H.Bاقتصاد الشرق
الممر التجاري الخليجي-الهندي: شراكة القرن الحادي والعشرين
التجارة الدولية

الممر التجاري الخليجي-الهندي: شراكة القرن الحادي والعشرين

حسام بعكة

حسام بعكة

١٠ فبراير ٢٠٢٦ · 9 دقائق

العلاقات التجارية بين دول الخليج والهند تتطور بسرعة لتُشكّل أحد أهم المحاور الاقتصادية في العالم.

على طريق التوابل القديم: حين تستعيد الجغرافيا حقوقها

قبل أن تُبحر سفن فاسكو دا غاما حول رأس الرجاء الصالح في نهاية القرن الخامس عشر، مُحوِّلةً مسار التجارة العالمية إلى الأبد، كانت الموانئ الممتدة من مسقط إلى كاليكوت تُشكّل الشريان الأعظم للتبادل التجاري بين الشرق والغرب، حيث كان التاجر العُماني يُبحر بسفينته المحمَّلة باللبان والتمور نحو سواحل مالابار، ليعود محمَّلاً بالتوابل والأقمشة والأحجار الكريمة في رحلة لا تستغرق أكثر من أسابيع قليلة بفضل رياح المونسون التي كانت، بمعنى ما، أول بنية تحتية طبيعية للتجارة الدولية. اليوم، وبعد خمسة قرون من ذلك التحوّل التاريخي، يبدو أن الجغرافيا تستعيد حقوقها من جديد، إذ يتشكّل ممر تجاري خليجي-هندي يتجاوز حجمه مئة وخمسين مليار دولار سنوياً، ولا يقتصر على تبادل النفط مقابل العمالة كما درج التبسيط الإعلامي، بل يمتد ليشمل التكنولوجيا والأدوية والخدمات المالية والذكاء الاصطناعي، في شراكة قد تكون الأكثر تحديداً لملامح القرن الحادي والعشرين في منطقة المحيط الهندي.

ثمة مفارقة تستحق التأمل: ففي الوقت الذي يتحدث فيه العالم عن انفصال الاقتصادات وتشكّل الكتل المتنافسة، في ما بات يُعرف بـ"إزالة العولمة" أو على الأقل "إعادة هيكلتها"، تتعمّق العلاقة الاقتصادية بين دول مجلس التعاون الخليجي والهند بوتيرة تتحدى كل السرديات السائدة عن التراجع التجاري العالمي. فالإمارات العربية المتحدة باتت ثالث أكبر شريك تجاري للهند بعد الولايات المتحدة والصين، فيما تحتل المملكة العربية السعودية المرتبة الرابعة، وإذا جمعنا دول الخليج الست معاً فإنها تُشكّل الكتلة التجارية الأولى مع نيودلهي، وهو واقع لا يحظى بالاهتمام الذي يستحقه في التحليلات الجيوسياسية الغربية التي تظل مهووسة بثنائية واشنطن-بكين. إن ما يجري بين الخليج والهند ليس مجرد تبادل تجاري بالمعنى التقليدي، بل هو إعادة تشكيل لجغرافيا الاقتصاد العالمي من خارج المركز الأطلسي الذي هيمن على النظام الدولي منذ معاهدة وستفاليا.

ميناء تجاري خليجي مزدحم بالحاويات

ما وراء النفط والعمالة: تحوّل في بنية التبادل

لعقود طويلة، كان يمكن اختزال العلاقة الاقتصادية الخليجية-الهندية في معادلة بسيطة ومباشرة: النفط يتدفق شرقاً، والعمالة تتدفق غرباً، والتحويلات المالية تعود أدراجها إلى كيرالا وأوتار براديش وبيهار. لم تكن هذه المعادلة خاطئة بالطبع، فالهند لا تزال تستورد ما يقارب ستين بالمئة من نفطها من منطقة الخليج، ولا يزال نحو تسعة ملايين هندي يعملون في دول المجلس ويُحوّلون ما يزيد عن أربعين مليار دولار سنوياً إلى وطنهم، لكنها باتت عاجزة عن وصف الواقع الجديد الذي تتشكّل ملامحه بسرعة مذهلة. فاتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة بين الهند والإمارات التي دخلت حيز التنفيذ عام 2022 لم تكتفِ بخفض الرسوم الجمركية على تسعين بالمئة من السلع، بل أسست لإطار تعاون في الاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا المالية والملكية الفكرية، وهي قطاعات لم تكن تظهر أصلاً في قاموس العلاقات الخليجية-الهندية قبل عقد واحد فقط.

في مجال الأدوية والصناعات الدوائية، حيث تُعدّ الهند "صيدلية العالم النامي"، بات التعاون يأخذ أبعاداً استراتيجية جديدة. فدول الخليج التي عانت خلال جائحة كوفيد-19 من هشاشة سلاسل الإمداد الدوائي تسعى الآن إلى بناء شراكات إنتاجية مع الشركات الهندية العملاقة مثل "صن فارما" و"سيبلا"، بحيث تُنشأ مصانع أدوية في المناطق الحرة الخليجية تخدم أسواق الشرق الأوسط وأفريقيا معاً. وفي قطاع التكنولوجيا المالية، الذي يشهد ثورة حقيقية على ضفتي بحر العرب، تتكامل التجربتان بشكل لافت: الهند التي بنت أكبر بنية تحتية للمدفوعات الرقمية في العالم عبر نظام UPI الذي يعالج أكثر من عشرة مليارات معاملة شهرياً، ودول الخليج التي تمتلك الفوائض المالية والطموح لتصبح مراكز مالية عالمية. إن ربط نظام UPI الهندي بأنظمة الدفع الخليجية، كما بدأ يحدث فعلاً مع الإمارات، قد يُنشئ فضاءً مالياً رقمياً يخدم ملياري إنسان.

شاشات تداول مالي وتكنولوجيا رقمية

الممر الذي يُعيد رسم خريطة العالم: من IMEC إلى واقع جديد

حين أُعلن عن مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC) على هامش قمة مجموعة العشرين في نيودلهي في سبتمبر 2023، بدا الأمر للوهلة الأولى وكأنه مجرد إعلان سياسي آخر من تلك الإعلانات التي تزدحم بها القمم الدولية ثم تتلاشى في أروقة البيروقراطية. لكن نظرة أعمق تكشف أن هذا المشروع، الذي يربط موانئ الهند الغربية بموانئ الخليج العربي ثم براً عبر الإمارات والسعودية والأردن وصولاً إلى ميناء حيفا ومنه بحراً إلى أوروبا، يمثل أخطر تحدٍّ جيواقتصادي لمبادرة الحزام والطريق الصينية منذ إطلاقها عام 2013. فالممر لا يختصر المسافة والزمن فحسب، إذ يُقلّص زمن نقل البضائع بين الهند وأوروبا بنسبة أربعين بالمئة مقارنة بطريق قناة السويس، بل يُنشئ بنية تحتية موازية للطاقة والاتصالات الرقمية على طول مساره، مما يُحوّله من مجرد ممر لوجستي إلى عمود فقري لاقتصاد إقليمي متكامل.

لكن المشروع يواجه تحديات جوهرية لا يمكن تجاهلها. فالحرب التي اندلعت على غزة بعد أسابيع قليلة فقط من إعلان الممر ألقت بظلال كثيفة على جدوى أي مشروع يمر عبر إسرائيل، كما أن التوترات في البحر الأحمر وهجمات الحوثيين على السفن التجارية أظهرت هشاشة الممرات البحرية في المنطقة. ومع ذلك، فإن المنطق الاقتصادي الذي يقف وراء تعميق الشراكة الخليجية-الهندية يتجاوز مشروعاً واحداً مهما بلغت أهميته. فالتكامل بين الاقتصادين يستند إلى عوامل هيكلية عميقة: الهند تحتاج إلى الطاقة والاستثمارات والأسواق، والخليج يحتاج إلى التكنولوجيا والكوادر البشرية والتنويع الاقتصادي، وهذا التكامل لا يتوقف على ممر بعينه أو اتفاقية بذاتها، بل هو محكوم بثقل الجغرافيا والديموغرافيا والمصالح المتبادلة.

المثلث الاستراتيجي: الهند والخليج في مواجهة الجاذبية الصينية

لا يمكن فهم التقارب الخليجي-الهندي المتسارع دون وضعه في سياقه الجيوسياسي الأوسع، وتحديداً في إطار التنافس المتصاعد بين الهند والصين على النفوذ في منطقة المحيط الهندي. فالصين، التي باتت أكبر مستورد للنفط الخليجي متجاوزةً الهند، استثمرت عشرات المليارات في البنية التحتية للموانئ من جوادر في باكستان إلى جيبوتي في القرن الأفريقي، فيما يُعرف بـ"عقد اللؤلؤ" الذي يُطوّق الهند بحرياً. ونيودلهي التي تنظر بقلق متزايد إلى هذا التمدد الصيني ترى في الخليج، الذي يقع في منتصف المسافة بينها وبين أفريقيا، ساحة حيوية لا يمكن التخلي عنها لبكين. وهذا ما يُفسّر الحماس الهندي غير المعتاد لمشروع IMEC الذي يُوفّر بديلاً استراتيجياً لطريق الحرير الصيني.

لكن دول الخليج، وهذه نقطة جوهرية يتجاهلها كثير من المحللين، لا تنظر إلى العلاقة مع الهند بوصفها بديلاً عن العلاقة مع الصين، بل بوصفها مكمّلاً لها وورقة توازن استراتيجي. فالإمارات مثلاً وقّعت اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة مع الهند وفي الوقت ذاته تُعمّق تعاونها مع الصين في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة. والمملكة العربية السعودية تستقبل رئيس الوزراء الهندي بحفاوة بالغة ثم تستقبل الرئيس الصيني بحفاوة مماثلة، في براغماتية خليجية تُجيد اللعب على التوازنات الدولية. إن هذا التموضع الخليجي بين القوى الآسيوية الصاعدة يُمثّل في حد ذاته تحولاً جيوسياسياً بالغ الأهمية، إذ يعني أن مركز ثقل العلاقات الدولية ينتقل بالفعل من المحور الأطلسي إلى المحور الأورو-آسيوي الذي يمر حتماً عبر الخليج العربي.

خريطة طرق تجارية بحرية في المحيط الهندي

الطاقة المتجددة: ميدان التعاون القادم

إذا كان النفط قد شكّل العمود الفقري للعلاقة الخليجية-الهندية طوال نصف قرن، فإن الطاقة المتجددة مرشّحة لأن تكون الرابط الجديد في النصف القادم. فالهند، ثالث أكبر مُصدر لانبعاثات الكربون في العالم، تحتاج إلى استثمارات ضخمة تُقدَّر بتريليون دولار لتحقيق هدفها في الوصول إلى صافي انبعاثات صفري بحلول 2070. ودول الخليج، التي تمتلك فوائض مالية هائلة وتسعى للتحول إلى مراكز عالمية للطاقة النظيفة كما يتجلى في مشاريع نيوم السعودية ومصدر الإماراتية، تجد في السوق الهندية فرصة استثمارية لا مثيل لها. وقد بدأت هذه الشراكة تأخذ أبعاداً ملموسة مع إعلان شركة أدنوك الإماراتية عن استثمارات بمليارات الدولارات في مشاريع الهيدروجين الأخضر في الهند، فيما تستكشف أرامكو السعودية شراكات مماثلة في قطاع البتروكيماويات الخضراء.

الأمر يتجاوز الطاقة بمعناها الضيق ليشمل ما يمكن تسميته "اقتصاد المناخ" بأكمله. فالتقنيات الهندية في مجال تحلية المياه بالطاقة الشمسية، وهي حاجة وجودية لدول الخليج، تُكمّل الخبرة الخليجية في إدارة مشاريع تحلية المياه الكبرى. وفي مجال الزراعة الذكية مناخياً، حيث يُشكّل الأمن الغذائي هاجساً مشتركاً، يمكن للتكنولوجيا الزراعية الهندية أن تجد في البيئة الصحراوية الخليجية مختبراً طبيعياً وسوقاً واعدة في آن معاً. إن ما يجمع الخليج والهند في مواجهة تحدي المناخ ليس فقط المصالح الاقتصادية المباشرة، بل أيضاً الإدراك المشترك بأن حلول تغير المناخ لا يمكن أن تأتي حصرياً من الغرب الصناعي، وأن الجنوب العالمي قادر على ابتكار نماذجه الخاصة.

الدياسبورا الهندية: جسر بشري لا يُقدَّر بثمن

في قلب كل تحليل اقتصادي للعلاقة الخليجية-الهندية تقف حقيقة ديموغرافية فريدة: الجالية الهندية في الخليج التي يتجاوز تعدادها تسعة ملايين نسمة، مما يجعلها أكبر تجمع للمغتربين في منطقة واحدة على مستوى العالم. هؤلاء ليسوا مجرد عمال يُرسلون تحويلات مالية، رغم أن هذه التحويلات تُشكّل شريان حياة لولايات هندية بأكملها، بل هم نسيج اجتماعي واقتصادي معقد يشمل رجال أعمال يديرون إمبراطوريات تجارية، ومهندسين يبنون ناطحات السحاب، وأطباء يُديرون مستشفيات، ومعلمين يُشكّلون عقول الأجيال القادمة. إن هذا الوجود البشري الكثيف يخلق ما يسميه الاقتصاديون "رأس المال الاجتماعي العابر للحدود"، شبكة من العلاقات والثقة والمعرفة المتبادلة تُسهّل التجارة والاستثمار بطرق لا تستطيع أي اتفاقية رسمية تحقيقها وحدها.

غير أن هذه العلاقة البشرية تحمل أيضاً تحدياتها وتناقضاتها. فنظام الكفالة، رغم الإصلاحات التي شهدتها دول خليجية عدة، لا يزال يُلقي بظلاله على أوضاع العمالة الهندية منخفضة المهارة التي تعمل في ظروف قاسية مقابل أجور متواضعة. والتحول نحو اقتصاد المعرفة في دول الخليج يعني أن الطلب على العمالة غير الماهرة سيتراجع تدريجياً، مما يطرح أسئلة جوهرية حول مستقبل ملايين العمال الذين يعتمدون على هذه الفرصة. إن التحدي الحقيقي أمام الشراكة الخليجية-الهندية ليس اقتصادياً فحسب بل أخلاقي أيضاً: كيف يمكن بناء علاقة تكافلية حقيقية تُنصف الجميع، من المستثمر الملياردير في مومباي إلى عامل البناء في الدوحة؟

أفق المستقبل: شراكة في عالم مضطرب

في عالم تتصاعد فيه التوترات الجيوسياسية وتتفكك فيه سلاسل الإمداد العالمية وتتراجع فيه المؤسسات متعددة الأطراف، يبدو الممر الخليجي-الهندي وكأنه يسبح ضد التيار السائد نحو الانفصال والتشرذم. لكن ربما يكون هذا بالتحديد ما يمنحه قوته وديمومته. فالشراكات التي تنبع من تكامل حقيقي في المصالح والجغرافيا والتاريخ لا تتأثر بتقلبات السياسة بالقدر الذي تتأثر به التحالفات الأيديولوجية الهشة. والهند ودول الخليج تجمعهما مصلحة مشتركة في استقرار المحيط الهندي وأمن الممرات البحرية وتنويع مصادر الثروة والتحول الرقمي، وهي أجندة تتجاوز أي حكومة بعينها أو زعيم بذاته. إن ما نشهده اليوم قد لا يكون أقل من إعادة إحياء لجغرافيا اقتصادية عمرها آلاف السنين، لكن بأدوات القرن الحادي والعشرين وطموحاته، وفي لحظة تاريخية قد تُثبت أن طريق التوابل القديم كان دائماً أكثر من مجرد ممر تجاري، بل كان رؤية لعالم مترابط تتجاوز فيه التجارة حدود السياسة والأيديولوجيا.

حسام بعكة

حسام بعكة

كاتب ومحلل اقتصادي متخصص في شؤون الشرق الأوسط والاقتصاد العالمي. يقدم تحليلات معمّقة تربط بين الجيوسياسة والأسواق والتحولات الاقتصادية الكبرى.

المزيد عن الكاتب

مقالات ذات صلة