملك فيصل رحمه الله قطع النفط عن الغرب دعمًا لمصر وسوريا في حرب أكتوبر، كانت الرياض تتصرف منفردةً، قوةً خليجية تمتلك سلاح الطاقة وتستخدمه باقتدار. لم يكن ثمة شريك روسي يجلس إلى الطاولة، ولم تكن هناك قواعد جماعية يجب احترامها. اليوم، المشهد مختلف جذريًا: الرياض وموسكو، المتنافستان تاريخيًا والمتناقضتان ثقافيًا وجيوسياسيًا، تُديران معًا أكبر تجمع لمنتجي النفط في العالم، أوبك+ الذي يُنتج 40% من النفط العالمي. لكن خلف الكواليس المُصقلة لاجتماعات فيينا، وبعيدًا عن البيانات المشتركة التي تُصاغ بعناية دبلوماسية، تتكشّف خلافات عميقة وشقوق متسعة حول مستقبل أسواق الطاقة ومن يدفع الثمن ومن يجني الأرباح.
هذا التحالف الذي أذهل العالم حين وُلد عام 2016، يواجه اليوم اختبار البقاء الأصعب في تاريخه القصير. فالظروف التي أوجدته تغيّرت، والحسابات التي جمعت الرياض وموسكو باتت تتشقق تحت وطأة ضغوط متعددة ومتزايدة، من حرب أوكرانيا إلى التحول الطاقوي، ومن الطموحات السعودية في رؤية 2030 إلى الاحتياجات الروسية العاجلة لتمويل ماكينة الحرب.
ولادة التحالف: عندما جمعت الكارثة الأعداء
حين انهارت أسعار النفط في عام 2015-2016 إلى ما دون 30 دولارًا للبرميل، وهو مستوى كان بمثابة كارثة اقتصادية لكلا البلدين، وجدت السعودية وروسيا، المتنافستان تاريخيًا على حصص السوق وعلى النفوذ الجيوسياسي في الشرق الأوسط، نفسيهما أمام خيار واحد: التعاون أو الغرق معًا في بحر من الأسعار المتدهورة. كانت لحظة براغماتية بامتياز، لا مشاعر ولا ثقة، فقط حسابات مصالح باردة أملت التقارب. فكان ميلاد تحالف أوبك+ الذي ضمّ في نهاية المطاف 23 دولة منتجة وأعاد الانضباط إلى سوق كانت تتدهور بلا قاع يُوقف السقوط.
الإنجاز كان حقيقيًا ولا يمكن الاستهانة به: ارتفعت الأسعار من ما دون 30 دولارًا إلى ما فوق 80 دولارًا في فترة وجيزة نسبيًا، وأُعيد رسم توقعات السوق العالمية بصورة ساهمت فيها حصص التخفيض التي التزم بها أعضاء التحالف بدرجات متفاوتة. وقد أثبتت الشراكة مرونةً حين تعرّضت للاختبار في جائحة 2020، حيث تفككت مؤقتًا ثم عادت بأكثر قوةً وانضباطًا. لكن ما يجمعه الخوف من الخسارة لا يصمد بالضرورة أمام إغراءات الربح والمصالح الاستراتيجية المتباينة حين يتحسن المشهد.
لفهم الشقوق الراهنة، لا بد من فهم المعادلة الأساسية التي أوجدت التحالف: كلا الطرفين كان خاسرًا في مواجهة النفط الصخري الأمريكي الذي يملأ السوق بمرونة عالية كلما ارتفعت الأسعار. الحل كان التنسيق لرفع الأسعار مع قبول بعض الخسارة في الحصة السوقية. لكن الشيطان، كما هو دائمًا، يكمن في التفاصيل: من يتحمل أكبر قدر من التخفيضات؟ ومن يخرق الحصص حين تدعو الحاجة؟ هذان السؤالان يقعان في قلب كل توتر في العلاقة السعودية-الروسية.
تناقض المصالح: موسكو تريد الضخ والرياض تريد السعر
جوهر الخلاف بسيط في صياغته وعميق في تداعياته: موسكو تحتاج إلى ضخ أكبر كمية ممكنة من النفط، بأي سعر وفي أي سوق متاحة، لتمويل حربها المستنزِفة في أوكرانيا وموازنتها الفيدرالية المُثقلة بالعقوبات الغربية والمتضخمة بالإنفاق العسكري. الأرقام صادمة: وصل الإنفاق الدفاعي الروسي إلى نحو 7% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2024، أعلى مستوياته منذ الحقبة السوفيتية، مما يستدعي تدفقات نقد أجنبي مستمرة لا يمكن توفيرها إلا عبر مبيعات النفط والغاز.
الرياض، في المقابل، تحتاج أسعارًا مرتفعة أكثر مما تحتاج حجم إنتاج مرتفعًا. مشاريع رؤية 2030 العملاقة، نيوم بتكاليفها التي تتخطى 500 مليار دولار، وذا لاين وأبراج مشاريع البحر الأحمر ومشروع القدية وعشرات المبادرات الأخرى، تتطلب أسعارًا لا تقل عن 80 دولارًا للبرميل لتحقيق التوازن في موازنة المملكة وفق تقديرات صندوق النقد الدولي، وقد تحتاج أكثر من ذلك حين تُحسب تكاليف التنويع الاقتصادي الضخمة. هذا التناقض البنيوي في احتياجات الطرفين، حجم الإنتاج للروس، وارتفاع الأسعار للسعوديين، هو الجرح الذي لا يلتئم في العلاقة بينهما.
هذا التناقض يتفاقم بشكل ملموس مع كل اجتماع. روسيا تتجاوز حصتها الإنتاجية بشكل متكرر وموثّق، وإن كانت موسكو تُجادل أحيانًا بأن التجاوز يعود لصعوبات تقنية في خفض الإنتاج بسرعة لا إلى قرار متعمد. والرياض ترد على هذا التجاوز بخفض طوعي إضافي وحيد الجانب، أي أنها تتحمل تكاليف الانضباط التي لا يلتزم بها شريكها الروسي. المعادلة غير متوازنة بوضوح، والصبر السعودي، مهما بدا واسعًا في الخطاب الرسمي، يُحدّ بحسابات اقتصادية لا تعرف المجاملات.
الصين: اللاعب الثالث الذي يُعيد تشكيل المعادلة
تبقى الصين العامل الحاسم في هذه المعادلة الثلاثية المعقدة، الطرف الذي يقف في الخلفية لكن يملك القدرة على تغيير توجه الكل. فبكين هي المشتري الأكبر لنفط البلدين على حدٍّ سواء، وتستغل المنافسة بينهما باحترافية عالية للحصول على أفضل الأسعار والشروط. النفط الروسي يُباع إلى الصين، والهند وتركيا أيضًا، بخصومات كبيرة تتراوح بين 15 و25 دولارًا عن سعر السوق بسبب العقوبات الغربية وضرورة إيجاد مشترين بديلين. هذه الخصومات تضغط بصورة مباشرة على الحصة السعودية في أهم أسواق النمو في العالم، وهو أمر لا تستطيع الرياض تجاهله.
هذا المثلث، الرياض وموسكو وبكين، يُعيد تشكيل جغرافيا الطاقة العالمية بعيدًا عن الأضواء، وربما بصورة أكثر عمقًا مما يدركه معظم المحللين الغربيين المنشغلين بسرديات التنافس بين النفط الأحفوري والطاقة المتجددة. الصين، الدولة التي تستهلك أكثر من 15% من النفط العالمي وتمثّل المحرك الأكبر للطلب المستقبلي، في موقع مريح جدًا: تُحيّد بقدرتها الشرائية أي قرار أوبكي، وتحصل على خصومات روسية، وتُبرم صفقات طويلة الأجل مع الخليج، وتبني احتياطيات استراتيجية ضخمة حين تنخفض الأسعار. بكين تلعب شطرنج الطاقة بحريتين على الأقل، وهذه الحرية تأتي على حساب قدرة أوبك+ على إدارة السوق.
والخاسر الأكبر في هذه اللعبة المثلثية قد يكون مبدأ التعاون نفسه، تلك الفكرة النبيلة التي تقول إن المنتجين الكبار يمكنهم الاتفاق لمصلحتهم المشتركة. فإذا قررت إحدى العواصم أن المنافسة المفتوحة أجدى من التنسيق المُكلف، تنهار المنظومة بأسرها في لحظة.
أوكرانيا كعامل تسريع للانهيار
لفهم حجم التحديات التي تواجه تحالف أوبك+، لا بد من استيعاب أثر الحرب الروسية على أوكرانيا بوصفه عاملًا تسريعيًا للتوترات البنيوية القائمة. فحين فرض الغرب عقوباته على النفط الروسي في 2022-2023، وجد التحالف نفسه في وضع شاذ لا سابق له: أحد أعضائه الرئيسيين يبيع نفطه بخصومات كبيرة في أسواق بديلة، مما يُثير تساؤلات جدية حول جدوى الاتفاقية الجماعية برمتها.
موسكو في وضع يدفعها إلى الحاجة لإنتاج أكبر كمية ممكنة من النفط وبيعها بأسرع وقت ممكن وبأي سعر متاح، ليس بدافع الجشع بل بدافع الضرورة الحربية. هذا الواقع يجعل التزامها الكامل بحصص التخفيض، التي تعني أرباحًا أقل وتدفقات نقدية أدنى، ضربًا من الترف الذي لا تستطيع موسكو في حالتها الراهنة تحمّله. ولهذا تتكرر خروقات الحصص الروسية في كل فصل تقريبًا، مع وعود بالتعويض لاحقًا لا يتحقق منها الكثير.
السعودية، بدورها، تجد نفسها تدفع تكاليف سياسة روسية لا تستطيع السيطرة عليها. كل خفض سعودي طوعي إضافي يرفع الأسعار، يُتيح لروسيا بيع مزيد من النفط بأسعار أفضل، أي أن الرياض تُدعم موسكو اقتصاديًا بطريقة غير مباشرة في حرب تُعلن الرياض رسميًا حيادها منها. هذه المعادلة المقلوبة بدأت تُثير تساؤلات جدية داخل الدوائر السياسية السعودية.
سيناريو الانهيار: حرب أسعار جديدة على الأفق؟
يستحضر المحللون بقلق متزايد شبح مارس 2020، حين انفجرت حرب أسعار سعودية-روسية مروّعة أغرقت السوق بالإنتاج وأوصلت أسعار العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط إلى مستويات سلبية قياسية لأول مرة في التاريخ، وهو حدث اعتُبر آنذاك ظاهرةً عابرة، لكنه كشف عن هشاشة التوازن في سوق النفط بصورة غير مسبوقة. تكرار هذا السيناريو بات واردًا من الناحية الاحتمالية إذا تآكل الالتزام الروسي بالتخفيضات بشكل لا يمكن تجاهله، أو إذا قررت الرياض أن تحمّل تكاليف الانضباط وحدها لم يعد منطقيًا بعد الآن.
لكن العالم تغيّر تغيّرًا جوهريًا منذ مارس 2020، مما يُعقّد حسابات أي حرب أسعار مستقبلية. التحول الطاقوي يتسارع في أوروبا وأمريكا الشمالية، مع مليارات الدولارات تتدفق سنويًا نحو الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية. والنفط الصخري الأمريكي طوّر مرونةً عملياتية تمكّنه من ملء أي فراغ ناجم عن انخفاض أسعار التعادل، وهو ما يعني أن حرب أسعار جديدة ستُتيح للمنتجين الأمريكيين غير المُقيّدين باتفاقيات التنسيق من استعادة حصصهم السوقية. وبعض التحليلات المتشائمة تُشير إلى أن الطلب العالمي على النفط قد يبلغ ذروته في غضون هذا العقد، مما يعني أن حرب أسعار جديدة لن تُؤلم المنافسين فحسب، ستُعجّل بنهاية عصر النفط نفسه وتُسرّع التحول نحو البدائل.
مستقبل التحالف: الصمود أم التفكك بهدوء؟
المؤسسات تتشقق في الغالب بهدوء قبل أن تنهار بضجيج. وأوبك+ لن تنفجر على الأرجح في يوم واحد، بل ستتآكل تدريجيًا عبر خروقات متكررة لا يُعاقب عليها، ووعود بالتعويض لا يُوفَّى بها، وانعدام في الثقة يتراكم فصلًا بعد فصل. الشراكة السعودية-الروسية التي صنعها الخوف من انهيار الأسعار ستظل قائمةً ما دام الخوف المشترك موجودًا، لكنها ستكون أضعف وأقل فاعلية وأكثر تعقيدًا في إدارتها.
والسؤال الحقيقي ليس: هل سينهار تحالف أوبك+؟ بل: ما البديل؟ وهل يمكن لسوق النفط أن يُدار دون هذا التنسيق في عالم شهد ثلاث صدمات سعرية كبرى في العقد الأخير؟ الإجابة الأمينة هي أن لا أحد يعرف، ما يعرفه الجميع هو أن معادلة 2016 التي أوجدت التحالف لم تعد صالحة في 2026. فالطرفان تغيّرا، والسوق تغيّر، والعالم تغيّر. والتحالف الذي لا يتكيّف مع التغيير لا يبقى إلى الأبد.
الطاقة في القرن الحادي والعشرين ليست مجرد سلعة، إنها لغة قوة وأداة دبلوماسية وورقة ضغط جيوسياسي. وحين يتصدّع التحالف الذي يُدير أكثر من ثلث إنتاج النفط العالمي، تتزعزع معه معادلات الطاقة والقوة العالمية في آنٍ واحد.
الطاقة المتجددة: السيف الذي يُهدد عروش النفط
أحد أكثر التطورات إرباكًا للتحالف السعودي-الروسي هو ذلك العدو غير المرئي الذي لا يجلس على طاولة أوبك+ ولا يُرسل مندوبين إلى فيينا: الطاقة المتجددة والثورة التكنولوجية التي تُعيد رسم جغرافيا الطاقة العالمية بصورة أكثر عمقًا مما تُدركه موسكو أو الرياض في أحيان كثيرة. فمبيعات السيارات الكهربائية تتسارع بوتيرة فاقت توقعات وكالة الطاقة الدولية بمراحل، وصلت حصة السيارات الكهربائية إلى أكثر من 20% من إجمالي مبيعات السيارات العالمية في 2024، مقارنةً بأقل من 5% قبل خمس سنوات فحسب. كل سيارة كهربائية إضافية تعني تراجعًا في الطلب على النفط يُقدَّر بـ 1.5 برميل سنويًا، وهي أرقام تتراكم وتتضخم مع كل موسم.
الصين، تلك القوة التي يتنافس الجميع على رضاها، أصبحت المنتج الأكبر للطاقة الشمسية وطاقة الرياح في العالم، وتسعى إلى تقليص اعتمادها على النفط المستورد بدافع الأمن القومي لا بدافع البيئة وحده. وحين تنجح الصين في هذا المسعى، وهو مسعى استراتيجي بامتياز، يجد منتجو النفط في الخليج وروسيا أنفسهم أمام تراجع هيكلي في الطلب لا يمكن لأي قرار أوبكي أن يُوقفه أو يعكسه.
هذا التهديد الوجودي يجب أن يُعيد تأطير النقاش حول أوبك+: فبدلًا من التساؤل عن مدى صمود التحالف أمام التوترات الداخلية بين الرياض وموسكو، ربما يجب أن نتساءل: هل سيصمد النموذج النفطي برمّته أمام ثورة الطاقة المتجددة؟ والجواب على هذا السؤال لن يُقرَّر في اجتماعات فيينا، بل في مصانع البطاريات في شنغهاي ومختبرات الهيدروجين في أمستردام ومزارع الرياح في تكساس.
مستقبل التحالف: بين الإصلاح والانهيار الهادئ
المؤسسات تتشقق في الغالب بهدوء قبل أن تنهار بضجيج. وأوبك+ لن تنفجر على الأرجح في يوم واحد، بل ستتآكل تدريجيًا عبر خروقات متكررة لا يُعاقب عليها، ووعود بالتعويض لا يُوفَّى بها، وانعدام في الثقة يتراكم فصلًا بعد فصل حتى يبلغ حدًا لا يمكن تجاوزه. الشراكة السعودية-الروسية التي صنعها الخوف من انهيار الأسعار ستظل قائمةً ما دام الخوف المشترك موجودًا، لكنها ستكون أضعف وأقل فاعليةً في كل دورة.
الإصلاح الحقيقي للتحالف يتطلب ما لا تملكه أي من عواصمه الرئيسية: الاستعداد لتقاسم التكاليف بصورة عادلة، والتخلي عن الإغراء الفوري لكسر الحصص حين تضيق الحاجة، والتفكير الاستراتيجي بعيد المدى الذي يتجاوز الأفق الانتخابي والبيانات الفصلية. وهذه متطلبات تصعب تحقيقها في عالم تتسارع فيه الأزمات وتتضاءل فيه هامش الصبر السياسي.
في نهاية المطاف، تبقى الحقيقة التي يتجنب الجميع النطق بها: أن تحالف أوبك+ ليس مؤسسةً تقوم على قيم مشتركة أو رؤية مستقبلية موحدة، إنه ترتيب مصالح هش يتجدد مع كل أزمة، ويتصدع مع كل انتعاش. والاقتصاد العالمي في مرحلة انتقال جوهري ستُعاد فيه بطاقات الطاقة كلها. والسؤال الحقيقي ليس: هل سيبقى التحالف؟ بل: من سيُحسن التموضع حين تحلّ اللحظة الكبرى؟
