H.Bاقتصاد الشرق
الهند: صعود القوة الخامسة أم سراب الأرقام الكبرى؟
الاقتصاد العالمي

الهند: صعود القوة الخامسة أم سراب الأرقام الكبرى؟

حسام بعكة

حسام بعكة

١٧ فبراير ٢٠٢٦ · 8 دقائق

تجاوزت الهند بريطانيا لتصبح خامس أكبر اقتصاد في العالم. لكن خلف العناوين البرّاقة، 800 مليون هندي يعيشون على إعانات غذائية حكومية.

حين تجاوز الناتج المحلي الإجمالي للهند 3.7 تريليون دولار في عام 2023 لتُزيح بريطانيا، المستعمِر السابق، عن المرتبة الخامسة عالميًا، بدا المشهد وكأنه لحظة عدالة تاريخية شعرية: المستعمَرة تتفوق على مستعمِرها بعد ستة وسبعين عامًا من الاستقلال. وسارع كثيرون، في نيودلهي وواشنطن وأروقة المنتديات الاقتصادية، إلى الإعلان عن ميلاد "القرن الهندي" وتقديم الهند كبديل حتمي للصين في قيادة الاقتصاد الآسيوي والعالمي. لكن خلف بريق الأرقام الكلية وعناوين الصحف المبهرة، تختبئ حقيقة أكثر تعقيدًا ومرارة بكثير. فالهند التي تتباهى بأنها خامس أكبر اقتصاد في العالم هي ذاتها التي يحتل فيها نصيب الفرد من الدخل المرتبة 139 عالميًا، أقل من بنغلاديش المجاورة. والهند التي تُصدّر مهندسي البرمجيات إلى وادي السيليكون هي ذاتها التي يعاني فيها أكثر من 800 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي ويعتمدون على الحصص الغذائية الحكومية للبقاء. والهند التي تُطلق مركبات فضائية إلى القمر وتبني أكبر مصفاة نفط في العالم هي ذاتها التي يعيش فيها أكثر من 200 مليون شخص بلا مراحيض. هذه المفارقات ليست استثناءات في مسيرة نمو طبيعية، إنها سمات بنيوية في نموذج اقتصادي يُنتج النمو والفقر في آنٍ واحد، ويطرح سؤالًا جوهريًا: هل الهند صاعدة فعلًا نحو القمة، أم أن الأرقام الكبرى تحجب سرابًا اقتصاديًا هائلًا؟

منظر عام لمدينة هندية يجمع بين ناطحات السحاب الحديثة والأحياء الشعبية المكتظة

اقتصاد الوجهين: حين يتعايش وادي السيليكون مع العصور الوسطى

تُجسّد الهند حالة فريدة في التاريخ الاقتصادي يمكن تسميتها بـ"الاقتصاد المزدوج"، حيث يتعايش اقتصادان في بلد واحد لا يكاد أحدهما يعرف الآخر. الاقتصاد الأول هو الهند التي يعرفها العالم: بنغالورو التي تُلقّب بـ"وادي السيليكون الهندي" وتضم مقرات عمالقة التقنية، إنفوسيس وويبرو وتي سي إس، وتُصدّر خدمات تكنولوجيا المعلومات بقيمة تتجاوز 200 مليار دولار سنويًا. مومباي التي تحتضن بورصة تُقدّر قيمتها السوقية بأكثر من 4 تريليونات دولار وتجذب استثمارات أجنبية متزايدة. حيدر أباد وبونا وتشيناي التي تتنافس لتكون مراكز للابتكار والشركات الناشئة. هذا الاقتصاد ينمو بمعدلات تتراوح بين 6% و8%، ويُنتج مليارديرات بمعدل يكاد يُنافس الصين، ويُغذي الطموح الهندي في الصعود إلى مصاف القوى الكبرى. لكن الاقتصاد الثاني، الذي يعيش فيه أكثر من 65% من الهنود، هو عالم مختلف تمامًا: ريف هندي شاسع يعتمد على زراعة بدائية مُنهكة، حيث يبلغ متوسط حجم المزرعة أقل من هكتار واحد، وينتحر فيها آلاف المزارعين سنويًا بسبب الديون، أكثر من 300 ألف مزارع انتحروا خلال العقدين الماضيين وفقًا للإحصاءات الرسمية. اقتصاد غير رسمي يستوعب أكثر من 90% من القوى العاملة في وظائف هشة بلا تأمين ولا حماية اجتماعية ولا استقرار. وبين هذين العالمين يقف جدار غير مرئي لكنه أصلب من الخرسانة: نظام الطبقات الاجتماعية الذي لا يزال يُحدد، رغم الحظر الدستوري، فرص الحياة والتعليم والعمل لمئات الملايين.

التصنيع الغائب: الفجوة القاتلة في القصة الهندية

إن أخطر ما يُميّز النموذج الاقتصادي الهندي، ويُهدد مسيرة صعوده بأسرها، هو غياب قاعدة تصنيعية قوية. بينما بنت الصين صعودها على التصنيع الذي يستوعب عشرات الملايين من العمال ويُنتج سلعًا تُصدّر إلى العالم بأسره، قفزت الهند مباشرة إلى قطاع الخدمات، خاصة تكنولوجيا المعلومات، مُتجاوزةً مرحلة التصنيع التي عبرتها كل دولة ناجحة في تاريخ التنمية الاقتصادية. حصة التصنيع في الناتج المحلي الإجمالي الهندي لا تتجاوز 13%، مقارنة بنحو 28% في الصين، ولم ترتفع بشكل ملموس رغم إطلاق مبادرة "صنع في الهند" عام 2014 التي وعد بها رئيس الوزراء ناريندرا مودي بتحويل الهند إلى مركز تصنيعي عالمي. المشكلة بنيوية ومتعددة الأبعاد: بنية تحتية لا تزال قاصرة رغم الاستثمارات الضخمة، وقوانين عمل مُعقدة تُثبط المستثمرين، وبيروقراطية خانقة رغم محاولات الإصلاح، ومنظومة تعليمية تُنتج ملايين الخريجين لكنها لا تُؤهل معظمهم لسوق عمل صناعي حديث. والنتيجة أن الهند تخسر سباق التصنيع ليس أمام الصين فحسب، بل أمام فيتنام وبنغلاديش وإندونيسيا التي باتت وجهات أكثر جاذبية للمصانع المُنتقلة من الصين. والمخاطرة الكبرى أن الهند قد تصل إلى مرحلة "التقدم في السن قبل الثراء"، أي أن تنتهي نافذة العائد الديموغرافي قبل أن يتحقق التصنيع الواسع الذي يرفع مئات الملايين من الفقر.

مصنع هندي يعكس تحديات القطاع الصناعي والتصنيع في الاقتصاد الهندي

استراتيجية الصين زائد واحد: فرصة ذهبية أم وهم جيوسياسي؟

منذ اندلاع الحرب التجارية الأمريكية-الصينية في 2018، ثم أزمة سلاسل الإمداد خلال جائحة كوفيد-19، تبنّت الشركات متعددة الجنسيات استراتيجية "الصين زائد واحد"، أي الاحتفاظ بالعمليات في الصين مع تنويع سلاسل الإمداد نحو وجهة بديلة واحدة على الأقل. والهند تطرح نفسها بقوة كذلك البديل: سوق ضخمة تضم 1.4 مليار مستهلك، وقوة عاملة شابة ورخيصة، ونظام ديمقراطي يمنح المستثمرين الغربيين راحة سياسية لا تتوفر في الصين الشيوعية، وحكومة مودي التي تُقدم حوافز سخية عبر برامج الإنتاج المرتبط بالحوافز. آبل بدأت بالفعل في تجميع بعض أجهزة آيفون في الهند عبر فوكسكون، وسامسونغ وسّعت مصانعها، وشركات أشباه الموصلات تدرس إنشاء وحدات إنتاجية. لكن الواقع أقل إبهارًا من العناوين: حصة الهند من الصادرات الصناعية العالمية لا تزال هامشية مقارنة بالصين، والفجوة في البنية التحتية اللوجستية هائلة، تكلفة الشحن من مصنع في الهند قد تفوق نظيرتها من الصين بنسبة 30%، ومنظومة الموردين المحليين لا تزال ضعيفة ومفككة. والأهم أن "الصين زائد واحد" لا تعني "الهند بدلًا من الصين"، معظم الشركات تُنوّع بشكل محدود وحذر، وفيتنام وتايلاند والمكسيك تنافس الهند بقوة على هذه الحصة المحدودة. الفرصة حقيقية لكنها ليست مضمونة، وتحويلها إلى واقع يتطلب إصلاحات هيكلية لم تتحقق بعد.

القنبلة الديموغرافية: عائد أم عبء؟

يتحدث المتفائلون بالصعود الهندي بلغة الأرقام الديموغرافية: الهند تجاوزت الصين لتصبح أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان، 1.44 مليار نسمة، ونصف سكانها تقريبًا دون الثلاثين من العمر. هذا يعني قوة عاملة هائلة وسوقًا استهلاكية متنامية، وهو ما يُسمى "العائد الديموغرافي" الذي حوّل شرق آسيا من منطقة فقر إلى قاطرة نمو عالمي في النصف الثاني من القرن العشرين. لكن المقارنة مع شرق آسيا تكشف أكثر مما تُخفي: فالعائد الديموغرافي الآسيوي تحقق بفضل استثمارات ضخمة في التعليم والصحة والتصنيع استوعبت ملايين الشباب في وظائف مُنتجة. أما في الهند، فالأرقام مُقلقة: نحو 46% من طلاب الصف الخامس لا يستطيعون قراءة نص من المستوى الثاني، وفقًا لتقرير "حالة التعليم" السنوي، ومعدل البطالة بين الشباب المتعلمين يتجاوز 23%، ونسبة مشاركة المرأة في سوق العمل لا تتجاوز 24%، وهي من أدنى المعدلات في العالم. هذا يعني أن "القنبلة الديموغرافية" الهندية قد تنفجر في الاتجاه المعاكس: بدلًا من عائد ديموغرافي يدفع النمو، قد تتحول إلى عبء ديموغرافي يُغذي البطالة والإحباط وعدم الاستقرار الاجتماعي. والنافذة الزمنية تضيق، فالعائد الديموغرافي ليس أبديًا، والهند قد تبدأ في "الشيخوخة" بحلول 2050 دون أن تكون قد حققت الإقلاع الاقتصادي الذي يُبرر التفاؤل.

شباب هنود يعملون في قطاع التكنولوجيا ويعكسون الطاقة الديموغرافية الهندية

هند مودي: النيوليبرالية بثوب قومي

منذ وصوله إلى السلطة في 2014، أعاد ناريندرا مودي تشكيل الاقتصاد الهندي بمزيج فريد من النيوليبرالية الاقتصادية والقومية الهندوسية، مزيج يُبهر المستثمرين الأجانب ويُقلق المراقبين في آنٍ واحد. على الصعيد الاقتصادي، أطلق مودي إصلاحات جريئة: ضريبة السلع والخدمات الموحدة التي وحّدت السوق الهندية المُجزّأة، وقانون الإفلاس والإعسار الذي نظّف الميزانيات العمومية للبنوك من القروض المتعثرة، ومبادرة الهوية الرقمية "آدهار" التي منحت مليار هندي هوية بيومترية ربطتهم بالنظام المالي الرسمي، وبرنامج "جان دان" الذي فتح أكثر من 500 مليون حساب مصرفي للفقراء. هذه الإصلاحات حقيقية ومهمة ونقلت الهند خطوات إلى الأمام. لكن في المقابل، أدى قرار إلغاء العملة الورقية المفاجئ في 2016 إلى صدمة اقتصادية ضربت الاقتصاد غير الرسمي الذي يعتمد على النقد بشكل شبه كلي، وهو الاقتصاد الذي يعيش منه معظم الهنود. وجائحة كوفيد-19 كشفت هشاشة شبكة الأمان الاجتماعي حين شُوهد ملايين العمال المهاجرين يسيرون مئات الكيلومترات على الأقدام للعودة إلى قراهم بعد الإغلاق المفاجئ. والمقلق أكثر هو أن الخطاب القومي المتصاعد بدأ يُؤثر على مناخ الأعمال، تراجع تصنيف الهند في مؤشرات الحرية الاقتصادية وحرية الصحافة، والهجمات على الأقليات تُثير قلق بعض المستثمرين، والتوترات الطائفية تهدد النسيج الاجتماعي الذي يحتاجه أي اقتصاد للنمو المستدام.

اللامساواة: الشرخ الذي يُهدد كل شيء

تكشف أرقام اللامساواة في الهند عن واقع مُزعزع لكل خطاب التفاؤل: يمتلك أغنى 1% من الهنود أكثر من 40% من ثروة البلاد، وهي نسبة تفوق ما كانت عليه في الحقبة الاستعمارية البريطانية وفقًا لبعض الدراسات. غوتام أداني ومُوكيش أمباني يتنافسان على لقب أغنى رجل في آسيا بثروات تتجاوز 80 مليار دولار لكل منهما، بينما يعيش 228 مليون هندي تحت خط الفقر الدولي. الفجوة ليست مالية فحسب، إنها جغرافية وطبقية وطائفية ونوعية. الولايات الجنوبية كتاميل نادو وكيرالا وكارناتاكا تُشبه اقتصادات متوسطة الدخل بمؤشرات تنمية بشرية لائقة، بينما ولايات الشمال كبيهار وأوتار براديش وجاركاند لا تزال تُشبه أفقر دول أفريقيا جنوب الصحراء. هذا التفاوت المكاني يتقاطع مع تفاوت طبقي موروث: فالداليت (المنبوذون سابقًا) والقبائل المُجدولة يُشكلون أكثر من 25% من السكان لكنهم يستحوذون على حصة ضئيلة من الثروة والفرص. والنساء الهنديات، اللواتي يُشكلن نصف السكان، مُقصيات بشكل منهجي من سوق العمل الرسمي. هذا المستوى من اللامساواة لا يُهدد العدالة الاجتماعية فحسب، بل يُقوّض أسس النمو الاقتصادي نفسه، لأن اقتصادًا يُقصي معظم سكانه من المشاركة الفعالة لن يستطيع تحقيق إمكاناته الكاملة مهما ارتفعت معدلات نموه الإجمالية.

الهند 2047: القوة العظمى أم الفرصة الضائعة؟

حين تحتفل الهند بالذكرى المئوية لاستقلالها في عام 2047، هل ستكون قد تحولت إلى ثالث أكبر اقتصاد في العالم كما تُبشّر التوقعات؟ أم ستكون قد انضمت إلى قائمة طويلة من الدول التي وُعدت بمستقبل مُشرق لم يتحقق، كالبرازيل التي ظلت "دولة المستقبل" لعقود دون أن يأتي ذلك المستقبل؟ الإجابة تتوقف على قدرة الهند على حل معادلة ثلاثية معقدة: بناء قاعدة تصنيعية تستوعب مئات الملايين من الشباب الباحثين عن عمل، وتحقيق نمو شامل يُقلّص الفجوات الصارخة بين الأغنياء والفقراء وبين المدن والأرياف، والحفاظ على تماسك اجتماعي في بلد يضم أكثر تنوع ديني ولغوي وعرقي على وجه الأرض. الرهان الدولي على الهند كثقل موازن للصين يمنحها رياحًا مؤاتية، استثمارات غربية متزايدة، وتحالفات استراتيجية جديدة عبر مجموعة كواد والممر الاقتصادي الهندي-الشرق أوسطي-الأوروبي، لكن الرياح الخارجية وحدها لا تبني اقتصادات. والتاريخ يُعلّمنا أن الدول التي نجحت في الصعود الاقتصادي الحقيقي، كوريا واليابان والصين، لم تفعل ذلك بالخطابات والوعود بل بسياسات صناعية صارمة واستثمار هائل في رأس المال البشري وإرادة سياسية لا تتزعزع في إعادة توزيع ثمار النمو. والهند، رغم كل إمكاناتها الهائلة، لم تُثبت بعد أنها قادرة على هذا المستوى من الالتزام والتنفيذ. فالأرقام الكبرى تُبهر لكنها لا تكذب ولا تصدق، إنها تُخفي بقدر ما تكشف. وحتى تُثبت الهند أنها تستطيع تحويل نموها الإجمالي إلى رخاء يطال مليارها ونصف المليار من البشر، لا نخبتها المتعولمة فحسب، ستظل قصة صعودها معلّقة بين الوعد والسراب، بين القوة الخامسة وحلم لم يكتمل.

حسام بعكة

حسام بعكة

كاتب ومحلل اقتصادي متخصص في شؤون الشرق الأوسط والاقتصاد العالمي. يقدم تحليلات معمّقة تربط بين الجيوسياسة والأسواق والتحولات الاقتصادية الكبرى.

المزيد عن الكاتب

مقالات ذات صلة