حين أعلن محمد بن سلمان عن مشروع نيوم في عام 2017، بدت الفكرة أقرب إلى الخيال العلمي منها إلى الواقع، مدينة مستقبلية تُبنى من العدم في صحراء تبوك، تعمل بالكامل بالطاقة النظيفة وتُعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا والطبيعة. لكن في قلب هذا الحلم الضخم يكمن رهان أكثر واقعية وربما أكثر أهمية من المدينة ذاتها: الهيدروجين الأخضر. فالسعودية، التي بنت ثروتها وقوتها ونفوذها العالمي على النفط طوال ثمانية عقود، تُراهن اليوم على أن العنصر الأبسط والأكثر وفرة في الكون، الهيدروجين، سيكون وقود المستقبل الذي يُحلّ محل الذهب الأسود. إنه تحوّل جذري في الهوية الاقتصادية لمملكة طالما عرّفت نفسها وعرّفها العالم بالنفط، تحوّل يحمل في طيّاته وعوداً كبيرة ومخاطر لا تقل عنها.
لفهم حجم هذا الرهان، يجب أن ندرك أولاً ما يعنيه الهيدروجين الأخضر وما يُميّزه عن أنواع الهيدروجين الأخرى. فالهيدروجين الرمادي، الأكثر شيوعاً اليوم، يُنتج من الغاز الطبيعي بعملية تُطلق كميات هائلة من ثاني أكسيد الكربون، مما يجعله جزءاً من المشكلة لا الحل. أما الهيدروجين الأخضر فيُنتج بتحليل الماء كهربائياً باستخدام طاقة متجددة، شمسية أو رياح، مما يجعله نظيفاً تماماً من الانبعاثات. المشكلة أن إنتاجه لا يزال مكلفاً، نحو 4-6 دولارات للكيلوغرام مقارنة بدولار واحد للهيدروجين الرمادي، لكن التكلفة تتراجع بسرعة مع تطوّر تقنيات المحلّلات الكهربائية وانخفاض أسعار الطاقة الشمسية. والسعودية تعتقد أنها تمتلك المقوّمات الفريدة التي تُمكّنها من إنتاج الهيدروجين الأخضر بأقل تكلفة في العالم، وهي في ذلك قد تكون محقّة.
نيوم: حيث تلتقي الصحراء بالمستقبل
مشروع الهيدروجين الأخضر في نيوم ليس مجرد خطة على ورق، إنه أكبر مصنع للهيدروجين الأخضر في العالم، باستثمارات تتجاوز 8.4 مليار دولار بالشراكة بين شركة أكوا باور السعودية وشركة إير بروداكتس الأمريكية وشركة نيوم. المصنع، المعروف باسم مشروع "هيليوس"، صُمّم لإنتاج 600 طن يومياً من الهيدروجين الأخضر، أو ما يعادل 1.2 مليون طن سنوياً من الأمونيا الخضراء، باستخدام أكثر من 4 غيغاواط من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. هذه الأرقام ليست مجرد أرقام جافة، بل تُمثّل قفزة نوعية في حجم إنتاج الهيدروجين الأخضر على مستوى العالم، إذ يُقزّم هذا المشروع الوحيد كل ما أُنتج عالمياً من الهيدروجين الأخضر حتى الآن. الموقع المختار في شمال غرب السعودية يتمتع بمزيج نادر من الإشعاع الشمسي العالي والرياح القوية المستمرة، مما يُتيح توليد الطاقة المتجددة على مدار الساعة تقريباً، وهو عامل حاسم لتشغيل المحلّلات الكهربائية بكفاءة عالية وتقليل تكلفة الإنتاج.
لكن نيوم ليست سوى البداية. فالسعودية تُخطط لبناء منظومة كاملة للهيدروجين الأخضر تمتد من الإنتاج إلى التصدير، مع بنية تحتية ضخمة للنقل والتخزين. الأمونيا الخضراء، التي تُعدّ الشكل الأسهل لنقل الهيدروجين عبر البحار، ستُصدّر من ميناء نيوم إلى أوروبا وآسيا، حيث يتنامى الطلب على الوقود النظيف بفعل التشريعات البيئية المتشددة. الحكومة السعودية وضعت هدفاً طموحاً لإنتاج 4 ملايين طن من الهيدروجين الأخضر سنوياً بحلول عام 2030، وهو هدف يبدو طموحاً للغاية لكنه يعكس جدية الرهان وحجم الموارد المرصودة له.
سباق الهيدروجين العالمي: من يصل أولاً؟
السعودية ليست وحدها في هذا السباق، فالعالم كله يتسابق نحو الهيدروجين الأخضر كركيزة أساسية لاقتصاد الطاقة النظيفة. أستراليا، بصحاريها الشاسعة ومواردها الشمسية الهائلة، تُخطط لتصبح أكبر مُصدّر للهيدروجين في العالم. تشيلي تستغل رياحها القوية في باتاغونيا لإنتاج هيدروجين أخضر رخيص. المغرب يبني مشاريع ضخمة في صحرائه الجنوبية. عُمان أطلقت مشروعاً بقيمة 30 مليار دولار. والإمارات تُنافس جارتها السعودية بمشاريع طموحة في مدينة مصدر وغيرها. أوروبا، التي تُعدّ أكبر سوق محتمل للهيدروجين الأخضر، أعلنت عن استراتيجية لاستيراد 10 ملايين طن سنوياً بحلول عام 2030، لكنها تُريد أيضاً إنتاج 10 ملايين طن محلياً، وهو ما يُعقّد المعادلة للمصدّرين. في هذا المشهد التنافسي المحتدم، تتمتع السعودية بميزات واضحة، القرب الجغرافي من أسواق أوروبا وآسيا، والخبرة العريقة في تجارة الطاقة العالمية، والبنية التحتية القائمة للتصدير، لكنها تواجه أيضاً منافسة شرسة من دول تمتلك موارد طبيعية مماثلة وتكاليف عمالة أقل.
الميزة السعودية: أكثر من مجرد شمس وصحراء
ما يُميّز السعودية في سباق الهيدروجين ليس فقط وفرة الشمس والرياح، فدول كثيرة تتمتع بموارد مماثلة، بل مزيج فريد من العوامل الاستراتيجية التي يصعب تكرارها. أولاً، تمتلك السعودية عبر شركة أرامكو واحدة من أكبر شبكات تجارة الطاقة وأكثرها تطوراً في العالم، شبكة تشمل ناقلات ومرافئ وعلاقات تجارية مع عشرات الدول، ويمكن تحويلها تدريجياً لتجارة الهيدروجين والأمونيا. ثانياً، توفّر المساحات الصحراوية الشاسعة غير المأهولة أرضاً مجانية تقريباً لمزارع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وهي ميزة لا تتوفر في أوروبا المكتظة أو حتى في أجزاء كبيرة من آسيا. ثالثاً، القدرة المالية الهائلة المتأتية من عائدات النفط تُتيح للسعودية الاستثمار بكثافة في مرحلة مبكرة، قبل أن يصبح الهيدروجين الأخضر مربحاً تجارياً، وهو ما لا تستطيعه كثير من الدول المنافسة. رابعاً، الإرادة السياسية المركزية التي تُتيح اتخاذ قرارات استثمارية ضخمة بسرعة دون الحاجة لتجاوز عقبات بيروقراطية أو ديمقراطية، وهو سلاح ذو حدّين لكنه فعّال في مرحلة البناء.
لكن هذه المزايا لا تخلو من تحديات جوهرية. فالمياه، المادة الأولية لإنتاج الهيدروجين بالتحليل الكهربائي، شحيحة في السعودية، مما يعني الحاجة إلى تحلية مياه البحر أولاً ثم استخدامها في الإنتاج، وهو ما يُضيف تكلفة إضافية ويطرح تساؤلات بيئية حول استدامة استخدام المياه في بلد صحراوي. كذلك فإن نقل الهيدروجين عبر المسافات الطويلة، سواء في شكل غاز مضغوط أو سائل مبرّد أو أمونيا، لا يزال مكلفاً تقنياً ويفقد جزءاً من الطاقة في كل مرحلة تحويل. هذه التحديات التقنية قابلة للحل، لكنها تعني أن الطريق نحو اقتصاد هيدروجيني ناضج سيكون أطول وأكثر تكلفة مما تُوحي به الخطابات الرسمية المتفائلة.
الأمونيا الخضراء: جسر العبور بين عالمين
في انتظار نضوج البنية التحتية للهيدروجين، تبرز الأمونيا الخضراء كحلّ عملي لنقل الهيدروجين وتسويقه عالمياً. فالأمونيا، التي تتكوّن من النيتروجين والهيدروجين، يسهل تسييلها ونقلها بالسفن عبر البنية التحتية القائمة، ولها أسواق ضخمة قائمة في صناعة الأسمدة التي تستهلك أكثر من 180 مليون طن سنوياً. لكن الاستخدام الأكثر إثارة هو حرق الأمونيا كوقود مباشر، في محطات توليد الكهرباء وفي السفن الضخمة التي تبحث عن بديل نظيف لوقود الديزل البحري الملوّث. اليابان، التي تفتقر إلى موارد الطاقة المتجددة الكافية، وضعت الأمونيا في قلب استراتيجيتها للطاقة النظيفة وتُخطط لاستيراد كميات هائلة، مما يجعلها سوقاً محورياً للصادرات السعودية. العلاقة السعودية-اليابانية في مجال الطاقة، التي بُنيت على النفط طوال عقود، تتحوّل تدريجياً نحو الهيدروجين والأمونيا، وهو تحوّل يحمل دلالة رمزية عميقة عن مستقبل تجارة الطاقة العالمية.
المخاطر الكامنة: حين يتحوّل الرهان إلى مقامرة
رغم كل التفاؤل المحيط بالهيدروجين الأخضر، ثمة مخاطر حقيقية لا ينبغي تجاهلها. أولى هذه المخاطر أن الطلب العالمي على الهيدروجين الأخضر قد لا ينمو بالسرعة المتوقعة، فكثير من التطبيقات التي يُروّج لها (كالطيران والنقل البري) قد تجد حلولاً أخرى أكثر كفاءة كالبطاريات الكهربائية المتطورة أو الوقود الحيوي. ثانياً، التكنولوجيا لا تزال في طور التطوّر، والتاريخ يُعلّمنا أن التقنيات الرابحة اليوم قد تُهزم غداً أمام ابتكارات لم تُخترع بعد. ثالثاً، الاعتماد على مشاريع عملاقة كنيوم يحمل مخاطر التأخير وتجاوز التكاليف، وهو ما رأيناه بالفعل مع تأخر بعض عناصر مشروع نيوم عن الجدول الزمني الأصلي. رابعاً، المنافسة الشديدة قد تؤدي إلى فائض في العرض يضغط على الأسعار ويُقلّل الجدوى الاقتصادية، وهو سيناريو مألوف لأي دولة نفطية عاشت دورات الوفرة والندرة. لكن المخاطر الأكبر ربما هي سياسية: فماذا لو تغيّرت الأولويات بعد جيل أو تبدّلت القيادة أو تراجع الحماس؟ المشاريع الكبرى تحتاج إلى التزام يمتد لعقود، والتاريخ العربي مليء بمشاريع طموحة بدأت بحماس وانتهت في أدراج النسيان.
خاتمة: من أرض النفط إلى أرض الشمس
في رواية ذات طابع ملحمي تتكشّف فصولها ببطء على مسرح الصحراء العربية، يبدو مشروع الهيدروجين الأخضر السعودي أكبر من مجرد مشروع اقتصادي، إنه محاولة لإعادة تعريف هوية أمة بأكملها وعلاقتها بالطاقة والعالم. فالسعودية التي حكمت أسواق الطاقة لعقود بفضل ما يكمن تحت رمالها تسعى اليوم لحكمها بفضل ما يسقط فوق رمالها، أشعة الشمس ونسمات الرياح. إنه تحوّل شاعري في جوهره: من ثروة الموت البطيء (الوقود الأحفوري الذي يحترق ولا يعود) إلى ثروة الحياة المتجددة (الشمس والرياح والماء التي لا تنضب). لكن الشعر وحده لا يبني اقتصاداً، والنجاح يتطلّب تنفيذاً دقيقاً وصبراً طويلاً واستعداداً للتكيّف مع مفاجآت لا يمكن التنبؤ بها. السؤال الذي سيُحدد مصير هذا الرهان ليس ما إذا كان الهيدروجين الأخضر سيلعب دوراً في مستقبل الطاقة، فهذا شبه مؤكد، بل ما إذا كانت السعودية ستتمكن من تحويل ميزاتها الطبيعية إلى ميزة تنافسية دائمة في سوق عالمي لا يعترف إلا بالكفاءة والابتكار. التاريخ سيحكم، لكن الرهان، على الأقل، يستحق المحاولة.
