H.Bاقتصاد الشرق
رجل واحد يُعيد كتابة قواعد التجارة العالمية
التجارة الدولية

رجل واحد يُعيد كتابة قواعد التجارة العالمية

حسام بعكة

حسام بعكة

٣٠ يناير ٢٠٢٦ · 8 دقائق

في ولايته الثانية، يشنّ ترامب حربًا جمركية شاملة تتجاوز الصين لتطال الحلفاء قبل الخصوم. العالم يدخل مرحلة فوضى تجارية غير مسبوقة.

في التاريخ الاقتصادي الحديث، نادرًا ما استطاع فرد واحد أن يُعيد كتابة قواعد النظام التجاري العالمي بجرّة قلم، أو بالأحرى بتغريدة على هاتفه في ساعات الفجر الأولى. لكن دونالد ترامب ليس شخصية عادية في عالم السياسة الأمريكية ولا في تاريخ الاقتصاد الدولي. حين عاد إلى البيت الأبيض في يناير 2025، لم يكتفِ بإعادة فرض الرسوم الجمركية التي ميّزت ولايته الأولى، بل ذهب إلى أبعد مما توقّع حتى أشد المتشائمين، فارضًا رسومًا على حلفاء أمريكا التقليديين قبل خصومها، ومُعلنًا حربًا تجارية شاملة لا تُميّز بين صديق وعدو. ما يحدث اليوم ليس مجرد سياسة حمائية تقليدية من النوع الذي عرفه العالم مرارًا، بل هو تفكيك منهجي للنظام التجاري الذي بنته الولايات المتحدة نفسها بعد الحرب العالمية الثانية، ذلك النظام الذي قام على مبادئ التجارة الحرة والمعاملة بالمثل وحل النزاعات عبر المؤسسات الدولية. ترامب لا يُصلح هذا النظام ولا يُعدّله، بل يهدمه من الأساس، وكأنه يُعاقب العالم على نظام كانت بلاده هي المستفيد الأول منه طوال سبعين عامًا. إنها لحظة تاريخية فارقة لن تقتصر تداعياتها على أسعار السلع والميزان التجاري، بل ستُعيد تشكيل موازين القوة الاقتصادية والسياسية لعقود قادمة.

أعلام أمريكية ترفرف أمام مبانٍ حكومية ترمز إلى السياسة التجارية الأمريكية الجديدة

ترامب 2.0: الحمائية بلا حدود

ما يُميّز الموجة الثانية من رسوم ترامب الجمركية عن الأولى هو نطاقها الشامل وعشوائيتها المحيّرة. في ولايته الأولى (2017-2021)، ركّز ترامب هجومه التجاري بشكل رئيسي على الصين، فارضًا رسومًا على بضائع صينية بقيمة تجاوزت 370 مليار دولار. كان المنطق واضحًا وإن كان مُبسّطًا: الصين تسرق الملكية الفكرية وتتلاعب بعملتها وتُغرق الأسواق الأمريكية بمنتجات رخيصة. لكن ترامب 2.0 وسّع نطاق الاستهداف ليشمل الجميع تقريبًا. رسوم بنسبة 25% على واردات الصلب والألمنيوم من كندا والمكسيك، أقرب حليفين تجاريين لأمريكا وشريكيها في اتفاقية USMCA التي وقّعها ترامب نفسه. رسوم على السيارات الأوروبية واليابانية والكورية. تهديدات برسوم على كل شيء يدخل أمريكا من أي مكان. منطق "أمريكا أولًا" تحوّل إلى "أمريكا وحدها"، عزلة تجارية لم تشهدها البلاد منذ قانون سموت-هاولي عام 1930 الذي يُعتبره أغلب الاقتصاديين سببًا رئيسيًا في تعميق الكساد الكبير. والأرقام صادمة: متوسط الرسوم الجمركية الأمريكية ارتفع من نحو 2% في 2016 إلى ما يزيد عن 20% على كثير من السلع، وهو مستوى لم يُعرف منذ ثلاثينيات القرن الماضي. هذا التحوّل يُعيد الاقتصاد الأمريكي قرنًا كاملًا إلى الوراء من حيث الانفتاح التجاري، ويُقوّض كل ما بنته واشنطن من منظومة تجارية عالمية خلال سبعة عقود.

انهيار منظمة التجارة العالمية: موت بطيء

منظمة التجارة العالمية، التي أُسست عام 1995 كحَكَم دولي للنزاعات التجارية ومُشرف على قواعد التبادل بين 164 دولة، تعيش اليوم أشد أزماتها منذ تأسيسها. الولايات المتحدة تحت إدارة ترامب (والإدارات التي سبقته أيضًا، وإن بدرجة أقل) عطّلت جهاز الاستئناف في المنظمة برفضها الموافقة على تعيين قضاة جدد، مما يعني أن أي قرار يصدره جهاز فض النزاعات يمكن الطعن فيه أمام جهاز استئناف غير موجود فعليًا. هذا التعطيل المتعمّد حوّل المنظمة إلى هيكل بلا روح، تعقد اجتماعاتها وتُصدر تقاريرها لكنها عاجزة عن إنفاذ قراراتها. والرسالة التي يُرسلها ترامب واضحة: أمريكا لن تقبل أن يحكم عليها أي طرف خارجي في شؤونها التجارية، وستتعامل مع كل شريك تجاري على حدة وفق ميزان القوة الثنائي بينهما. هذا النهج "الثنائي" يخدم القوة العظمى بالتأكيد، فأمريكا في أي مفاوضة ثنائية هي الطرف الأقوى، لكنه يُدمّر النظام متعدد الأطراف الذي يحمي الدول الصغيرة والمتوسطة من تعسّف الكبار. إنه نوع من قانون الغاب الاقتصادي حيث يحق للقوي أن يُملي شروطه على الضعيف دون أي مرجعية أو قواعد. والمفارقة أن هذا النظام المتعدد الأطراف كان أمريكيًا بالأصل، أنشأته واشنطن بعد الحرب العالمية الثانية لضمان استقرار اقتصادي عالمي يخدم مصالحها. واليوم، تهدم واشنطن ما بنته بيديها، وكأنها لم تعد بحاجة إلى النظام الذي صنعته.

حاويات شحن مكدّسة في ميناء تجاري عالمي تعكس تأثير الرسوم الجمركية على التجارة

الفاتورة على المستهلك: من يدفع ثمن الحمائية حقًا؟

يروّج ترامب لفكرة أن الرسوم الجمركية تُدفع من قبل الدول المُصدّرة، أي أن الصين أو كندا أو ألمانيا هي من تدفع ثمن الرسوم على صادراتها لأمريكا. لكن هذا ببساطة غير صحيح اقتصاديًا. الرسوم الجمركية يدفعها المستورد الأمريكي، الشركة أو التاجر الذي يشتري السلعة، ثم ينقل التكلفة إلى المستهلك النهائي عبر رفع الأسعار. دراسات متعددة من جامعات هارفارد وكولومبيا ومن بنك الاحتياطي الفيدرالي أثبتت أن رسوم ترامب في ولايته الأولى كلّفت المستهلك الأمريكي ما بين 1200 و2000 دولار إضافية سنويًا لكل أسرة. ومع الرسوم الجديدة الأوسع نطاقًا، تُقدّر مؤسسة "تاكس فاوندشن" أن التكلفة قد ترتفع إلى 3000 دولار أو أكثر لكل أسرة. الغسالات والمجففات ارتفعت أسعارها بنحو 12% بعد رسوم 2018. أسعار السيارات ارتفعت بمتوسط 2000 دولار للسيارة الواحدة. المواد الغذائية المستوردة، من الأفوكادو المكسيكي إلى الجبن الأوروبي، باتت أغلى ثمنًا. والمفارقة أن الفئات الأكثر تضررًا هي الطبقات العاملة والمتوسطة التي صوّتت لترامب، لأن الرسوم الجمركية ضريبة تراجعية بطبيعتها، تُثقل كاهل الفقير أكثر من الغني، إذ يُنفق الفقير نسبة أكبر من دخله على السلع الأساسية المستوردة. إنها مفارقة الشعبوية الاقتصادية: سياسات تُباع باسم حماية العامل الأمريكي تنتهي بإفقاره.

وهم إعادة التصنيع: لماذا لن تعود المصانع؟

الحجة المركزية لسياسة الرسوم الجمركية هي أنها ستُعيد المصانع إلى أمريكا وتُوفّر ملايين الوظائف الصناعية التي فُقدت خلال عقود العولمة. لكن الواقع أعقد بكثير من هذا الوعد البسيط. الوظائف الصناعية التي فقدتها أمريكا لم تذهب كلها إلى الصين، جزء كبير منها أُلغي بسبب الأتمتة والروبوتات، لا بسبب التجارة. الإنتاج الصناعي الأمريكي في الواقع أعلى اليوم مما كان عليه في السبعينيات، لكنه يتم بعدد أقل بكثير من العمال بفضل التكنولوجيا. وحتى لو أُعيدت بعض المصانع إلى الأراضي الأمريكية، فإنها ستكون مصانع مؤتمتة بشكل كبير لا تُوظّف سوى عدد محدود من العمال المتخصصين. تجربة ولاية ترامب الأولى تُثبت ذلك: رغم كل الرسوم والحوافز، لم يزد التوظيف في قطاع التصنيع إلا بنحو 400 ألف وظيفة، وهو رقم متواضع في اقتصاد يُوظّف 160 مليون شخص، وقد فُقدت معظم هذه الوظائف لاحقًا مع جائحة كوفيد. فوكسكون، الشركة التايوانية العملاقة التي تُصنّع هواتف آيفون، وعدت ببناء مصنع ضخم في ويسكنسن يُوظّف 13 ألف عامل، لكن المشروع تقلّص مرارًا وانتهى بتوظيف بضع مئات فقط. الحقيقة المُرّة هي أن سلاسل التوريد العالمية بُنيت عبر عقود من التراكم والتخصص والاستثمار، ولا يمكن نقلها بقرار سياسي أو رسوم جمركية. إعادة بناء منظومة صناعية متكاملة في أمريكا تتطلب عقودًا وتريليونات من الاستثمارات وقوة عاملة مدرّبة غير متوفرة حاليًا، وحتى لو تحقق ذلك، فإن المنتجات الأمريكية ستكون أغلى ثمنًا بكثير.

فرصة للقوى المتوسطة: حين ينشغل العمالقة

في خضم هذه الفوضى التجارية، تبرز فرص حقيقية للقوى المتوسطة والصاعدة التي تعرف كيف تستغل الفراغات. الهند تسعى لأن تكون البديل الصناعي عن الصين، مستفيدة من قاعدتها السكانية الضخمة وتكاليف العمالة المنافسة. فيتنام وإندونيسيا وبنغلاديش تستقبل مصانع تنتقل من الصين بحثًا عن تكاليف أقل ورسوم جمركية أخف. والمكسيك، رغم التوترات مع ترامب، تستفيد من اتفاقية USMCA وقربها الجغرافي لتكون منصة تصنيع للسوق الأمريكية. أما بالنسبة للمنطقة العربية، فالفرص موجودة لكنها تتطلب رؤية استراتيجية وتنفيذًا سريعًا. السعودية والإمارات تسعيان لتنويع اقتصاداتهما وبناء قدرات صناعية، وتستطيعان استغلال موقعهما الجغرافي بين آسيا وأوروبا وأفريقيا لتكونا مركزًا للتصنيع وإعادة التصدير. المغرب بنى قاعدة صناعية متنامية في قطاع السيارات والطيران ويمكنه استغلال اتفاقيات التجارة الحرة مع الاتحاد الأوروبي وأمريكا. مصر بسكانها الـ 106 ملايين وتكاليف عمالتها المنخفضة يمكن أن تكون وجهة لمصانع تبحث عن بديل. لكن كل هذه الفرص تبقى نظرية ما لم تُرافقها إصلاحات حقيقية في بيئة الأعمال والبنية التحتية والتعليم والحوكمة، وهي إصلاحات تتطلب إرادة سياسية لا تتوفر دائمًا.

مبانٍ تجارية شاهقة في مدينة عالمية ترمز إلى النظام الاقتصادي العالمي المتغير

نهاية النظام القائم على القواعد: ماذا بعد؟

ما يفعله ترامب يتجاوز السياسة التجارية إلى مسألة أعمق تتعلق بطبيعة النظام الدولي ذاته. النظام الذي بنته أمريكا بعد 1945، الأمم المتحدة، وبريتون وودز، والغات ثم منظمة التجارة العالمية، قام على فكرة أن القواعد المشتركة تخدم الجميع بما في ذلك القوة العظمى. أمريكا استفادت من هذا النظام أكثر من أي دولة أخرى: الدولار هو عملة الاحتياط العالمية، والشركات الأمريكية هيمنت على الأسواق العالمية، والقواعد التجارية صُمّمت لتعكس المصالح الأمريكية. لكن ترامب، ومعه تيار عريض في أمريكا، يرى أن هذا النظام لم يعد يخدم المصالح الأمريكية كما كان، وأن الصين وغيرها استغلت قواعده للنمو على حساب أمريكا. هذه الرواية تحمل بعض الحقيقة، فالصين بالفعل استفادت من انضمامها لمنظمة التجارة العالمية عام 2001 بشكل هائل، ولم تلتزم بكثير من القواعد المتعلقة بالملكية الفكرية ودعم الصناعة والشفافية. لكن الحل الترامبي، هدم النظام بالكامل بدلًا من إصلاحه، يُشبه من يحرق بيته لأن السقف يحتاج إلى ترميم. ما نشهده هو نهاية حقبة ومخاض حقبة جديدة لم تتشكّل ملامحها بعد. العالم يتجه نحو نظام أكثر فوضوية وأقل قابلية للتنبؤ، نظام تُحدد فيه القوة لا القواعد شروط التبادل، وحيث يُعاد التفاوض على كل شيء بشكل مستمر. والسؤال الذي يجب أن يشغل كل صانع قرار في منطقتنا العربية: كيف نتنقّل في هذا العالم الجديد الذي لم تعد فيه قواعد ثابتة ولا حَكَم نزيه؟ إن زمن الاعتماد على نظام تجاري عالمي مستقر ومنصف قد ولّى، وما نحتاجه اليوم هو مرونة استراتيجية تتيح لنا التعامل مع كل طرف وفق مصالحنا، دون الانحياز الكامل لأي كتلة. الرسوم الجمركية لرجل واحد في البيت الأبيض أثبتت أن مصير اقتصادات بأكملها يمكن أن يتغيّر بتغريدة، وهذه ليست نهاية القصة بل بدايتها، لأن العالم الذي يحكمه المزاج الشخصي بدلًا من القواعد المؤسسية هو عالم لا يعرف فيه أحد ما يحمله الغد. والتاريخ يشهد أن كل نظام هدمه من بناه ينتهي بفوضى تطول الجميع، بما في ذلك من أشعل الحريق ظنًّا منه أنه يملك مطفأة الحريق. والمنطقة العربية، التي عانت طويلًا من تبعيتها للنظام التجاري الذي صاغته واشنطن، تجد نفسها أمام فرصة نادرة لإعادة التموضع في عالم تتشظّى فيه الكتل القديمة وتتشكّل تحالفات جديدة. فهل تملك النخب الحاكمة في الرياض والقاهرة وأبوظبي والرباط الذكاء الاستراتيجي لتحويل الفوضى التجارية العالمية إلى ورقة تفاوضية تخدم مصالح شعوبها؟ أم ستبقى رهينة لردود الأفعال وتغريدات الفجر من البيت الأبيض؟ إن المرونة في زمن الفوضى تتطلب بنية اقتصادية متنوّعة ومؤسسات قوية وتعليمًا يصنع الابتكار، وهي ركائز لا تُبنى بالخطابات بل بالعمل المنهجي الطويل الذي يتجاوز دورات الانتخابات الأمريكية ومزاج ساكن البيت الأبيض.

حسام بعكة

حسام بعكة

كاتب ومحلل اقتصادي متخصص في شؤون الشرق الأوسط والاقتصاد العالمي. يقدم تحليلات معمّقة تربط بين الجيوسياسة والأسواق والتحولات الاقتصادية الكبرى.

المزيد عن الكاتب

مقالات ذات صلة