H.Bاقتصاد الشرق
كيف تتركّز ثروة الأرض في أيدٍ تُعدّ على الأصابع
الاقتصاد العالمي

كيف تتركّز ثروة الأرض في أيدٍ تُعدّ على الأصابع

حسام بعكة

حسام بعكة

٥ فبراير ٢٠٢٦ · 8 دقائق

أغنى 26 شخصًا في العالم يملكون ما يملكه نصف البشرية الأفقر. هذا الرقم وحده يكشف أن النظام الاقتصادي العالمي يعمل بكفاءة عالية، لصالح قلة.

في كانون الثاني من كل عام، تهبط طائرات خاصة على مدرج بلدة دافوس السويسرية الصغيرة، حاملةً على متنها من يملكون مفاتيح الاقتصاد العالمي، مليارديرات ورؤساء تنفيذيون ووزراء مالية ومديرو صناديق سيادية. يتحدثون في قاعات أنيقة عن مكافحة الفقر وتقليص الفجوة بين الأغنياء والفقراء، ثم يعودون إلى طائراتهم ليمارسوا النظام ذاته الذي يُنتج هذا الفقر ويُعمّق تلك الفجوة. هذه المفارقة، التي باتت تُعرف بـ"مفارقة دافوس"، ليست مجرد سخرية سياسية، بل هي تلخيص دقيق لأعمق أزمات عصرنا: التركّز المتسارع للثروة في أيدٍ قليلة بينما تتآكل الطبقة الوسطى ويتوسّع قاع الفقر. نحن نعيش في عصرٍ تمتلك فيه ثمانية أشخاص ثروة تعادل ما يملكه النصف الأفقر من سكان الأرض، أي نحو أربعة مليارات إنسان. هذا الرقم ليس مجرد إحصائية صادمة، بل هو لائحة اتهام لنظام اقتصادي فقد بوصلته الأخلاقية وبات يُنتج الثروة والبؤس بالقدر ذاته. إن المسألة لم تعد تتعلق بالكفاءة الاقتصادية أو آليات السوق، بل تطال جوهر العقد الاجتماعي نفسه، ذلك الاتفاق غير المكتوب بين الحاكم والمحكوم، بين رأس المال والعمل، بين الفرد والمجتمع.

ناطحات سحاب فاخرة تعكس تركّز الثروة العالمية في المدن الكبرى

أرقام الهاوية: حين يتكلم الإحصاء بلغة الفاجعة

تقرير منظمة أوكسفام الصادر في يناير 2024 يرسم صورة مرعبة لحالة التفاوت العالمي. فمنذ عام 2020، أي منذ جائحة كوفيد-19، تضاعفت ثروة أغنى خمسة أشخاص في العالم، بينما أصبح نحو خمسة مليارات إنسان أكثر فقرًا. الثروة الإجمالية لأصحاب المليارات في العالم تُقدّر بنحو 14 تريليون دولار، وهي تنمو بمعدل 2.7 مليار دولار يوميًا. في المقابل، يعيش نحو 700 مليون إنسان تحت خط الفقر المدقع، أقل من 2.15 دولار في اليوم. هذه الأرقام ليست مجرّد بيانات إحصائية يتداولها الأكاديميون في مؤتمراتهم، بل هي خارطة طريق نحو عالم أكثر اضطرابًا وعنفًا. فالتاريخ يُعلّمنا أن التفاوت المفرط في الثروة لم يكن يومًا وصفة للاستقرار، من الثورة الفرنسية إلى الربيع العربي، كانت الفجوة بين من يملك ومن لا يملك هي الشرارة التي أشعلت كل تحوّل كبير. والمفارقة أن هذا التركّز يتسارع في عصر يدّعي فيه العالم أنه يسعى لتحقيق أهداف التنمية المستدامة والقضاء على الفقر بحلول عام 2030، وهو هدف بات يبدو اليوم أقرب إلى الخيال منه إلى أي احتمال واقعي. إن معدّل ثروة الواحد بالمائة الأغنى في العالم يعادل ضعف ثروة 6.9 مليار إنسان مجتمعين، وهذا التفاوت يتّسع عامًا بعد عام بلا هوادة.

الاقتصاد الرقمي: آلة التركّز الجديدة

إذا كان التصنيع التقليدي قد خلق طبقة وسطى واسعة في القرن العشرين، من خلال المصانع التي توظّف الآلاف وتدفع أجورًا تتيح حياة كريمة، فإن الاقتصاد الرقمي يفعل العكس تمامًا. شركات التكنولوجيا العملاقة تُحقق أرباحًا فلكية بأعداد محدودة من الموظفين. واتساب حين استحوذت عليها فيسبوك بـ 19 مليار دولار، كان لديها 55 موظفًا فقط. إنستغرام بيعت بمليار دولار وكان فريقها 13 شخصًا. هذا النموذج الاقتصادي، حيث تُخلق قيمة هائلة من قبل عدد ضئيل من المبدعين والمبرمجين، يعني أن عوائد الابتكار تتركّز في أيدٍ قليلة بدلًا من أن تتوزع على شرائح واسعة من المجتمع. والأخطر من ذلك أن هذه الشركات تتمتع بـ"أثر الشبكة" الذي يجعل الكبير أكبر والصغير أصغر، فكلما زاد عدد مستخدمي المنصة زادت قيمتها، مما يخلق احتكارات طبيعية يكاد يستحيل منافستها. أبل وميكروسوفت وغوغل وأمازون ونفيديا، خمس شركات تتجاوز قيمتها السوقية مجتمعة 12 تريليون دولار، أي أكثر من الناتج المحلي الإجمالي لكل دول أفريقيا والشرق الأوسط مجتمعة. هذا التركّز الرقمي يُعيد إنتاج إقطاع القرون الوسطى بحُلّة عصرية، حيث تمتلك حفنة من الشركات البنية التحتية الرقمية التي بات الجميع يعتمد عليها، تمامًا كما كان الإقطاعيون يمتلكون الأرض التي يعتمد عليها الفلاحون.

أوراق نقدية وعملات ذهبية ترمز إلى تركّز الثروة والتفاوت الاقتصادي العالمي

الملاذات الآمنة: حيث تختبئ الثروة من العدالة

لا يمكن فهم تركّز الثروة العالمي دون الحديث عن منظومة الملاذات الضريبية، تلك الشبكة المعقدة من الجزر والإمارات والدويلات التي تُتيح للأثرياء والشركات الكبرى إخفاء ثرواتهم وتجنّب دفع الضرائب المستحقة عليهم. التقديرات تشير إلى أن ما بين 21 و32 تريليون دولار مخبّأة في ملاذات ضريبية حول العالم، أي ما يعادل الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة والصين مجتمعين. هذه الأموال المخفية تعني أن الحكومات تخسر مئات المليارات سنويًا من الإيرادات الضريبية التي كان يمكن إنفاقها على الصحة والتعليم والبنية التحتية. جزر كايمان وجزر العذراء البريطانية ولوكسمبورغ وسويسرا وسنغافورة، هذه ليست مجرد أسماء على الخريطة، بل هي عُقد في شبكة عالمية مصمّمة لحماية الثروة من أي مساءلة. والمفارقة المريرة أن كثيرًا من هذه الملاذات تقع تحت حماية وسيادة دول تدّعي الديمقراطية والشفافية والعدالة. بريطانيا وحدها تُشرف على شبكة من الأقاليم التابعة لها تُعتبر من أكبر الملاذات الضريبية في العالم. والنظام المالي الدولي بأسره مُصمّم بطريقة تُسهّل حركة رؤوس الأموال عبر الحدود بينما تُقيّد حركة البشر، وكأن المال يستحق حرية التنقل أكثر من الإنسان. إن ما يُسمّى بتحسين الوضع الضريبي ليس في حقيقته إلا سرقة مُقنّنة من الخزائن العامة، تُمارسها جيوش من المحامين والمحاسبين الذين يعملون لصالح الأثرياء ويُكلّفون الخزائن العامة أكثر مما يُكلّفه أي فساد حكومي.

الأسر السياسي: حين يشتري المال السلطة

التركّز المفرط للثروة لا يبقى ظاهرة اقتصادية صرفة، بل يتحوّل حتمًا إلى قوة سياسية. في الولايات المتحدة، يُنفق المليارديرات مئات الملايين على حملات الانتخابات، ويموّلون مراكز الأبحاث التي تصوغ السياسات العامة، ويمتلكون وسائل الإعلام التي تُشكّل الرأي العام. جيف بيزوس يمتلك واشنطن بوست، وإيلون ماسك استحوذ على تويتر، المنصة التي يتفاعل من خلالها ملايين الناخبين. هذا ليس ديمقراطية بالمعنى الحقيقي، بل أوليغارشية ترتدي قناع الديمقراطية. دراسات أكاديمية من جامعة برينستون أثبتت أن السياسات العامة في الولايات المتحدة تعكس تفضيلات النخبة الاقتصادية بشكل شبه حصري، بينما لا تكاد تتأثر بتفضيلات المواطن العادي. هذا "الأسر السياسي"، حيث تأسر الثروة المؤسسات السياسية وتُخضعها لمصالحها، يُعيد إنتاج نفسه في حلقة مُفرغة: الأثرياء يؤثرون على السياسات لتصبح أكثر ملاءمة لمصالحهم، فتزداد ثرواتهم، فيزداد نفوذهم السياسي، وهكذا دواليك. وما يحدث في أمريكا ليس استثناءً بل نموذجًا يتكرر في كل مكان، من روسيا حيث يحكم الأوليغارش، إلى الهند حيث تتشابك السلطة السياسية مع الإمبراطوريات الاقتصادية لعائلات مثل أداني وأمباني، وصولًا إلى المنطقة العربية حيث يبقى الفصل بين السلطة والثروة خطًا وهميًا في أحسن الأحوال.

سوابق التاريخ: حين تنفجر فقاعة التفاوت

التاريخ لا يُكرّر نفسه حرفيًا، لكنه يُقفّي على نفس الأوزان. في نهايات القرن التاسع عشر، ما يُعرف بالعصر الذهبي في أمريكا، وصل تركّز الثروة إلى مستويات قياسية في يد عائلات مثل روكفلر وكارنيغي وفاندربيلت. كان ذلك العصر عصر ابتكار وتقدم تكنولوجي، السكك الحديدية والصلب والنفط، تمامًا كما أن عصرنا هو عصر الإنترنت والذكاء الاصطناعي. لكن ذلك التركّز أنتج أيضًا حركات عمالية عنيفة وإضرابات واسعة واضطرابات اجتماعية أجبرت الدولة في النهاية على التدخل عبر قوانين مكافحة الاحتكار والضرائب التصاعدية وبرامج الحماية الاجتماعية. الأمر نفسه حدث في عشرينيات القرن العشرين، حيث أدى تركّز الثروة والمضاربات المالية إلى انهيار 1929 والكساد الكبير، الذي لم ينتهِ إلا بالحرب العالمية الثانية وما تلاها من إعادة توزيع جذرية للثروة عبر دولة الرفاه والعقد الاجتماعي الجديد. هل نحن اليوم على حافة لحظة مماثلة؟ المؤشرات تقول إن نعم: تصاعد الشعبوية اليمينية واليسارية، وتآكل الثقة بالمؤسسات، وانتشار نظريات المؤامرة، وتراجع الطبقة الوسطى، كل هذه أعراض مجتمع يقترب من نقطة الانفجار. والسؤال ليس إذا كان التصحيح سيأتي، بل كيف سيأتي، بالإصلاح التدريجي أم بالصدمة العنيفة.

يد ممدودة تطلب المساعدة ترمز إلى الفقر والتفاوت الاقتصادي العالمي

الإصلاح أم الثورة: مفترق طرق البشرية

أمام هذا المشهد القاتم، يتصارع تياران فكريان كبيران. تيار يرى أن النظام الرأسمالي القائم قابل للإصلاح من الداخل، عبر ضرائب أكثر عدالة، وتنظيم أفضل للأسواق، وشبكات حماية اجتماعية أقوى. هذا التيار يشير إلى نجاح النموذج الاسكندنافي، الدنمارك والسويد والنرويج، حيث تتعايش اقتصادات السوق الحرة مع مستويات عالية من المساواة والرفاه الاجتماعي، بفضل ضرائب مرتفعة وخدمات عامة شاملة وحوار اجتماعي فعّال. التيار الآخر يرى أن الإصلاح ضمن النظام القائم مجرد مسكّنات لا تُعالج المرض الجذري، وأن المطلوب هو تغيير بنيوي في علاقات الإنتاج والملكية، من الدخل الأساسي الشامل إلى الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج الرقمية. ما بين هذين التيارين، تقف البشرية عند مفترق طرق حقيقي. والمنطقة العربية، التي تجمع بين أعلى مستويات تركّز الثروة وأوسع جيوب الفقر، ليست بمنأى عن هذا المفترق، بل هي في قلبه. فالربيع العربي لم يكن في جوهره إلا انفجارًا لفقاعة التفاوت، وإن كان قد فشل في إنتاج بديل اقتصادي عادل. إن المستقبل لن يكون رحيمًا بمن يتجاهلون هذه الحقيقة: أن التفاوت المفرط ليس مجرد مشكلة أخلاقية تستدعي التعاطف، بل هو قنبلة موقوتة تهدد استقرار المجتمعات وبقاء الأنظمة. والعالم الذي يملك فيه الواحد بالمائة أكثر مما يملكه الباقون مجتمعين هو عالم يسير نحو الهاوية، ليس بالضرورة بثورة عنيفة، بل ربما بتآكل بطيء للثقة والتماسك الاجتماعي حتى ينهار كل شيء تحت وطأة ثقله. والخيار أمامنا واضح وصريح: إما نبني أنظمة اقتصادية أكثر عدالة اليوم، وإما ندفع ثمن غيابها غدًا، وثمنها سيكون أفدح مما يتخيّل أي اقتصادي في دافوس وهو يحتسي قهوته في القاعات الدافئة. إن التفاوت الذي نشهده اليوم ليس عرضًا جانبيًا لنظام يعمل بشكل صحيح، بل هو النتيجة الطبيعية والمتوقعة لنظام صُمّم ليُراكم الثروة في القمة ويُوزّع الفتات على القاعدة. ومن يتأمل خريطة التفاوت العالمي يجد أن المنطقة العربية، من الخليج الغني بالنفط إلى اليمن المنكوب بالحرب، تختزل في جغرافيتها الصغيرة كل تناقضات العالم الكبير: دول تمتلك أعلى نصيب للفرد من الدخل على وجه الأرض، وأخرى يعيش معظم سكانها تحت خط الفقر، بينما لا يفصل بينهما سوى حدود رُسمت بأقلام المستعمرين. والتاريخ يُحدّثنا أن الإمبراطورية الرومانية لم تسقط بغزو الهمج وحده، بل سقطت أولًا حين أصبح تركّز الأراضي والثروات في أيدي الأوليغارشية الرومانية سببًا في تفريغ الجيش من المواطنين المُلّاك الذين كانوا يُقاتلون دفاعًا عن ممتلكاتهم. فحين لا يجد المواطن ما يستحق الدفاع عنه في النظام القائم، لأنه لا يملك حصة فيه، فإنه يتخلى عن النظام بأسره. وهذا هو الخطر الأعمق الذي يتجاهله سادة المال في عصرنا: أن التفاوت المفرط لا يُهدد الاستقرار الاجتماعي فحسب، بل يُقوّض شرعية النظام الاقتصادي ذاته ويدفع الشعوب نحو بدائل قد لا تكون أكثر عدالة لكنها بالتأكيد أكثر عنفًا. والسؤال الذي يبقى معلّقًا في فضاء التاريخ: هل يتعلّم الواحد بالمائة من دروس الماضي قبل فوات الأوان، أم سيظلون يُراكمون حتى ينهار البناء على رؤوس الجميع، كما انهار في كل مرة تجاهلت فيها النخب صرخة الشعوب؟

حسام بعكة

حسام بعكة

كاتب ومحلل اقتصادي متخصص في شؤون الشرق الأوسط والاقتصاد العالمي. يقدم تحليلات معمّقة تربط بين الجيوسياسة والأسواق والتحولات الاقتصادية الكبرى.

المزيد عن الكاتب

مقالات ذات صلة