H.Bاقتصاد الشرق
العراق في مفترق طرق: أزمة إيرادات النفط تُهدد الاستقرار الاجتماعي
النفط والطاقة

العراق في مفترق طرق: أزمة إيرادات النفط تُهدد الاستقرار الاجتماعي

حسام بعكة

حسام بعكة

٢٥ فبراير ٢٠٢٦ · 9 دقائق

اعتماد العراق شبه الكامل على النفط يضعه في موقف حرج مع تقلبات الأسعار العالمية وتأخر مشاريع التنويع الاقتصادي.

في بغداد القديمة، حيث التقى دجلة والفرات ذات يوم ليصنعا مهد الحضارة الإنسانية، بلاد ما بين النهرين التي اخترعت الكتابة والقانون والرياضيات، يقف العراق اليوم على حافة هاوية اقتصادية لا تقل خطورة عن الحروب التي مزّقته طوال أربعة عقود. فالبلد الذي يجلس فوق خامس أكبر احتياطي نفطي في العالم، أكثر من 145 مليار برميل مؤكد، يعجز عن توفير الكهرباء لمواطنيه لأكثر من بضع ساعات يومياً، ويفشل في تأمين مياه الشرب النظيفة لملايين السكان، ويشهد هجرة مستمرة لشبابه الذين يبحثون عن مستقبل في أي مكان آخر غير وطنهم. هذا التناقض الصارخ بين الثروة الطبيعية والبؤس المعيشي ليس وليد الصدفة، إنه نتيجة منطقية لعقود من سوء الإدارة والفساد والحروب والاعتماد شبه الكلي على مصدر واحد للدخل: النفط. واليوم، مع تراجع أسعار النفط وتزايد الضغوط الديموغرافية والاجتماعية، يجد العراق نفسه في مفترق طرق قد يُحدد مصيره لعقود قادمة.

الأرقام تتحدث بوضوح مؤلم: أكثر من 93% من إيرادات الحكومة العراقية تأتي من النفط، وهي نسبة تُعدّ من أعلى النسب في العالم حتى بين الدول النفطية. هذا يعني أن كل شيء في العراق، من رواتب الموظفين إلى مشاريع البنية التحتية إلى شبكات الحماية الاجتماعية، يتوقف على سعر برميل النفط في الأسواق العالمية، وهو سعر لا يتحكم فيه العراق ويتأثر بعوامل بعيدة كل البعد عن بغداد: من قرارات الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى الطلب الصناعي الصيني إلى سياسات الطاقة الأوروبية. إنه اقتصاد معلّق بخيط واحد، وهذا الخيط يزداد رقّة يوماً بعد يوم.

مدينة بغداد القديمة على ضفاف نهر دجلة

لعنة الذهب الأسود: حين تصبح النعمة نقمة

يعرف الاقتصاديون ظاهرة "لعنة الموارد" أو "المرض الهولندي"، وهي الحالة التي يُؤدي فيها اكتشاف ثروة طبيعية ضخمة إلى تدمير القطاعات الاقتصادية الأخرى بدلاً من تعزيزها. والعراق يُمثّل ربما أوضح حالة لهذه اللعنة في التاريخ المعاصر. فمنذ تأميم النفط في عام 1972، أصبح القطاع النفطي هو الاقتصاد العراقي بالكامل تقريباً، وكل شيء آخر بات هامشياً. الزراعة التي كانت تُشكّل عماد الاقتصاد العراقي قبل اكتشاف النفط تراجعت إلى أقل من 5% من الناتج المحلي. الصناعة التحويلية التي بدأت تنمو في الستينيات تلاشت تقريباً تحت وطأة الحروب والعقوبات. السياحة في بلد يحتضن آثار بابل وأور ونينوى وسامراء تكاد تكون معدومة. حتى قطاع الخدمات يعتمد في معظمه على الإنفاق الحكومي المموّل من النفط. النتيجة هي اقتصاد أحادي البعد بشكل مخيف، كالمبنى الذي يقف على عمود واحد، ما إن يتصدّع حتى ينهار كل شيء.

ما يُفاقم المشكلة أن عائدات النفط لم تُستثمر بحكمة حتى في أوقات الوفرة. ففي العقد الذي تلا الغزو الأمريكي عام 2003، تدفقت مئات المليارات من الدولارات على الخزينة العراقية، لكنها ذهبت في معظمها إلى رواتب القطاع العام المتضخّم وإلى جيوب شبكات الفساد المتشعّبة التي تغلغلت في كل مفاصل الدولة. البنية التحتية، الكهرباء والمياه والصحة والتعليم والنقل، ظلت في حالة يُرثى لها، بينما كان السياسيون يتقاسمون الغنائم وفق نظام المحاصصة الطائفية الذي حوّل الدولة إلى إقطاعيات حزبية. اليوم، حين تتراجع أسعار النفط، يكتشف العراقيون أن سنوات الوفرة لم تترك وراءها سوى بنية تحتية متهالكة وجهاز بيروقراطي متضخم ومجتمع يعتمد كلياً على الدولة.

القنبلة الديموغرافية الموقوتة

لعل أخطر ما يُواجه العراق ليس تراجع أسعار النفط بحد ذاته، بل التقاطع المرعب بين هذا التراجع والانفجار السكاني الذي يشهده البلد. فالعراق، الذي كان يضمّ نحو 25 مليون نسمة عام 2003، تجاوز اليوم 45 مليوناً ويتوقع أن يصل إلى 70 مليوناً بحلول عام 2050، مما يجعله من أسرع الدول نمواً سكانياً في العالم. أكثر من 60% من السكان تحت سن الخامسة والعشرين، وهؤلاء الشباب يحتاجون إلى وظائف وتعليم وسكن وخدمات صحية ومستقبل يستحق العيش. لكن الاقتصاد العراقي، المبني على النفط الذي لا يُوظّف سوى 1-2% من القوى العاملة، عاجز تماماً عن استيعاب هذا الطوفان البشري. الحكومة حاولت حلّ المشكلة بالطريقة الأسهل: توظيف الشباب في القطاع العام، الذي تضخّم حتى بات يضمّ أكثر من 4.5 مليون موظف يلتهمون أكثر من 50% من الميزانية العامة. لكن هذا الحل المؤقت خلق مشكلة أكبر، فكل موظف حكومي جديد يزيد العبء على ميزانية تعتمد على مورد متقلّب ومتراجع.

المعادلة الرياضية بسيطة ومرعبة في آن واحد: إذا كان العراق يحتاج إلى خلق نحو 500 ألف فرصة عمل جديدة سنوياً لاستيعاب الداخلين إلى سوق العمل، وإذا كان القطاع الخاص غير النفطي شبه معدوم، فإن الفجوة ستتوسّع عاماً بعد عام حتى تصل إلى نقطة الانفجار. هذا الانفجار ليس نظرياً، لقد رأيناه بالفعل في احتجاجات أكتوبر 2019 التي هزّت العراق من أقصاه إلى أقصاه حين خرج مئات الآلاف من الشباب العراقي إلى الشوارع يطالبون بوظائف وخدمات وكرامة ومستقبل. تلك الاحتجاجات التي قُمعت بالقوة وراح ضحيتها أكثر من 600 قتيل لم تُحلّ أياً من المشكلات الجذرية، بل ربما زادتها تعقيداً.

شباب عراقيون في سوق شعبي مزدحم

الفساد: السرطان الذي ينخر الدولة

لا يمكن الحديث عن أزمة العراق الاقتصادية دون الحديث عن الفساد، ذلك الوحش الذي يلتهم كل محاولة للإصلاح ويُحوّل كل مشروع تنموي إلى فرصة للنهب. منظمة الشفافية الدولية تُصنّف العراق باستمرار ضمن الدول الأكثر فساداً في العالم، وليس هذا التصنيف مفاجئاً لأي عراقي يعرف كيف تعمل الدولة من الداخل. الفساد في العراق ليس ظاهرة هامشية بل منظومة متكاملة، من العقود الوهمية التي تُبرم مع شركات لا وجود لها، إلى الموظفين الأشباح الذين يتقاضون رواتب دون أن يذهبوا إلى العمل (وتُقدّر أعدادهم بمئات الآلاف)، إلى تهريب النفط عبر الحدود، إلى الرشاوى التي تُفرض على كل معاملة حكومية. أحد التقديرات يُشير إلى أن أكثر من 150 مليار دولار اختُلست من خزينة الدولة منذ عام 2003، وهو رقم يكفي لإعادة بناء العراق بالكامل لو أُنفق بشكل صحيح. نظام المحاصصة الطائفية والحزبية هو الحاضنة الأولى لهذا الفساد، فكل حزب يسيطر على وزارات ومؤسسات معينة ويتعامل معها كإقطاعية خاصة، مما يجعل المحاسبة مستحيلة تقريباً لأن كل طرف يحمي فاسديه ويُساوم على فاسدي الآخرين.

محاولات الإصلاح: بين الطموح والواقع

لم تغب محاولات الإصلاح عن المشهد العراقي، فكل حكومة جديدة تأتي حاملة وعوداً بالتغيير والتنويع الاقتصادي ومحاربة الفساد. الورقة البيضاء التي أطلقها رئيس الوزراء الأسبق مصطفى الكاظمي في عام 2020 كانت أكثر هذه المحاولات طموحاً، خطة شاملة لإصلاح الاقتصاد العراقي وتقليص الاعتماد على النفط وتنمية القطاع الخاص وإصلاح النظام المصرفي. لكن معظم هذه الخطط بقيت حبراً على ورق، ليس لأنها سيئة من الناحية الفنية، بل لأن تنفيذها يصطدم بجدار المصالح المتشابكة للأحزاب والميليشيات والشبكات التجارية المرتبطة بها. فأي إصلاح حقيقي يعني تقليص نفوذ هذه القوى وامتيازاتها، وهي قوى تمتلك السلاح والمال والنفوذ الكافي لإفشال أي محاولة تُهدد مصالحها. الحكومة الحالية برئاسة محمد شياع السوداني تحاول اتباع نهج أكثر واقعية، إصلاحات تدريجية لا تُستفزّ القوى المهيمنة بشكل مباشر، لكن الوقت يمرّ والضغوط تتزايد والشارع لا يصبر إلى ما لا نهاية.

من بين المحاولات الأكثر جدية مشروع "طريق التنمية" الذي يهدف إلى ربط ميناء الفاو الكبير في جنوب العراق بتركيا وأوروبا عبر شبكة سكك حديدية وطرق سريعة، مما يُحوّل العراق إلى ممر تجاري عالمي يربط الخليج بالمتوسط. المشروع، الذي تُقدّر تكلفته بنحو 17 مليار دولار، يحمل إمكانات هائلة لخلق فرص عمل وتنويع الاقتصاد، لكنه يحتاج إلى بيئة أمنية مستقرة وحوكمة رشيدة وشراكات دولية فعّالة، وكلها عوامل لا تزال هشّة في العراق الحالي.

ميناء تجاري كبير على ساحل الخليج

سيناريو الانهيار: ماذا لو استمر التراجع؟

ماذا يحدث لو هبطت أسعار النفط إلى 50 دولاراً للبرميل واستمرت عند هذا المستوى لسنوات؟ السيناريو مرعب لكنه ليس مستبعداً. الحكومة العراقية ستعجز عن دفع رواتب ملايين الموظفين، مما سيُشعل موجة احتجاجات أعنف بكثير مما شهدناه في 2019. شبكات الحماية الاجتماعية الهشّة أصلاً ستنهار، مما سيدفع ملايين إلى خط الفقر أو تحته. الميليشيات المسلحة التي تعتمد جزئياً على التمويل الحكومي قد تلجأ إلى مصادر بديلة للدخل، كالتهريب والابتزاز والجريمة المنظمة، مما سيُقوّض الأمن أكثر. الشباب العاطل عن العمل سيصبح مادة خاماً للتطرف والعنف والهجرة الجماعية. في أسوأ الأحوال، قد يجد العراق نفسه في حلقة مفرغة من الانهيار الاقتصادي والاضطراب الاجتماعي والفشل المؤسسي، وهي حلقة رأيناها في دول أخرى كلبنان وفنزويلا والسودان. الفارق أن العراق يقع في واحدة من أكثر مناطق العالم اضطراباً، وأي انهيار فيه سيكون له تداعيات إقليمية ودولية هائلة، من موجات لجوء ضخمة إلى صعود جماعات مسلحة إلى تهديد إمدادات النفط العالمية.

خاتمة: بين النهرين أمل ويأس

العراق ليس محكوماً بالفشل، فهو يمتلك من الموارد الطبيعية والبشرية ما يكفي لبناء اقتصاد مزدهر ومتنوع. أرضه خصبة ومياهه وفيرة (رغم تراجعها) وشعبه شاب ومتعلم وطموح وموقعه الجغرافي استراتيجي بامتياز. لكن تحقيق هذه الإمكانات يتطلّب ما هو أصعب من اكتشاف آبار نفط جديدة، يتطلّب بناء دولة حقيقية بمؤسسات فعّالة وحوكمة رشيدة وعقد اجتماعي عادل يتجاوز الطائفية والمحاصصة. التاريخ يُعلّمنا أن الحضارات التي نشأت بين النهرين واجهت تحديات وجودية مراراً، وأنها سقطت أحياناً لكنها نهضت دائماً. السؤال الذي يطرحه العراق اليوم على نفسه وعلى العالم ليس ما إذا كان سينهض من جديد، فإرادة الحياة عند شعبه لا تموت، بل متى وكيف وبأي ثمن. فالوقت لا ينتظر أحداً، والنفط الذي كان نعمة قد يتحوّل إلى لعنة أبدية إن لم يُستخدم اليوم، لا غداً، كجسر نحو مستقبل مختلف. بين دجلة والفرات، كُتبت أولى صفحات الحضارة الإنسانية، وربما حان الوقت لكتابة صفحة جديدة، لكن القلم هذه المرة في يد جيل لم يعرف سوى الحرب والحرمان ويبحث عن وطن يليق بأحلامه.

حسام بعكة

حسام بعكة

كاتب ومحلل اقتصادي متخصص في شؤون الشرق الأوسط والاقتصاد العالمي. يقدم تحليلات معمّقة تربط بين الجيوسياسة والأسواق والتحولات الاقتصادية الكبرى.

المزيد عن الكاتب

مقالات ذات صلة