حين تُحصي الأرقام ما يعجز عنه اللسان
ثمة لحظات في التاريخ تعجز فيها اللغة عن استيعاب حجم الدمار، فتتقدم الأرقام لتؤدي مهمة السرد. خمسون مليار دولار هي التقديرات الأولية لتكلفة إعادة إعمار غزة وحدها، وهو رقم يتجاوز الناتج المحلي الإجمالي لقطاع غزة والضفة الغربية مجتمعين بأضعاف، ويفوق ما أنفقته خطة مارشال على إعادة بناء أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية لو حسبناها بقيمة الدولار اليوم. لكن هذا الرقم المهول، على ضخامته، لا يُمثّل سوى الجزء الظاهر من جبل الجليد. فالكلفة الاقتصادية الحقيقية للحرب لا تُقاس فقط بحجم الدمار المادي، المباني المُسوّاة بالأرض والبنية التحتية المُدمَّرة والمصانع المُعطَّلة، بل تمتد لتشمل ما يسميه الاقتصاديون "تكلفة الفرصة البديلة": كل مشروع لم يُنفَّذ، وكل استثمار لم يأتِ، وكل سائح اختار وجهة أخرى، وكل عقل هاجر بحثاً عن الأمان، وكل طفل حُرم من التعليم الذي كان سيصنع مستقبله ومستقبل وطنه.
في هذا التحليل، لا نسعى لاختزال المأساة الإنسانية في جداول وإحصاءات، فالأرواح التي أُزهقت والعائلات التي تشردت لا يمكن تقييمها بعملة أو رقم، بل نحاول فهم البُعد الاقتصادي للصراع الذي غالباً ما يُهمل في خضم التغطية العسكرية والسياسية، رغم أنه يُشكّل الأرضية التي ستُحدد مستقبل المنطقة لعقود قادمة. فالحروب لا تنتهي بوقف إطلاق النار، بل تستمر في التهام الاقتصادات والمجتمعات لسنوات وعقود بعد صمت المدافع، كما تشهد على ذلك تجارب العراق ولبنان وسوريا واليمن. والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: كم ستدفع المنطقة بأسرها من ثمن هذه الحرب، ليس فقط في غزة بل في كل اقتصاد تأثر بتداعياتها المتموجة كحجر أُلقي في بركة ماء؟
خريطة الدمار: ما تبقّى بعد أن مرّت الآلة
تكشف صور الأقمار الاصطناعية عن حجم دمار لم تشهده المنطقة منذ الحرب العالمية الثانية. ففي غزة وحدها، وفقاً لتقديرات البنك الدولي والأمم المتحدة، تضرر أو دُمّر أكثر من سبعين بالمئة من المباني السكنية، وتعطلت أكثر من ثمانين بالمئة من المنشآت التجارية والصناعية، ودُمّرت شبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء بشكل شبه كامل. والمستشفيات، تلك البنية التحتية الحيوية التي تحتاج عقوداً لبنائها، خرج معظمها عن الخدمة، فيما تحولت الجامعات والمدارس إلى ركام. لكن الدمار لا يقتصر على غزة. ففي جنوب لبنان، خلّفت المواجهات بين حزب الله وإسرائيل دماراً واسعاً في البنية التحتية والمنشآت المدنية، حيث تُقدّر الأمم المتحدة أن تكلفة إعادة الإعمار تتجاوز ثمانية مليارات دولار، وهو مبلغ يُثقل كاهل اقتصاد لبناني يعاني أصلاً من أسوأ أزمة مالية في تاريخه المعاصر.
ما يجعل هذا الدمار مختلفاً نوعياً عن حروب سابقة ليس حجمه فحسب بل طبيعته. فالحروب السابقة في المنطقة، حتى أكثرها تدميراً كحرب 2006 في لبنان أو حرب 2014 في غزة، كانت تُخلّف دماراً يمكن إصلاحه في بضع سنوات بتمويل دولي ملائم. أما هذه المرة فالدمار يمتد إلى البنية التحتية العميقة، شبكات الأنفاق والصرف الصحي والأساسات، مما يعني أن إعادة الإعمار لن تكون مجرد "ترميم" بل إعادة بناء من الصفر. وهذا يطرح أسئلة مُعقّدة عن التمويل والحوكمة والأولويات: من سيدفع تكلفة خمسين مليار دولار أو أكثر؟ ومن سيشرف على إعادة الإعمار في ظل واقع سياسي بالغ التعقيد؟ وهل ستتكرر تجربة العراق حيث أُنفقت مليارات على إعادة إعمار ابتلعها الفساد وسوء الإدارة؟
تأثير الدومينو: حين تتساقط الاقتصادات المجاورة
إن من أخطر سمات الحروب في منطقة الشرق الأوسط أنها لا تبقى محصورة في ساحتها الجغرافية، بل تُرسل موجات صادمة تضرب الاقتصادات المجاورة كأحجار الدومينو المتساقطة. والاقتصاد الأردني، الذي يعتمد بشكل كبير على السياحة والاستثمار الأجنبي والمساعدات، تلقى ضربة موجعة مع تراجع أعداد السياح بنسبة تجاوزت ثلاثين بالمئة في الأشهر التالية لاندلاع الحرب. والاقتصاد المصري، الذي يعاني أصلاً من أزمة عملة حادة، تأثر بشكل مضاعف: فمن جهة تراجعت إيرادات قناة السويس بنسبة تجاوزت أربعين بالمئة بسبب هجمات الحوثيين على السفن في البحر الأحمر، وهي تداعيات مباشرة لاتساع رقعة الصراع، ومن جهة أخرى ازداد الضغط على الحدود مع احتمال تدفق نازحين من غزة عبر معبر رفح.
الأثر الاقتصادي يمتد أيضاً إلى الاقتصاد الإسرائيلي ذاته الذي يدفع ثمناً باهظاً للحرب. فالإنفاق العسكري الإضافي الذي تجاوز خمسين مليار دولار خلال العام الأول من الصراع أجبر الحكومة على اقتراض مبالغ ضخمة رفعت نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي بشكل حاد. وإجلاء عشرات الآلاف من سكان المستوطنات الحدودية شمالاً وجنوباً أدى إلى تعطيل قطاع الزراعة في تلك المناطق. وقطاع التكنولوجيا، محرك النمو الإسرائيلي، تأثر بشكل ملحوظ مع استدعاء آلاف العاملين فيه للخدمة العسكرية الاحتياطية ومع تراجع ثقة المستثمرين الأجانب. والتصنيف الائتماني لإسرائيل تعرض لتخفيضات متعددة من وكالات التصنيف الكبرى، وهو مؤشر لا يُستهان به على التكلفة الاقتصادية الحقيقية للحرب حتى على الطرف الأقوى عسكرياً.
أزمة البحر الأحمر: شريان العالم تحت التهديد
في يناير 2024، وبعد أسابيع من بدء هجمات الحوثيين على السفن التجارية في البحر الأحمر، أعلنت كبرى شركات الشحن البحري العالمية تحويل سفنها إلى طريق رأس الرجاء الصالح حول أفريقيا، مُضيفةً عشرة أيام إلى رحلة كانت تستغرق أسبوعين فقط عبر قناة السويس. هذا القرار، الذي بدا تقنياً في ظاهره، أطلق سلسلة من التداعيات الاقتصادية لا تزال تتكشف فصولها. فإيرادات قناة السويس، التي تُشكّل أحد أهم مصادر العملة الصعبة لمصر بما يقارب عشرة مليارات دولار سنوياً، تراجعت بشكل دراماتيكي. وتكاليف الشحن العالمية ارتفعت بنسب تتراوح بين مئة وثلاثمئة بالمئة على بعض المسارات، مما أدى إلى ارتفاع أسعار السلع في الأسواق العربية والأوروبية على حد سواء. وميناء إيلات الإسرائيلي على البحر الأحمر أعلن إفلاسه فعلياً بعد توقف حركة السفن بالكامل.
لكن الأثر الأعمق لأزمة البحر الأحمر يتجاوز الأرقام المباشرة ليطال البنية الأساسية للتجارة العالمية. فالبحر الأحمر الذي يمر عبره نحو خمسة عشر بالمئة من التجارة العالمية، بما يشمل ثلاثين بالمئة من حاويات الشحن العالمية، كان يُعتبر ممراً آمناً نسبياً رغم اضطرابات المنطقة. وتحويله إلى منطقة حرب أعاد تذكير العالم بحقيقة ينساها الكثيرون: أن الاقتصاد العالمي المعولم يعتمد في نهاية المطاف على ممرات بحرية ضيقة يمكن لأي فاعل مسلح، حتى لو كان ميليشيا غير دولتية، أن يُعطّلها. وهذا الإدراك دفع شركات التأمين البحري إلى رفع أقساطها على السفن المارة في المنطقة بنسب فلكية، مما يعني أن تكلفة المخاطر ستظل مرتفعة حتى بعد توقف الهجمات.
نزيف الثقة: حين يهرب المستثمر قبل القذيفة
يقول المثل في عالم المال إن "رأس المال جبان"، وهي مقولة تتجلى بأوضح صورها في منطقة الشرق الأوسط حيث يكفي صوت انفجار واحد لإلغاء صفقة استثمارية بمئات الملايين. والبيانات تؤكد هذه المقولة بشكل صادم: فالاستثمار الأجنبي المباشر في المنطقة تراجع بنسبة ملحوظة في أعقاب اندلاع الحرب، ليس فقط في البلدان المتضررة مباشرة بل في المنطقة بأسرها. فالمستثمر الأجنبي، سواء كان صندوقاً سيادياً آسيوياً أو شركة تكنولوجيا أمريكية، لا يُميّز بالضرورة بين أردن مستقر وغزة مشتعلة، بل يرى منطقة واحدة تحمل علامة "خطر" ويبحث عن بدائل أكثر أماناً في جنوب شرق آسيا أو أوروبا الشرقية أو أمريكا اللاتينية.
هذا النزيف في ثقة المستثمرين ينعكس أيضاً على التصنيفات الائتمانية السيادية التي تُعدّ مقياساً حاسماً لقدرة الدول على الاقتراض من الأسواق الدولية. فقد خفّضت وكالات التصنيف الكبرى، موديز وستاندرد آند بورز وفيتش، تصنيفاتها أو نظرتها المستقبلية لعدد من دول المنطقة في أعقاب الحرب. والأثر لا يقتصر على السندات السيادية بل يمتد إلى القطاع الخاص بأكمله، إذ أن تخفيض التصنيف السيادي يرفع تلقائياً تكلفة الاقتراض على كل شركة ومؤسسة في البلد المعني، مما يُبطئ النمو ويُثبّط الاستثمار في حلقة مفرغة يصعب الخروج منها. وقطاع السياحة، الذي يُشكّل عشرة إلى عشرين بالمئة من الناتج المحلي في دول مثل الأردن ومصر ولبنان، تلقى ضربة قاسية بشكل خاص، إذ أن السائح الذي يبحث عن الاستجمام يتجنب غريزياً المناطق التي يسمع منها أصوات الانفجارات في نشرات الأخبار.
تكلفة الفرصة البديلة: الثروة التي لم تُولد
لعل أكثر أبعاد الكلفة الاقتصادية للحرب تعقيداً وأصعبها على القياس هو ما لم يحدث، المشاريع التي لم تُنفَّذ والفرص التي ضاعت والنمو الذي لم يتحقق. فالمنطقة كانت تشهد قبل الحرب موجة من المشاريع الضخمة والطموحة: من رؤية السعودية 2030 ومشاريع نيوم وذا لاين، إلى خطط مصر لتحويل شبه جزيرة سيناء إلى مركز لوجستي عالمي، إلى مشاريع الأردن السياحية الطموحة. كثير من هذه المشاريع تأثر بشكل مباشر أو غير مباشر، إما بتأخر التنفيذ أو بتراجع التمويل أو بتحويل الموارد نحو الأولويات الأمنية. والممر الاقتصادي الهندي-الأوروبي IMEC، الذي كان يُفترض أن يمر عبر إسرائيل، تجمّد عملياً بعد اندلاع الحرب، مما حرم المنطقة من مشروع بنية تحتية كان يمكن أن يُغيّر خريطتها الاقتصادية.
ثم هناك تكلفة "هجرة العقول" التي تتسارع في أوقات الصراع. فالمهندس والطبيب ورائد الأعمال الذي يغادر بيروت أو عمّان أو القاهرة بحثاً عن الاستقرار في دبي أو إسطنبول أو برلين يأخذ معه رأس مال بشرياً لا يُعوَّض، سنوات من التعليم والخبرة والشبكات المهنية، مما يُفقر البلد المصدّر ويُثري البلد المستقبل في معادلة صفرية قاسية. وتُشير التقديرات إلى أن المنطقة العربية تخسر سنوياً آلاف الكوادر المؤهلة التي تهاجر بسبب الصراعات وانعدام الاستقرار، وهي خسارة تتراكم مع الزمن لتُنتج فجوة في رأس المال البشري يحتاج سدّها إلى أجيال.
ما بعد صمت المدافع: إعادة الإعمار أم إعادة إنتاج الأزمة؟
التاريخ يُعلّمنا أن إعادة الإعمار بعد الحروب ليست مسألة تقنية أو مالية فحسب، بل هي في جوهرها مسألة سياسية وأخلاقية. فخطة مارشال نجحت في إعادة بناء أوروبا لأنها رافقتها إرادة سياسية حقيقية ومؤسسات فاعلة وحوكمة رشيدة، بينما فشلت إعادة إعمار العراق رغم المليارات التي أُنفقت لأن الفساد والطائفية والتدخل الأجنبي أفرغتها من مضمونها. والسؤال الملح أمام المنطقة اليوم: أي نموذج ستتبع؟ هل ستُنتج الحرب لحظة مارشالية تُعيد بناء ما دُمّر على أسس أكثر عدالة واستدامة، أم ستتكرر الحلقة المفرغة من الدمار فإعادة إعمار فاسدة فصراع جديد يُعيد الجميع إلى نقطة الصفر؟ إن الأرقام الخمسينية والمئوية، مهما بلغت ضخامتها، ستبقى مجرد أرقام على ورق ما لم تُرافقها رؤية سياسية تُعالج الجذور وليس الأعراض فقط. والكلفة الاقتصادية الحقيقية للحرب ليست في ما دُمّر، فالأبنية تُعاد والجسور تُشيَّد، بل في ما تُدمّره من أمل وثقة ورأس مال اجتماعي يحتاج بناؤه إلى سلام حقيقي لا مجرد هدنة بين حربين.
