H.Bاقتصاد الشرق
أسعار الغذاء العالمية: لماذا يدفع العرب فاتورة أزمات لم يصنعوها؟
التضخم والأسعار

أسعار الغذاء العالمية: لماذا يدفع العرب فاتورة أزمات لم يصنعوها؟

حسام بعكة

حسام بعكة

١٢ يناير ٢٠٢٦ · 9 دقائق

المنطقة العربية هي الأكثر اعتمادًا على استيراد الغذاء في العالم، مما يجعلها الأكثر عرضة لصدمات الأسعار العالمية.

في خريف 2010، حين أشعل محمد البوعزيزي النار في جسده أمام مقر ولاية سيدي بوزيد في تونس، لم تكن شرارة الثورة سياسية بالمعنى الضيق، كانت شرارة جوع وإذلال وعجز عن توفير لقمة العيش الكريمة. وقبل ذلك بعقود، حين انتفض المصريون في يناير 1977 ضد رفع أسعار الخبز، لم يكونوا يحتجون على سياسة اقتصادية بقدر ما كانوا يدافعون عن حقهم في البقاء. والحقيقة التي يتجاهلها كثير من المحللين الغربيين حين يتحدثون عن أزمة الغذاء العالمية هي أن ارتفاع أسعار الطعام في المنطقة العربية ليس مجرد ضغط اقتصادي على ميزانيات الأسر، إنه مسألة أمن قومي بامتياز، وشرارة محتملة لاضطرابات سياسية واجتماعية قد تُعيد رسم خريطة المنطقة بأكملها. فالعالم العربي يستورد أكثر من خمسين بالمئة من احتياجاته الغذائية، وتصل النسبة في دول الخليج إلى أكثر من تسعين بالمئة، مما يعني أن قرارًا يُتخذ في حقل قمح أوكراني أو مزرعة صويا برازيلية أو مصنع أسمدة روسي يمكن أن يُشعل الشارع العربي من المحيط إلى الخليج.

ما يجعل هذه المعادلة أكثر خطورة اليوم هو تقاطع عدة أزمات عالمية في لحظة واحدة: الحرب الروسية الأوكرانية التي ضربت سلاسل إمداد القمح والذرة وزيت عباد الشمس، والتغيّر المناخي الذي يُقلّص الإنتاج الزراعي في مناطق كانت تُعدّ سلال غذاء العالم، وارتفاع تكاليف الطاقة والأسمدة الذي يزيد تكلفة الإنتاج الزراعي عالميًا، وتراجع قيمة العملات العربية مقابل الدولار الذي يرفع فاتورة الاستيراد حتى دون ارتفاع الأسعار العالمية. إنها عاصفة مثالية تهبّ على منطقة تفتقر إلى أدنى مقوّمات الصمود الغذائي، منطقة تقع في أكثر أحزمة العالم جفافًا، وتستضيف أسرع معدلات النمو السكاني، وتعتمد بشكل شبه كامل على استيراد غذائها من الخارج.

حقول قمح ممتدة

جغرافيا العطش والجوع: لماذا العرب الأكثر هشاشة؟

ثمة حقيقة جغرافية قاسية تُحدّد مصير الأمن الغذائي العربي: فالمنطقة العربية تضم نحو خمسة بالمئة من سكان العالم لكنها لا تمتلك سوى واحد بالمئة من مياهه العذبة المتجددة. وعشرة من أصل اثنتي عشرة دولة عربية تقع تحت خط الفقر المائي الذي حدّدته الأمم المتحدة بألف متر مكعب للفرد سنويًا، بل إن بعض دول الخليج، كالكويت والإمارات والبحرين، لا يتجاوز نصيب الفرد فيها مئة متر مكعب، أي عُشر الحد الأدنى. وبدون مياه كافية، لا زراعة كافية، وبدون زراعة كافية، لا أمن غذائي، هذه معادلة بسيطة لكنها قاتلة. وقد زاد التغيّر المناخي من حدة هذه الأزمة، إذ ارتفعت درجات الحرارة في المنطقة العربية بمعدل يفوق المتوسط العالمي بنحو خمسين بالمئة، مما أدى إلى تراجع هطول الأمطار وزيادة التبخّر وتقلّص المساحات الصالحة للزراعة. وتُشير التوقعات إلى أن الإنتاج الزراعي في المنطقة قد يتراجع بنسبة تتراوح بين عشرين وثلاثين بالمئة بحلول عام 2050 إذا استمرت الاتجاهات المناخية الحالية، وهو ما يعني مزيدًا من الاعتماد على الاستيراد ومزيدًا من الهشاشة أمام تقلبات الأسعار العالمية.

ولا يقتصر الأمر على شحّ المياه والتغيّر المناخي، بل يمتد إلى بنية الأنظمة الغذائية العربية ذاتها. فالمنطقة تعتمد بشكل كبير على عدد محدود من السلع الأساسية المستوردة، القمح والأرز والزيوت النباتية والسكر واللحوم، وهي سلع تُنتَج في عدد محدود من الدول المصدّرة التي تسيطر على حصة الأسد من التجارة العالمية. فروسيا وأوكرانيا وحدهما كانتا تُصدّران نحو ثلاثين بالمئة من القمح العالمي قبل الحرب، ومصر والجزائر والمغرب وتونس من أكبر المشترين. وحين اندلعت الحرب وتوقفت صادرات القمح الأوكراني عبر البحر الأسود، ارتفعت الأسعار العالمية بأكثر من خمسين بالمئة في أسابيع معدودة، مما أضاف مليارات الدولارات إلى فواتير الاستيراد العربية. والمفارقة أن هذه الدول تدفع ثمنًا باهظًا لأزمة لم تصنعها، حرب بين قوتين بعيدتين جغرافيًا لكنهما تتحكّمان في شريان حياة الملايين من العرب.

فاتورة الحرب الأوكرانية: القمح كسلاح دمار شامل

كشفت الحرب الروسية الأوكرانية عن هشاشة لم يكن كثيرون يتصوّرونها في سلاسل الإمداد الغذائي العالمية. فأوكرانيا، التي تُلقّب بـ"سلة خبز أوروبا"، كانت تُصدّر نحو ستة وأربعين مليون طن من الحبوب سنويًا، معظمها عبر موانئ البحر الأسود التي توقفت عن العمل مع بداية الحرب. وروسيا، أكبر مصدّر للقمح في العالم، واجهت عقوبات غربية أثّرت على قدرتها على التصدير والشحن والتأمين، رغم أن صادراتها الغذائية لم تكن مشمولة رسميًا بالعقوبات. وقد أحدث هذا الاضطراب المزدوج صدمة في أسواق الغذاء العالمية وصلت أصداؤها إلى كل مخبز ومتجر بقالة في العالم العربي. فمصر، أكبر مستورد للقمح في العالم، وجدت مخزونها الاستراتيجي يتراجع إلى مستويات مقلقة، واضطرت إلى البحث عن مصادر بديلة أغلى ثمنًا من الهند وأستراليا وفرنسا.

لكن القمح ليس القصة الكاملة. فأوكرانيا وروسيا تُصدّران أيضًا كميات ضخمة من الذرة والشعير وزيت عباد الشمس، وهي سلع أساسية في صناعة الأعلاف الحيوانية والزيوت النباتية. وقد أدى تراجع صادرات هذه السلع إلى ارتفاع أسعار الأعلاف عالميًا، مما رفع تكلفة إنتاج الدواجن واللحوم والألبان في الدول العربية التي تعتمد بشكل كبير على الأعلاف المستوردة. كما أن روسيا تُعدّ أكبر مصدّر للأسمدة في العالم، وتراجع صادراتها أدى إلى ارتفاع حاد في تكاليف الإنتاج الزراعي عالميًا، وهو ما يعني أن حتى الدول العربية التي تزرع بعض غذائها محليًا وجدت تكاليف الإنتاج ترتفع بشكل حاد. إنها سلسلة متتالية من الصدمات: الحرب تضرب القمح والأسمدة والطاقة في آن واحد، وكل ضربة تُضاعف أثر الضربة التي سبقتها، والنتيجة النهائية هي فاتورة غذائية تكاد تُرهق حتى الدول الأكثر ثراءً في المنطقة.

سفينة شحن في ميناء تجاري

سباق الخليج نحو الزراعة الذكية: الحاجة أم الاختراع

أمام هذا الواقع المقلق، بدأت بعض الدول العربية، وخاصة دول الخليج الأكثر ثراءً، في اتخاذ خطوات جدية لتعزيز أمنها الغذائي وتقليص اعتمادها على الاستيراد. فالمملكة العربية السعودية أطلقت استراتيجية طموحة للأمن الغذائي تتضمن استثمارات بمليارات الدولارات في تقنيات الزراعة المائية والعمودية وزراعة الصحراء باستخدام الطاقة الشمسية ومياه تحلية البحر. وقد نجحت شركة "نيوم" في تطوير نماذج أولية لمزارع عمودية تنتج خضراوات طازجة في قلب الصحراء باستخدام تسعين بالمئة أقل من المياه مقارنة بالزراعة التقليدية. أما الإمارات، فقد استثمرت بكثافة في قطاع التقنية الزراعية، "أغريتيك"، واستقطبت عشرات الشركات الناشئة المتخصصة في الزراعة الذكية والبروتينات البديلة والذكاء الاصطناعي الزراعي، وأنشأت "مدينة دبي الغذائية" كمنطقة حرة متخصصة في صناعة الغذاء.

لكن هل يمكن للتكنولوجيا وحدها أن تحلّ مشكلة بنيوية بهذا العمق؟ الإجابة الواقعية هي أن الزراعة الذكية والمزارع العمودية يمكن أن تُسهم في تغطية جزء من احتياجات الخضراوات والفواكه، لكنها لا تستطيع، بالتكنولوجيا الحالية على الأقل، إنتاج كميات كافية من الحبوب الأساسية كالقمح والأرز التي تحتاج إلى مساحات شاسعة ومياه وفيرة. وقد أدرك بعض صانعي القرار الخليجيين هذا الواقع، فلجأوا إلى استراتيجية بديلة: شراء أراضٍ زراعية في بلدان أخرى، كإفريقيا وأوروبا الشرقية وآسيا الوسطى، لضمان مصادر إمداد خاضعة لسيطرتهم المباشرة. وقد أثارت هذه الاستراتيجية جدلًا واسعًا، إذ يراها البعض شكلًا جديدًا من الاستعمار الزراعي، بينما يراها آخرون ضرورة وجودية في عالم يتّجه نحو مزيد من الصراع على الموارد.

الحصاد المرّ: حين يدفع الفقراء ثمن ألعاب الكبار

الضحية الأكبر في معادلة ارتفاع أسعار الغذاء العالمية هو المواطن العربي العادي، وخاصة في الدول غير النفطية التي لا تملك احتياطيات كافية لتخفيف الصدمة. ففي مصر والسودان واليمن وسوريا، يُنفق المواطن العادي ما بين ثلاثين وخمسين بالمئة من دخله على الغذاء، مقارنة بعشرة إلى خمسة عشر بالمئة في الدول الغربية، مما يعني أن أي ارتفاع في أسعار الغذاء يُترجم مباشرة إلى تراجع في مستوى التغذية والصحة والتعليم. وتُشير تقارير برنامج الغذاء العالمي إلى أن أكثر من خمسة وخمسين مليون شخص في المنطقة العربية يعانون من انعدام الأمن الغذائي، أي أنهم لا يعرفون من أين ستأتي وجبتهم القادمة، وأن هذا الرقم ارتفع بأكثر من خمسة وعشرين بالمئة منذ بداية الحرب الأوكرانية.

والأخطر من الجوع المادي هو الجوع الصامت، أي سوء التغذية الذي لا يظهر في صور المجاعات لكنه يُدمّر أجيالًا بأكملها. فالأسر التي تضطر إلى تقليص إنفاقها على الغذاء تلجأ عادة إلى استبدال الأطعمة المغذّية، كاللحوم والألبان والفواكه، بأطعمة رخيصة غنية بالنشويات والسكريات الفارغة، مما يؤدي إلى انتشار فقر الدم وتأخر النمو عند الأطفال وضعف المناعة وزيادة الأمراض المزمنة. وتُظهر الدراسات أن طفلًا يعاني من سوء التغذية في سنواته الأولى يفقد ما بين عشرين وثلاثين بالمئة من قدرته الإنتاجية مدى الحياة، مما يعني أن أزمة الغذاء الحالية لن تنتهي مع انتهاء الحرب الأوكرانية أو استقرار الأسعار، بل ستستمر آثارها لعقود في شكل جيل عربي أقل صحة وأقل تعليمًا وأقل إنتاجية.

تقنيات الزراعة الحديثة في بيئة صحراوية

نحو سيادة غذائية عربية: حلم بعيد أم ضرورة قريبة؟

إن بناء منظومة أمن غذائي عربية حقيقية يتطلب أكثر من مزارع عمودية وتطبيقات ذكاء اصطناعي، يتطلب تحوّلًا جذريًا في الأولويات الاستراتيجية ونموذج التنمية بأكمله. والخطوة الأولى هي بناء مخزونات استراتيجية كافية من الحبوب الأساسية تكفي لستة أشهر على الأقل، وهو ما تفتقر إليه معظم الدول العربية التي لا تملك مخزونًا يتجاوز ثلاثة أشهر في أحسن الأحوال. والخطوة الثانية هي تنويع مصادر الاستيراد لتقليل الاعتماد على منطقة جغرافية واحدة، فالاعتماد على البحر الأسود بنسبة ثمانين بالمئة من واردات القمح كان مغامرة غير محسوبة دفع العرب ثمنها غاليًا. والخطوة الثالثة هي الاستثمار الجاد في البحث الزراعي لتطوير أصناف محاصيل تتحمل الجفاف والحرارة والملوحة، وهي تحديات خاصة بالمنطقة العربية تحتاج إلى حلول محلية لا يمكن استيرادها من الخارج.

لكن الأهم من كل ذلك هو التعاون العربي-العربي في مجال الأمن الغذائي، وهو مجال يكاد يكون معدومًا رغم أنه الأكثر إلحاحًا. فالسودان، الذي يمتلك أكثر من مئة مليون فدان من الأراضي الزراعية الخصبة، يُعاني من الفقر والحرب بينما تستورد دول عربية غنية غذاءها من أمريكا الجنوبية وأستراليا. والعراق، الذي كان يُسمّى أرض الرافدين ومهد الزراعة الإنسانية، يستورد اليوم معظم غذائه. ومصر، التي أطعمت حضارات كاملة من خصب واديها، تعتمد على القمح الروسي والأوكراني. إن هناك مفارقة مؤلمة في أن منطقة شهدت أولى الثورات الزراعية في تاريخ البشرية أصبحت اليوم أكثر مناطق العالم اعتمادًا على استيراد غذائها، وهي مفارقة تعكس عقودًا من السياسات الخاطئة والإهمال المتراكم وغياب الرؤية الاستراتيجية.

خاتمة: رغيف من نار

إن أزمة الغذاء في العالم العربي ليست أزمة مؤقتة ستنتهي مع انتهاء الحرب الأوكرانية أو استقرار الأسعار العالمية، إنها أزمة بنيوية عميقة تتقاطع فيها الجغرافيا القاسية مع المناخ المتغيّر والسياسات الخاطئة والنمو السكاني المتسارع والتبعية الغذائية المزمنة. والعالم لا يتّجه نحو مزيد من الاستقرار في أسواق الغذاء، بل نحو مزيد من التقلب والصراع على الموارد في عصر يتسم بتغيّر المناخ والتنافس الجيوسياسي وإعادة رسم خرائط التجارة العالمية. وفي هذا العالم الجديد، فإن الدول التي لا تملك غذاءها لا تملك سيادتها، مهما امتلكت من نفط وغاز وأسلحة. إن السؤال ليس ما إذا كانت أزمة غذائية كبرى ستضرب المنطقة مجددًا، السؤال هو متى، وهل سيكون العرب مستعدين حين تأتي.

يدفع العرب اليوم فاتورة أزمات لم يصنعوها، حروب لم يخوضوها، وتغيّرات مناخية لم يتسبّبوا بها، وسياسات نقدية لم يقرّروها. لكن التاريخ لا يعرف الأعذار، والشعوب التي لا تُطعم نفسها بنفسها تبقى رهينة لمن يملك القمح والماء. وحين يكون الرغيف من نار، كما هو اليوم، فإن الحريق لا يأكل الخبز وحده، بل يأكل الكرامة والسيادة والمستقبل.
حسام بعكة

حسام بعكة

كاتب ومحلل اقتصادي متخصص في شؤون الشرق الأوسط والاقتصاد العالمي. يقدم تحليلات معمّقة تربط بين الجيوسياسة والأسواق والتحولات الاقتصادية الكبرى.

المزيد عن الكاتب

مقالات ذات صلة