في اجتماعات فيينا المُغلقة، حيث تتقرر مصائر أسواق الطاقة العالمية خلف أبواب موصدة، ثمة طقس لم يتغيّر منذ عقود: الوزراء يبتسمون للكاميرات، ويصافحون بحرارة مُصطنعة، ويُصدرون بيانات مشتركة مُصاغة بعناية دبلوماسية لا تقول شيئًا ذا معنى. لكن في ديسمبر 2023، حدث ما كسر هذا الطقس ، وزير الطاقة الأنغولي أعلن انسحاب بلاده من أوبك احتجاجًا على خفض حصتها الإنتاجية، في مشهد كان أشبه بصفعة علنية على وجه التحالف. لم تكن أنغولا لاعبًا كبيرًا، لكن رحيلها كان إشارة لا تُخطئها العين: التصدعات التي حاول الجميع إخفاءها باتت تطفو على السطح. والسؤال الذي يشغل كل متداول في أسواق الطاقة ليس ما إذا كان تحالف أوبك+ سينهار، بل متى وكيف.
لكن ، وهنا تأتي الأطروحة المضادة التي يتجاهلها معظم المحللين المتعجّلين ، ثمة حجة قوية بأن هذا التحالف قد يكون أكثر صلابةً مما يبدو. فالتاريخ يُعلّمنا أن المؤسسات التي يحتاجها أعضاؤها بشدة تنجو من أزمات تبدو قاتلة. في 1973، حين استخدم الملك فيصل سلاح النفط منفردًا لدعم مصر وسوريا في حرب أكتوبر، كانت السعودية تتصرف بقوة أحادية لا تحتاج إلى شريك. اليوم المشهد مختلف جذريًا: لا الرياض تستطيع إدارة السوق وحدها في مواجهة النفط الصخري الأمريكي، ولا موسكو تستطيع بيع نفطها بأسعار معقولة دون مظلة التنسيق الجماعي. كلاهما يحتاج الآخر أكثر مما يعترف ، وهذه الحاجة المتبادلة هي الصمغ الذي يمنع التفكك الكامل.
تحالف يضم 13 دولة عضوًا في منظمة أوبك التقليدية إلى جانب 10 دول منتجة بقيادة روسيا. تأسس في 2016 لتنسيق سياسات الإنتاج النفطي بهدف ضبط الأسعار العالمية، ويسيطر على نحو 40% من الإنتاج العالمي للنفط.
حرب الأسعار التي علّمت الجميع: شبح 2020 الذي لا يُنسى
لفهم لماذا قد يصمد التحالف رغم كل التوترات، يجب أن نعود إلى مارس 2020 ، اللحظة التي كاد فيها كل شيء أن ينهار. حين فشلت المفاوضات بين الرياض وموسكو، قررت السعودية فتح صنابير النفط بالكامل، ورفعت إنتاجها من 9.7 مليون برميل يوميًا إلى 12.3 مليون. روسيا ردّت بالمثل. والنتيجة كانت كارثية على الجميع: أسعار خام غرب تكساس الوسيط WTI هبطت إلى ما دون الصفر لأول مرة في التاريخ ، نعم، كان على البائعين أن يدفعوا للمشترين ليأخذوا النفط منهم. هذه الصدمة النفسية والاقتصادية تركت أثرًا لا يُمحى في ذاكرة صانعي القرار في الرياض وموسكو على حدٍّ سواء. لا أحد يريد تكرار تلك الكارثة. لا أحد.
الدرس الذي استخلصه الطرفان كان واضحًا وقاسيًا: في عالم يملأه النفط الصخري الأمريكي ، الذي يُنتج بمرونة عالية ويملأ أي فراغ تتركه التخفيضات ، لا يمكن لأي منتج أن ينتصر في حرب أسعار. الانتصار الوحيد الممكن هو التنسيق، مهما كان مُكلفًا ومُحبطًا. هذا الدرس هو ما يجعل التحالف أقوى من مجموع أجزائه ، ليس لأن أعضاءه يحبون بعضهم، بل لأن البديل أسوأ بمراحل. والحاجة المتبادلة، لا الثقة المتبادلة، هي ما يبني المؤسسات الأكثر ديمومة في التاريخ.
لكن الحجة المقابلة لا تقل قوة: نعم، الجميع يتذكر 2020، لكن الذاكرة تبهت مع الزمن. وحين تتغير الظروف بصورة جوهرية ، حرب في أوكرانيا تستنزف روسيا، وتحول طاقوي يُهدد الطلب على النفط، وطموحات سعودية عملاقة تحتاج تمويلًا لا ينقطع ، فإن حسابات المصلحة التي جمعت الطرفين قد تنقلب إلى حسابات تُفرّقهما. التحالف يُشبه زواجًا قائمًا على المصلحة: يصمد ما دامت المصلحة متوازنة، ويتزعزع حين يشعر أحد الطرفين أنه يدفع أكثر مما يأخذ.
- 1973الملك فيصل يستخدم سلاح النفط منفردًا في حرب أكتوبر
- 2016تأسيس تحالف أوبك+ بمشاركة روسيا لأول مرة
- مارس 2020انهيار المفاوضات وحرب أسعار سعودية-روسية ، أسعار WTI تهبط دون الصفر
- أبريل 2020اتفاق تاريخي لخفض الإنتاج 9.7 مليون برميل يوميًا
- ديسمبر 2023انسحاب أنغولا من أوبك احتجاجًا على حصتها الإنتاجية
الأطروحة: لماذا قد يصمد التحالف رغم كل شيء
المُدافعون عن صلابة التحالف يملكون حججًا لا يمكن تجاهلها. أولًا، الإنفاق الدفاعي الروسي بلغ مستويات قياسية ، ما بين 7.2% و7.3% من الناتج المحلي الإجمالي، أي نحو 186 مليار دولار، وهو أعلى مستوى منذ الحقبة السوفيتية. هذا يعني أن موسكو تحتاج كل دولار من عائدات النفط، وأي انهيار في الأسعار ناجم عن تفكك أوبك+ سيكون كارثيًا لآلة الحرب الروسية. ثانيًا، السعودية تحتاج أسعارًا لا تقل عن 80 دولارًا للبرميل لتمويل رؤية 2030 ، نيوم وذا لاين والقدية وعشرات المشاريع العملاقة. بدون التنسيق مع روسيا وبقية أوبك+، ستهبط الأسعار إلى مستويات تُعرقل كل هذه الخطط. ثالثًا، الصين ، المشتري الأكبر لنفط البلدين ، تستفيد من استقرار الأسعار ولن تدعم أي طرف يُشعل حرب أسعار جديدة.
والحجة الأقوى تأتي من المنطق البنيوي: حتى مع كل الخروقات الموثقة ، معدل الامتثال الإجمالي 67% فقط، روسيا عند 65%، العراق عند 54%، كازاخستان عند 61% ، يبقى التأثير الصافي لتخفيضات أوبك+ إيجابيًا على الأسعار. النظام لا يحتاج أن يكون مثاليًا ليكون فعالًا. يكفي أن يكون أفضل من البديل ، وهو الفوضى الكاملة. هذا هو المنطق الذي حكم كل تحالفات المنتجين عبر التاريخ: لا يحتاج كل عضو أن يلتزم بحرفية الاتفاق، يكفي أن يلتزم الأغلبية بما يكفي لتحقيق الحد الأدنى من التأثير المطلوب.
حاجة روسيا لتمويل الحرب بـ186 مليار دولار دفاعيًا ، حاجة السعودية لأسعار 80 دولارًا لتمويل رؤية 2030 ، ذاكرة كارثة 2020 ، دعم بكين لاستقرار الأسعار
خصم أورال بلغ 32.40 دولارًا ، امتثال إجمالي 67% فقط ، تسارع التحول الطاقوي ، مبيعات السيارات الكهربائية تجاوزت 20% عالميًا
هناك بُعد آخر يتجاهله المتشائمون: العلاقة الشخصية بين ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس الروسي فلاديمير بوتين. السياسة في الشرق الأوسط وروسيا تبقى شخصية بدرجة كبيرة، والعلاقة بين القائدين ، رغم كل التوترات البنيوية ، وفّرت مرارًا شبكة أمان سياسية حالت دون تحوّل الخلافات التقنية إلى قطيعة استراتيجية. هذه الديناميكية الشخصية ليست ضمانة أبدية، لكنها عامل استقرار لا يمكن إغفاله في حسابات المدى القريب والمتوسط.
الفارق بين سعر خام الأورال الروسي وسعر خام برنت القياسي. يعكس هذا الخصم تأثير العقوبات الغربية على قدرة روسيا على بيع نفطها بالسعر العالمي، حيث بلغ ذروته عند 32.40 دولارًا للبرميل في فبراير 2023.
نقيض الأطروحة: لماذا قد ينهار كل شيء
لكن المتشككين يملكون أسلحتهم أيضًا. خصم الأورال Urals discount ، الفارق بين سعر النفط الروسي والأسعار العالمية ، بلغ ذروته عند 32.40 دولارًا للبرميل في فبراير 2023، مما يعني أن روسيا كانت تبيع نفطها بخسارة فادحة مقارنةً بالسعر المرجعي. هذا الخصم تراجع لاحقًا لكنه يبقى مؤشرًا على واقع لا يمكن إنكاره: روسيا تحتاج إلى ضخ أكبر كمية ممكنة لتعويض الخسارة في السعر. كل برميل إضافي تضخه روسيا فوق حصتها يُقوّض فعالية التخفيضات التي تتحملها السعودية طوعيًا وبشكل أحادي الجانب ، معادلة غير عادلة لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية.
والأخطر من ذلك هو التحول الطاقوي الذي يتسارع بوتيرة فاقت كل التوقعات. مبيعات السيارات الكهربائية تجاوزت 20% من إجمالي مبيعات السيارات العالمية في 2024 ، وكل سيارة كهربائية تُباع تعني تراجعًا في الطلب على النفط يُقدَّر بنحو 1.5 برميل سنويًا. الصين، المحرك الأكبر للطلب العالمي على النفط، أصبحت في الوقت ذاته المنتج الأكبر للطاقة الشمسية وطاقة الرياح والسيارات الكهربائية في العالم. بكين تبني مستقبلًا أقل اعتمادًا على النفط ، وهذا وحده يُعيد رسم كل حسابات أوبك+ على المدى البعيد. حين يبلغ الطلب العالمي على النفط ذروته ، وبعض التقديرات تضعها في هذا العقد ، فإن المنتجين سيتنافسون على حصة في سوق تتقلص، وهذا هو السيناريو الذي لا ينجو منه أي تحالف.
ثم هناك المثلث الصيني الذي يُعقّد كل شيء. بكين هي المشتري الأكبر لنفط البلدين، وتستغل التنافس بينهما ببراعة للحصول على أفضل الأسعار والشروط. النفط الروسي يُباع للصين بخصومات كبيرة بسبب العقوبات ، وهذه الخصومات تضغط مباشرةً على الحصة السعودية في أهم سوق نمو في العالم. الصين تلعب شطرنج الطاقة بحرية لا يملكها أي طرف آخر: تُحيّد قدرة أوبك+ على التحكم في الأسعار، وتبني احتياطيات استراتيجية حين تنخفض الأسعار، وتُسرّع تحولها نحو الطاقة النظيفة في الوقت ذاته. هذه المعادلة الثلاثية ، الرياض وموسكو وبكين ، تُعيد تشكيل جغرافيا الطاقة العالمية بصورة أعمق مما يُدركه معظم المحللين.
أوكرانيا: المُحفّز الذي غيّر كل الحسابات
الحرب الروسية على أوكرانيا هي العامل الذي حوّل التوترات البنيوية في التحالف من خلافات قابلة للإدارة إلى تناقضات قد تكون غير قابلة للحل. موسكو في وضع يدفعها إلى الحاجة لإنتاج أكبر كمية ممكنة من النفط بأي سعر ، ليس بدافع الجشع بل بدافع الضرورة الحربية الوجودية. 186 مليار دولار من الإنفاق الدفاعي تحتاج تمويلًا مستمرًا لا ينقطع. هذا الواقع يجعل التزام روسيا بتخفيضات أوبك+ ضربًا من الترف الذي لا تستطيع موسكو تحمّله في حالتها الراهنة. ولهذا تتكرر الخروقات ، مع وعود بالتعويض لاحقًا لا يتحقق منها الكثير.
السعودية تجد نفسها في موقف مُحرج: كل خفض سعودي طوعي إضافي يرفع الأسعار ويُتيح لروسيا بيع مزيد من النفط بأسعار أفضل. أي أن الرياض تُدعم موسكو اقتصاديًا بصورة غير مباشرة في حرب تُعلن السعودية حيادها منها رسميًا. هذه المعادلة المقلوبة بدأت تُثير تساؤلات جدية في دوائر القرار السعودية. والصبر السعودي ، مهما بدا واسعًا في الخطاب الرسمي ، محدود بحسابات اقتصادية صارمة لا تعرف المجاملة. السؤال ليس ما إذا كان الصبر سينفد، بل متى.
لكن ، وهذا ما يغفله كثيرون ، الحرب في أوكرانيا تُعزز أيضًا حاجة روسيا إلى التحالف. فبدون مظلة أوبك+ التي تمنح خفض الإنتاج شرعية جماعية، ستجد روسيا نفسها تُخفّض إنتاجها تحت ضغط العقوبات وحدها ، وهو وضع أضعف بكثير من الخفض الطوعي المُنسّق. التحالف يمنح موسكو غطاءً دبلوماسيًا وورقة تفاوضية مع بكين ونيودلهي وأنقرة لا تملكها خارجه. هذا هو التناقض في قلب الموقف الروسي: موسكو تحتاج أوبك+ لكنها لا تستطيع الالتزام بقواعده ، والتحالف يحتاج روسيا لكنه لا يستطيع إجبارها على الامتثال.
مفارقة الاستقرار: لماذا يحتاج الطرفان بعضهما أكثر مما يعترفان
هنا تأتي الأطروحة المضادة التي يتجنبها معظم المحللين: أوبك+ قد يكون أكثر استقرارًا مما تتوقع الأسواق ، ليس لأن أعضاءه يتفقون، بل تحديدًا لأنهم لا يتفقون لكنهم يحتاجون بعضهم بشدة. هذا التناقض هو ما يمنح التحالف مرونته الغريبة. فكل أزمة بين الرياض وموسكو تنتهي بتسوية، لأن البديل ، الفوضى الكاملة ، أسوأ لكليهما. وكل خرق روسي للحصص يُقابل بتعديل سعودي، لأن الرياض تعرف أن تكلفة التعديل أقل من تكلفة الانهيار. والصين، رغم أنها تستفيد من التنافس، لا تريد انهيار أسعار النفط الذي سيُزعزع اقتصادات حلفائها في الخليج وروسيا.
القياس التاريخي مع حظر 1973 يكشف المفارقة: الملك فيصل استطاع التصرف منفردًا لأنه لم يكن بحاجة إلى شريك ، السعودية كانت تملك حصة كافية من السوق لتؤثر وحدها. اليوم، لا أحد يملك هذه القدرة الأحادية. النفط الصخري الأمريكي يملأ أي فراغ بمرونة مذهلة. والتنويع في مصادر الطاقة يُقلّل تأثير أي منتج بمفرده. النتيجة المنطقية: التنسيق الجماعي ليس خيارًا بل ضرورة بنيوية ، وهذه الضرورة أقوى من أي خلاف ثنائي مهما بلغت حدّته.
مستقبل النفط: بين ذروة الطلب ونهاية العصر
لكن كل هذا النقاش حول صمود التحالف أو انهياره يتجاهل السؤال الأعمق: هل سيبقى النفط مهمًا بما يكفي ليستحق القتال عليه؟ التحول الطاقوي ليس مؤامرة غربية ، إنه واقع اقتصادي وتكنولوجي يتسارع بقوته الذاتية. تكلفة الطاقة الشمسية انخفضت بنسبة تتجاوز 90% خلال عقد واحد. بطاريات السيارات الكهربائية باتت أرخص بنسبة 80% مما كانت عليه في 2015. والصين تُنتج سيارات كهربائية بأسعار تنافسية لم يكن أحد يتخيلها قبل خمس سنوات. كل هذه التطورات تأكل من الطلب على النفط بهدوء وثبات ، وحين يبلغ الطلب ذروته، تنقلب معادلة أوبك+ رأسًا على عقب. بدلًا من التنسيق لرفع الأسعار، سيصبح السؤال: من ينتج آخر برميل قبل أن ينتهي العصر؟
المفارقة النهائية أن التحالف الذي أنقذ أسواق النفط أكثر من مرة قد يكون، في النهاية، أكبر عقبة أمام التكيّف مع المستقبل. فبقاء الأسعار مرتفعة بفضل تخفيضات أوبك+ يُسرّع الاستثمار في البدائل ويجعل السيارات الكهربائية أكثر جاذبية ويُشجّع الحكومات على فرض ضرائب الكربون. التحالف ينجح في المدى القصير لكنه يُعجّل بنهايته في المدى البعيد ، وهذا هو التناقض الأعمق الذي لا يملك أحد في فيينا إجابة عليه.
في نهاية المطاف، مصير أوبك+ لن يُقرَّر في غرف الاجتماعات الفخمة في فيينا، بل في مصانع البطاريات في شنغهاي ومختبرات الهيدروجين في أمستردام وحقول النفط الصخري في تكساس. الطاقة في القرن الحادي والعشرين ليست مجرد سلعة ، إنها لغة قوة ومفتاح سيادة. وحين يتغير مصدر الطاقة، يتغير ميزان القوة بأسره. والتحالفات التي لا تتكيّف مع التحولات الكبرى لا تموت بضجيج ، تذوي بهدوء حتى يكتشف الجميع أنها رحلت دون أن يلاحظ أحد.
