H.Bاقتصاد الشرق
انهيار الليرة التركية: تداعيات تتجاوز حدود أنقرة
جيوسياسة اقتصادية

انهيار الليرة التركية: تداعيات تتجاوز حدود أنقرة

حسام بعكة

حسام بعكة

٣ فبراير ٢٠٢٦ · 9 دقائق

أزمة العملة التركية تُلقي بظلالها على الاقتصادات العربية المجاورة، من السياحة إلى التجارة والاستثمار.

العملة التي سقطت من شرفة البوسفور

في مشهد يختزل مأساة اقتصادية بأكملها، وقف مواطن تركي أمام أحد مكاتب الصرافة في حي بيوغلو الإسطنبولي في أواخر عام 2023 وهو يحدّق بذهول في الشاشة الإلكترونية التي تُظهر سعر الدولار الأمريكي مقابل الليرة التركية: ثمانية وعشرون ليرة. قبل خمس سنوات فقط، في عام 2018، كان الدولار يُساوي أربع ليرات. وقبل عقد كامل كان يُساوي ليرتين ونصفاً. أي أن العملة التركية فقدت أكثر من خمسة وثمانين بالمئة من قيمتها في غضون سنوات، وهو انهيار لا يُقارن إلا بأزمات العملات الكارثية في زيمبابوي وفنزويلا والأرجنتين. لكن الفارق الجوهري أن تركيا ليست دولة هامشية: إنها سابع عشر أكبر اقتصاد في العالم، وعضو في حلف الناتو ومجموعة العشرين، وتمتلك قاعدة صناعية ضخمة وموقعاً جغرافياً يربط بين أوروبا وآسيا، مما يجعل انهيار عملتها حدثاً اقتصادياً ذا تداعيات تتجاوز حدودها بكثير، وتصل، كما سنبيّن، إلى قلب الاقتصادات العربية المجاورة.

إن قصة الليرة التركية ليست مجرد قصة عملة فقدت قيمتها، فهذا يحدث في بلدان كثيرة لأسباب متنوعة، بل هي قصة أعمق عن الصدام بين الإرادة السياسية والمنطق الاقتصادي، وعن الثمن الذي تدفعه الشعوب حين يُقرّر قائد واحد أنه يفهم في الاقتصاد أكثر من كل خبراء العالم مجتمعين، وعن الترابط الوثيق بين الاقتصادات المتجاورة في عالم لم تعد فيه أي أزمة محلية حقاً. فما يحدث في أنقرة لا يبقى في أنقرة، بل يمتد إلى بغداد ودمشق وعمّان والقاهرة وحتى الرياض، في شبكة من التأثيرات المتبادلة التي تكشف هشاشة النظام الاقتصادي الإقليمي.

أفق إسطنبول عند الغروب مع مآذن وجسر البوسفور

اقتصاديات السلطان: حين ينقلب الكتاب رأساً على عقب

لفهم كيف وصلت الليرة إلى هذا الحضيض، لا بد من العودة إلى اللحظة التي قرر فيها الرئيس رجب طيب أردوغان أن يتبنى ما سمّاه نقاده "اقتصاديات أردوغان"، وهي نظرية غريبة تقوم على فكرة أن خفض أسعار الفائدة يُخفّض التضخم، وهو عكس ما يُقرّه علم الاقتصاد النقدي تماماً. ففي كل كتب الاقتصاد، من آدم سميث إلى ميلتون فريدمان، يُعدّ رفع أسعار الفائدة الأداة الأساسية لمكافحة التضخم لأنه يُقلّل المعروض النقدي ويُبطئ الطلب. لكن أردوغان، الذي وصف أسعار الفائدة المرتفعة بأنها "أمّ كل الشرور" وأعلن نفسه "عدواً لأسعار الفائدة"، أقال ثلاثة محافظين للبنك المركزي في أقل من عامين لأنهم رفضوا تنفيذ أوامره بخفض الفائدة، وعيّن بدلاً منهم موالين نفّذوا سياسته التي أدت إلى خفض سعر الفائدة من تسعة عشر بالمئة إلى تسعة بالمئة في وقت كان فيه التضخم يتجاوز ثمانين بالمئة، في وصفة كارثية لا تحتاج إلى شهادة دكتوراه في الاقتصاد لتوقّع نتائجها.

النتيجة كانت حتمية ومتوقعة: انهارت الليرة بشكل حر، وارتفع التضخم إلى مستويات جنونية تجاوزت خمسة وثمانين بالمئة رسمياً، والأرقام الحقيقية أعلى بكثير حسب مجموعات الأبحاث المستقلة، فيما فقد المواطن التركي العادي أكثر من نصف قوته الشرائية خلال سنتين فقط. وأسعار المساكن تضاعفت ثلاث مرات، وأسعار المواد الغذائية ارتفعت بنسب فلكية جعلت أطباقاً تركية تقليدية كالكباب والبقلاوة ترفاً لا تستطيعه عائلات كثيرة. والطبقة الوسطى التركية، التي كانت فخر تجربة حزب العدالة والتنمية الاقتصادية في سنواته الذهبية، تآكلت بسرعة مرعبة. أما بعد انتخابات 2023 التي فاز بها أردوغان، فقد اضطر، تحت ضغط الواقع، إلى تعيين فريق اقتصادي تقليدي بقيادة محمد شيمشك ومحافظة البنك المركزي حفيظة غاية أركان اللذين رفعا سعر الفائدة إلى خمسة وأربعين بالمئة في محاولة متأخرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

المصنع التركي بلا ثمن: إغراق الأسواق العربية

ثمة وجه آخر لانهيار الليرة لا يحظى بالاهتمام الكافي: تأثيره على القدرة التنافسية للصادرات التركية في الأسواق العربية المجاورة. فانخفاض العملة بنسبة خمسة وثمانين بالمئة يعني، من الناحية العملية، أن المصنع التركي بات يُنتج بتكلفة أقل بكثير بالدولار، مما يُمكّنه من تصدير منتجاته بأسعار تنافسية قد تُدمّر الصناعات المحلية في البلدان المستوردة. والأرقام تتحدث بوضوح: فالصادرات التركية إلى العالم العربي نمت بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة، حيث تجاوزت الصادرات إلى العراق وحده خمسة عشر مليار دولار سنوياً ليصبح أكبر سوق للمنتجات التركية. والمنتجات التركية، من المنسوجات والملابس إلى مواد البناء والأجهزة الكهربائية والمواد الغذائية، باتت تُنافس المنتجات المحلية في أسواق عربية عديدة بأسعار يصعب مجاراتها.

في مصر، التي تُعاني هي الأخرى من تراجع حاد في قيمة الجنيه، يشتكي الصناعيون المحليون من تدفق المنتجات التركية الرخيصة التي تُزاحمهم في سوقهم المحلي، خاصة في قطاعات المنسوجات والملابس الجاهزة والأثاث. وفي الأردن، حيث القاعدة الصناعية أصغر وأكثر هشاشة، يكاد الإغراق التركي يُقصي بعض الصناعات المحلية من السوق بالكامل. والعراق، أكبر سوق للصادرات التركية، يعيش تحت هيمنة تجارية تركية شبه كاملة في قطاعات عديدة، مما يُثير مخاوف جدية بشأن التبعية الاقتصادية. وحتى دول الخليج، رغم قدرتها المالية الأكبر، تشهد تزايداً في واردات المنتجات التركية الرخيصة التي تُنافس العلامات التجارية الأوروبية التقليدية. إن ما يحدث هو في جوهره تصدير للأزمة التركية إلى الجيران، فما يخسره المواطن التركي من قوته الشرائية يتحوّل جزئياً إلى ميزة تنافسية للمصدّر التركي على حساب الصناعات العربية المحلية.

سوق شعبي تركي مزدحم بالبضائع

السياحة المعكوسة: حين يصبح العربي سيد إسطنبول

أحد أكثر التداعيات إثارة لانهيار الليرة هو ظاهرة "السياحة المعكوسة" التي حوّلت تركيا إلى وجهة رخيصة بشكل استثنائي للسياح العرب والخليجيين تحديداً. فالفندق الخمس نجوم في إسطنبول الذي كان يُكلّف ثلاثمئة دولار لليلة أصبح يُكلّف مئة وخمسين أو أقل بالقيمة الحقيقية. والمطعم الفاخر الذي كان يُقدّم عشاءً بمئتي دولار أصبح يُقدّم الوجبة ذاتها بسبعين دولاراً. والشقق الفاخرة في مناطق مثل شيشلي وبيشكتاش أصبحت في متناول المستثمر العربي الذي يجد في العقار التركي فرصة لا تتكرر، خاصة مع القانون التركي الذي يمنح الجنسية لمن يشتري عقاراً بقيمة أربعمئة ألف دولار أو أكثر. وقد تدفق أكثر من سبعة ملايين سائح عربي على تركيا في عام واحد، أنفقوا مليارات الدولارات وحوّلوا أحياء بأكملها في إسطنبول وطرابزون وأنطاليا إلى فضاءات عربية بامتياز.

لكن هذه الظاهرة، التي تبدو إيجابية من منظور الاقتصاد التركي، تحمل تناقضات عميقة. فالمواطن التركي الذي يرى السياح الخليجيين يشترون الشقق والمطاعم والمحلات في حيّه يشعر بمزيج من الغضب والإذلال، إذ أن ما كان يملكه بات يُباع لأجانب لأن عملته انهارت. وهذا الشعور يُغذّي موجة من الكراهية للأجانب والشعبوية القومية التي تستثمرها أحزاب المعارضة. كما أن تدفق الأموال العربية على القطاع العقاري ساهم في تضخم فقاعة عقارية أبعدت الشباب التركي عن حلم التملّك، في حلقة مفرغة يُغذّي فيها انهيار العملة أزمة إسكان تُزيد الاحتقان الاجتماعي الذي يُضعف بدوره الثقة في الاقتصاد فتنهار العملة أكثر. إن السياحة المعكوسة هي مرآة تعكس، بشكل مؤلم، اختلال موازين القوة الاقتصادية في المنطقة.

التداعيات على الجيران: من يعطس في أنقرة يُصاب بالحمّى في بغداد

لا يمكن فصل الأزمة التركية عن محيطها الإقليمي، فالاقتصاد التركي مرتبط بشبكة كثيفة من العلاقات التجارية والمالية والبشرية مع الاقتصادات العربية المجاورة، مما يجعل أي اضطراب في أنقرة يرتدّ حتماً على عمّان وبغداد والقاهرة وبيروت. والعراق، الذي يعتمد على تركيا في جزء كبير من وارداته الغذائية والصناعية، يجد نفسه في وضع متناقض: فمن جهة يستفيد المستهلك العراقي من رخص البضائع التركية، ومن جهة أخرى تتآكل القاعدة الصناعية العراقية الهشة أمام منافسة لا تستطيع مجاراتها. والأردن الذي يستورد كميات كبيرة من السلع التركية يشهد تراجعاً في قدرة مصانعه على المنافسة، خاصة في قطاعات المنسوجات والأغذية المصنّعة.

أما سوريا، البلد الذي يشترك مع تركيا في أطول حدود برية ويعيش على أراضيها أكثر من ثلاثة ملايين لاجئ سوري، فالتداعيات أعمق وأكثر تعقيداً. فالليرة السورية التي كانت تاريخياً مرتبطة بشكل غير رسمي بالليرة التركية في مناطق الشمال السوري الخاضعة للنفوذ التركي تأثرت بشكل مباشر بالانهيار. والتحويلات المالية من السوريين العاملين في تركيا، التي تُشكّل شريان حياة لعائلاتهم في الداخل، فقدت جزءاً كبيراً من قيمتها الحقيقية. بل إن بعض التقارير تُشير إلى أن لاجئين سوريين بدأوا بالعودة إلى سوريا لأن الحياة في تركيا أصبحت باهظة التكلفة حتى بمعايير بلد يعيش حرباً، في مفارقة تكشف عمق الأزمة.

سوق صرافة مع شاشات عملات رقمية

الذهب الملاذ الأخير: هروب المدّخرات من قبضة الليرة

في مواجهة الانهيار المستمر للعملة، لجأ المواطن التركي إلى أقدم ملاذ عرفته البشرية: الذهب. فتركيا التي كانت تاريخياً من أكبر أسواق الذهب في العالم شهدت طلباً محموماً على المعدن الأصفر، من السبائك الصغيرة التي يشتريها المواطن العادي من محلات البازار الكبير في إسطنبول إلى الأطنان التي يستوردها البنك المركزي لدعم احتياطياته المتآكلة. وقد قدّرت جمعية الذهب العالمية أن تركيا كانت من بين أكبر خمس دول مستهلكة للذهب في العالم خلال سنوات الأزمة، إذ يُقدّر أن الأتراك يحتفظون بما يتراوح بين ثلاثمئة وخمسمئة طن من الذهب في منازلهم، ما يُعرف محلياً بـ"الذهب تحت الوسادة"، وهو ما يُعادل عشرات المليارات من الدولارات خارج النظام المصرفي. هذا الهروب الجماعي من الليرة إلى الذهب والدولار يُشكّل في حد ذاته حلقة مفرغة: كلما اشترى المواطنون العملات الأجنبية والذهب زاد الضغط على الليرة فانخفضت أكثر فزاد الطلب على الذهب والدولار، في دوامة يصعب كسرها بدون استعادة جذرية للثقة.

دروس من البوسفور: ما يُخبرنا به انهيار الليرة عن المنطقة

إن أزمة الليرة التركية، في أبعادها المتعددة، تُقدّم دروساً بالغة الأهمية لكل اقتصادات المنطقة. الدرس الأول هو خطورة تسييس السياسة النقدية: حين يُصبح البنك المركزي أداة في يد السلطة التنفيذية بدلاً من مؤسسة مستقلة تعمل وفق معايير تقنية، فإن النتيجة الحتمية هي فقدان الثقة في العملة، وهو ما شهدناه ليس فقط في تركيا بل في مصر ولبنان وإيران بدرجات متفاوتة. الدرس الثاني هو الترابط العميق بين الاقتصادات الإقليمية: فلم يعد ممكناً لأي دولة في المنطقة أن تعزل نفسها عن أزمات جيرانها، سواء كانت أزمة عملة تركية أو حرباً في غزة أو عقوبات على إيران، فالجغرافيا والتجارة والهجرة تنسج شبكة من التأثيرات المتبادلة لا يمكن الهروب منها.

والدرس الثالث، وربما الأعمق، هو أن النمو الاقتصادي بدون مؤسسات قوية ومستقلة يظل هشاً قابلاً للانهيار في أي لحظة. فتركيا أردوغان في سنواتها الأولى حققت معجزة اقتصادية حقيقية: نمو مستدام وتراجع في الفقر وتوسع في الطبقة الوسطى وتدفق للاستثمارات الأجنبية. لكن كل هذه المكاسب تبخرت حين قرر رجل واحد أنه يعرف أفضل من المؤسسات، وهو نمط يتكرر في المنطقة العربية بأشكال مختلفة. إن الليرة التي سقطت من شرفة البوسفور لم تسقط وحدها، بل سقط معها وهم أن التنمية الاقتصادية يمكن أن تستمر في غياب الحوكمة الرشيدة واستقلال المؤسسات وسيادة القانون. وهذا درس لا تحتاج أنقرة وحدها لتعلّمه، بل كل عاصمة من القاهرة إلى الرياض إلى بغداد، حيث يتكرر السؤال ذاته بصيغ مختلفة: هل يمكن بناء اقتصاد قوي على أسس سياسية هشة؟ والجواب الذي تُقدّمه الليرة التركية، وهي تتدحرج نحو القاع، واضح لا لبس فيه.

حسام بعكة

حسام بعكة

كاتب ومحلل اقتصادي متخصص في شؤون الشرق الأوسط والاقتصاد العالمي. يقدم تحليلات معمّقة تربط بين الجيوسياسة والأسواق والتحولات الاقتصادية الكبرى.

المزيد عن الكاتب

مقالات ذات صلة