في عالم يُنتج ما يكفي من الغذاء لإطعام عشرة مليارات إنسان، أي أكثر من عدد سكان الكوكب الحالي بنحو ملياري نسمة، يذهب إلى فراشه كل ليلة أكثر من 735 مليون شخص بمعدة خاوية. وفي اللحظة ذاتها التي يموت فيها طفل يمني أو سوداني بسبب سوء التغذية الحاد، تُلقي المزارع الأمريكية والأوروبية بملايين الأطنان من الحبوب والفواكه والخضروات في مكبات النفايات لأن شكلها لا يتوافق مع "معايير الجمال" التي تفرضها سلاسل المتاجر الكبرى. ثلث الإنتاج الغذائي العالمي، ما يعادل 1.3 مليار طن سنويًا بقيمة تريليون دولار، يُهدر أو يُفقد في مراحل مختلفة من سلسلة الإمداد. هذه ليست مجاعة طبيعية ولا قصورًا في الإنتاج، إنها مجاعة مُصنّعة بأدوات السياسة والسوق والسلطة. والسؤال الذي ينبغي أن يُؤرّق ضمير كل اقتصادي ومحلل هو: لماذا يجوع العالم رغم وفرة الإنتاج؟ الإجابة لا تكمن في حقول القمح ولا في مختبرات البذور المُحسّنة، بل تكمن في غرف التداول ببورصة شيكاغو، وفي مكاتب أربع شركات تتحكم في مصير الغذاء العالمي، وفي سياسات الدعم الزراعي التي تُثري مزارعي الشمال وتُفقر فلاحي الجنوب. المجاعة في القرن الحادي والعشرين ليست قدرًا، إنها قرار سياسي واقتصادي يتخذه من يملكون السلطة على حساب من يفتقرون إلى الطعام.
كارتل الحبوب: أربع شركات تتحكم في خبز العالم
خلف واجهة السوق الحرة والمنافسة المفتوحة، يتحكم في تجارة الغذاء العالمية أربع شركات عملاقة يُشار إليها اختصارًا بحروف ABCD: آرتشر دانيلز ميدلاند، وبَنجي، وكارغيل، ولوي دريفوس. هذه الشركات الأربع تسيطر على ما يتراوح بين 70% و90% من تجارة الحبوب العالمية، القمح والذرة وفول الصويا والأرز، مما يمنحها قوة احتكارية هائلة في تحديد الأسعار والتحكم في تدفقات الغذاء من المنتجين إلى المستهلكين. كارغيل وحدها، وهي أكبر شركة خاصة في الولايات المتحدة، تملك أسطول سفن وصوامع حبوب ومصانع تجهيز منتشرة في 70 دولة، وتتعامل مع ملايين المزارعين ومليارات المستهلكين. هذه الشركات لا تزرع ولا تأكل، هي الوسيط الذي يشتري من المزارع بأقل سعر ممكن ويبيع للمستهلك بأعلى سعر يتحمله السوق. وخلال أزمة الغذاء العالمية في 2007-2008، حين ارتفعت أسعار القمح بنسبة 130% والأرز بنسبة 74%، مما أشعل أعمال شغب في أكثر من 30 دولة من هايتي إلى مصر، حققت هذه الشركات أرباحًا قياسية. وتكرر المشهد ذاته خلال أزمة 2022 حين ارتفعت أرباح كارغيل إلى 6.7 مليار دولار، أعلى مستوى في تاريخها الممتد 157 عامًا. هذا النموذج الذي يُحوّل جوع الملايين إلى أرباح المليارات هو جوهر المشكلة البنيوية في النظام الغذائي العالمي. والأخطر أن هذه الشركات تتحكم ليس فقط في تجارة الحبوب بل في البذور والأسمدة والمبيدات، مما يمنحها سيطرة شبه كاملة على سلسلة القيمة الغذائية من المزرعة إلى المائدة. وكل محاولة لتنظيم نشاطها تصطدم بلوبي سياسي قوي يربط بين حرية التجارة و"الأمن الغذائي"، مُتجاهلًا أن تركيز السوق في أيدي أربع شركات هو نقيض المنافسة الحرة التي يتشدق بها المدافعون عن حرية السوق.
المضاربة على الجوع: حين يصبح الخبز أداة مالية
حتى مطلع الألفية الثالثة، كانت أسواق العقود الآجلة للحبوب تخدم وظيفة اقتصادية مشروعة: تمكين المزارعين والمشترين من التحوّط ضد تقلبات الأسعار. لكن مع موجة التحرير المالي وابتكار أدوات مالية جديدة، تحولت هذه الأسواق إلى ساحة مضاربة يلعب فيها صناديق التحوّط والبنوك الاستثمارية بأسعار الغذاء كما يلعبون بأسعار الأسهم والنفط. في عام 2008، قدّر خبراء أمميون أن المضاربة المالية أسهمت في رفع أسعار الغذاء بنسبة تتراوح بين 20% و50% فوق ما تبرره عوامل العرض والطلب الحقيقية. الآلية بسيطة ومدمرة: تتدفق مليارات الدولارات من صناديق المؤشرات إلى أسواق السلع الزراعية بحثًا عن عائد في أوقات التضخم أو عدم اليقين، فترتفع الأسعار بغض النظر عن حجم المحصول الفعلي. والمستفيد هو المتداول في شيكاغو أو لندن الذي يربح من فارق السعر، بينما الخاسر هو المواطن المصري الذي ينفق أكثر من 40% من دخله على الغذاء أو الأم اليمنية التي لا تجد ما تُطعم به أطفالها. الأمم المتحدة والعديد من منظمات المجتمع المدني طالبت مرارًا بتنظيم المضاربة على أسعار الغذاء، لكن لوبي المال في واشنطن ولندن نجح في إفراغ كل محاولة تنظيمية من مضمونها، مُحتجًّا بأن أي تدخل سيُعيق "كفاءة السوق". وهكذا يستمر القمح والأرز، غذاء المليارات، كأصول مالية تُتداول على شاشات الحواسيب بينما يموت من لا يملك ثمنها.
حرب القمح: أوكرانيا وجغرافيا الجوع
حين أطلق الجيش الروسي عملياته العسكرية في أوكرانيا في فبراير 2022، لم تكن الصواريخ تسقط على المدن الأوكرانية وحسب، كانت تسقط على الأمن الغذائي لعشرات الدول في أفريقيا والشرق الأوسط وآسيا. فأوكرانيا وروسيا معًا تُسهمان بنحو 30% من صادرات القمح العالمية، و20% من صادرات الذرة، وأكثر من 50% من صادرات زيت عباد الشمس. وحين أُغلقت الموانئ الأوكرانية على البحر الأسود، انقطعت إمدادات حيوية كانت تُغذي دولًا تعتمد على الاستيراد بشكل شبه كلي، مصر التي تستورد أكثر من 80% من قمحها من روسيا وأوكرانيا، ولبنان الذي دُمّرت صوامعه في انفجار مرفأ بيروت، والصومال واليمن اللذين كانا يعانيان أصلًا من أزمة غذاء حادة. ارتفعت أسعار القمح بأكثر من 50% في أسابيع قليلة، وزاد عدد من يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد من 282 مليون شخص قبل الحرب إلى أكثر من 345 مليونًا بحلول نهاية 2022. مبادرة حبوب البحر الأسود التي توسطت فيها تركيا والأمم المتحدة خففت الأزمة مؤقتًا قبل أن تنسحب منها روسيا في يوليو 2023. والدرس المستفاد واضح ومرعب: النظام الغذائي العالمي يقف على ساق واحدة، وأي اضطراب جيوسياسي في منطقة إنتاج رئيسية يمكن أن يُحدث كارثة إنسانية في دول تبعد آلاف الكيلومترات. وما يزيد الأمر خطورة أن التركيز الجغرافي للإنتاج الزراعي يتزايد بدلًا من أن يتناقص، فالبرازيل والولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا وكندا وأستراليا والأرجنتين تُنتج معًا أكثر من ثلثي صادرات الحبوب العالمية، مما يجعل الأمن الغذائي لمليارات البشر رهينة لأحوال الطقس والسياسة في حفنة من الدول.
المناخ والمائدة: حين تنتقم الطبيعة من نموذج الإنتاج
يُضيف تغيّر المناخ طبقة جديدة من التعقيد والخطر على أزمة الغذاء العالمية. فالنظام الزراعي العالمي، الذي يُسهم بنحو 25% من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري عبر إزالة الغابات واستخدام الأسمدة الكيماوية وتربية المواشي، هو في آنٍ واحد مُسبّب لتغير المناخ وضحية له. موجات الجفاف المتكررة في القرن الأفريقي ضربت خمسة مواسم زراعية متتالية بين 2020 و2023، مما أوصل أكثر من 20 مليون شخص في الصومال وإثيوبيا وكينيا إلى حافة المجاعة. وفي الوقت ذاته، شهدت باكستان فيضانات كارثية في 2022 غمرت ثلث مساحة البلاد ودمرت محاصيل بقيمة 5 مليارات دولار. التقديرات العلمية تُشير إلى أن كل درجة مئوية إضافية في حرارة الكوكب تُخفّض إنتاجية القمح العالمية بنسبة 6% والأرز بنسبة 3.2% والذرة بنسبة 7.4%. وبحلول 2050، قد يُضاف 130 مليون شخص إلى صفوف الفقراء بسبب تأثيرات المناخ على الزراعة وحدها وفقًا لتقديرات البنك الدولي. المفارقة القاسية أن الدول الأقل مسؤولية عن الانبعاثات، في أفريقيا وجنوب آسيا، هي الأكثر تضررًا من تأثيرات المناخ على الزراعة، بينما الدول الأكثر تلويثًا تملك التقنيات والموارد للتكيّف. هذا الظلم المناخي هو وجه آخر من أوجه المجاعة المُصنّعة. والنماذج المحلية للزراعة المقاومة للمناخ، كالزراعة الإيكولوجية والبذور المحلية المتكيفة، تُثبت نجاعتها في تجارب عديدة عبر أفريقيا وجنوب آسيا، لكنها تواجه إقصاءً ممنهجًا من شركات البذور والأسمدة العملاقة التي تسعى إلى فرض نموذجها الزراعي الصناعي المُعتمد على المدخلات الكيماوية المكلفة، وهو النموذج ذاته الذي يُسهم في تسريع التغير المناخي في حلقة مفرغة مدمرة.
السيادة الغذائية: حين تصبح المائدة معركة تحرر
في مواجهة هذا النظام الغذائي العالمي المُختل، تتصاعد أصوات تُنادي بمفهوم "السيادة الغذائية" كبديل جذري عن مقاربة "الأمن الغذائي" السائدة. والفرق بين المفهومين جوهري: الأمن الغذائي يعني ضمان حصول الجميع على ما يكفي من الغذاء، بصرف النظر عن مصدره، وهو ما يمكن تحقيقه نظريًا عبر الاستيراد والمساعدات. أما السيادة الغذائية، كما صاغها تحالف المزارعين العالمي "لا فيا كامبيسينا"، فتعني حق الشعوب في تحديد سياساتها الغذائية والزراعية، وحماية إنتاجها المحلي، ورفض إخضاع الغذاء لمنطق السوق الحرة والتجارة المعولمة. بعض الدول حققت نجاحات لافتة في هذا الاتجاه: البرازيل تحت حكم لولا أطلقت برنامج "صفر جوع" الذي أخرج أكثر من 20 مليون شخص من دائرة الجوع عبر دعم الزراعة الأسرية والمشتريات الحكومية من صغار المزارعين. والهند رغم كل مشكلاتها تحتفظ بأكبر نظام توزيع غذائي في العالم يُطعم أكثر من 800 مليون شخص. لكن هذه التجارب تواجه ضغوطًا هائلة من منظمة التجارة العالمية والاتفاقيات التجارية الحرة التي تعتبر دعم المزارعين المحليين "تشويهًا للسوق"، بينما تغضّ الطرف عن الدعم الزراعي الضخم الذي تقدمه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لمزارعيهما بمئات المليارات سنويًا. هذا النفاق المعياري هو أحد أعمدة النظام الغذائي العالمي الجائر.
مفارقة الهدر: عالم يرمي طعامه ويبكي جوعه
لا يكتمل فهم المجاعة المُصنّعة دون التأمل في مفارقة الهدر الغذائي المُذهلة. ففي الدول الغنية، يُهدر معظم الغذاء في مرحلة الاستهلاك، يُرمى من ثلاجات المنازل وصواني المطاعم وأرفف المتاجر لمجرد تجاوزه تاريخ "الأفضل قبل" الذي لا يعني بالضرورة أنه فاسد. الاتحاد الأوروبي وحده يُهدر نحو 88 مليون طن من الغذاء سنويًا بتكلفة تقدر بـ143 مليار يورو. أما في الدول الفقيرة، فيُفقد الغذاء في مراحل ما بعد الحصاد، بسبب غياب التخزين المُبرّد والنقل المناسب والبنية التحتية اللوجستية، حيث يتلف ما بين 30% و50% من المحصول قبل أن يصل إلى المستهلك. لو أمكن استرداد ربع الغذاء المُهدر عالميًا فقط، لكفى لإطعام جميع الجياع في العالم. لكن الحل ليس تقنيًا بقدر ما هو سياسي واقتصادي: فنظام يُعامل الغذاء كسلعة تجارية تخضع لمنطق الربح والخسارة لن يُبالي بالهدر ما دام الهدر لا يُؤثر على هامش الربح. والشركات الكبرى تجد أحيانًا أنه من الأرخص رمي الطعام بدلًا من التبرع به، بسبب تكاليف النقل والمسؤولية القانونية. هذا النظام الذي يُحوّل الطعام إلى نفايات بينما يموت البشر جوعًا ليس مجرد خلل في السوق، إنه تعبير عن منظومة قيمية تضع الربح فوق الحياة. والخروج من هذا المأزق يتطلب إعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والغذاء، من علاقة سلعية إلى علاقة حقوقية، حيث يكون الحصول على الغذاء الكافي والمغذي حقًا غير قابل للتفاوض، لا سلعة تخضع لتقلبات السوق ومزاج المضاربين. وما لم تتحقق هذه النقلة الفكرية والسياسية، ستبقى المجاعة رفيقة البشرية الأبدية، لا لأن الأرض عاجزة عن الإطعام، بل لأن الإنسان عاجز عن العدل. والسؤال الذي يطرحه كل طفل جائع على ضمير الحضارة هو: هل يستحق نظام اقتصادي يُطعم الآلات ويُجوّع البشر أن يستمر؟
