H.Bاقتصاد الشرق
أمريكا اللاتينية والموجة الوردية: هل ينجح اليسار حيث فشل اليمين؟
الاقتصاد العالمي

أمريكا اللاتينية والموجة الوردية: هل ينجح اليسار حيث فشل اليمين؟

حسام بعكة

حسام بعكة

١١ فبراير ٢٠٢٦ · 8 دقائق

من المكسيك إلى البرازيل مرورًا بتشيلي وكولومبيا، عادت حكومات يسارية إلى السلطة حاملة وعودًا بنموذج اقتصادي مختلف. لكن التاريخ لا يرحم الوعود.

في تلك القارة التي وصفها إدواردو غاليانو بأنها «الأوردة المفتوحة» التي نزف منها العالم ذهبه وفضّته وعرق عبيده، تتكرر دورة أزلية من الأمل والخيبة، كأن أمريكا اللاتينية محكومة بلعنة سيزيف، تدفع صخرة التغيير إلى أعلى الجبل ثم تراها تتدحرج ثانية إلى الوادي. الموجة الوردية الجديدة، عودة اليسار إلى الحكم في البرازيل وكولومبيا وتشيلي والمكسيك، تطرح سؤالًا قديمًا بإلحاح جديد: هل يستطيع اليسار اللاتيني أن يُنجز ما فشل فيه اليمين النيوليبرالي، أم أنه سيُعيد أخطاءه القديمة بحماس جديد؟ هذا السؤال لا يخص أمريكا اللاتينية وحدها، بل يتردد صداه في كل ركن من أركان الجنوب العالمي حيث تتصارع نماذج التنمية، ويبحث مليارات البشر عن طريق ثالث بين وحشية السوق الحرة وفشل الدولة المركزية.

إرث النيوليبرالية المرّ: ثلاثون عامًا من الوعود المكسورة

لا يمكن فهم الموجة الوردية الجديدة دون فهم ما سبقها. في التسعينيات، كانت أمريكا اللاتينية حقل تجارب لوصفة «إجماع واشنطن»، تلك الوصفة السحرية التي روّج لها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي: خصخصة كل شيء، وتحرير الأسواق، وخفض الإنفاق الحكومي، وفتح الأبواب أمام رأس المال الأجنبي. الأرجنتين تحت حكم منعم والبرازيل تحت كاردوسو والمكسيك تحت ساليناس، كلها طبّقت الوصفة بحماس المؤمنين. والنتيجة؟ الأرقام الكلية تحسّنت أحيانًا، التضخم انخفض، والاستثمار الأجنبي تدفق، لكن الثمن الاجتماعي كان مدمرًا. اللامساواة في القارة الأكثر تفاوتًا في العالم ازدادت حدة. خصخصة المياه والكهرباء والاتصالات أنتجت أرباحًا للشركات متعددة الجنسيات وأسعارًا أعلى للفقراء. الطبقة الوسطى تآكلت، والعمالة غير الرسمية انتشرت كالنار في الهشيم. والأزمة الأرجنتينية عام 2001، حين انهار الاقتصاد بالكامل وتبدّل خمسة رؤساء في أسبوعين، كانت الضربة القاضية لمصداقية النموذج النيوليبرالي في القارة. معامل جيني، مقياس اللامساواة، كان في أمريكا اللاتينية بين الأعلى في العالم عند 0.53، مما يعني أن الثروة كانت مركّزة بشكل مرضي في يد نخبة ضئيلة بينما كان أكثر من 40% من السكان يعيشون تحت خط الفقر. هذا الغضب الشعبي المتراكم هو الذي فتح الباب أمام الموجة الوردية الأولى مع مطلع الألفية، شافيز في فنزويلا، ولولا في البرازيل، وكيرشنر في الأرجنتين، وموراليس في بوليفيا، وكوريا في الإكوادور، في صعود يساري لم تشهده القارة منذ عقود.

منظر جوي لمدينة ساو باولو البرازيلية مع ناطحات السحاب والأحياء الفقيرة

لولا يعود: الرهان البرازيلي الكبير

عودة لويس إيناسيو لولا دا سيلفا إلى رئاسة البرازيل في يناير 2023، بعد سجن وتبرئة وعودة دراماتيكية، هي الحدث الأبرز في الموجة الوردية الجديدة. لولا يحكم أكبر اقتصاد في أمريكا اللاتينية وسابع أكبر اقتصاد في العالم، ويملك خبرة ولايتين سابقتين (2003-2010) حقّق فيهما إنجازات لا يُنكرها حتى خصومه: انتشال 30 مليون برازيلي من الفقر، ومضاعفة الحد الأدنى للأجور، وتحقيق نمو اقتصادي قوي بلغ متوسطه 4% سنويًا. لكن لولا يعود إلى بلد مختلف، منقسم بعمق بعد سنوات بولسونارو، ومثقل بديون تجاوزت 75% من الناتج المحلي الإجمالي، ومحاصر بقيود مالية لم تكن موجودة في فترته الأولى حين كانت أسعار السلع الأولية مرتفعة والصين تشتري كل ما تُنتجه البرازيل. التحدي الأكبر أمام لولا هو التوفيق بين وعوده الاجتماعية الطموحة، زيادة الإنفاق على الصحة والتعليم ومحاربة الجوع، وبين الانضباط المالي الذي يطالب به السوق. وهو يفعل ذلك عبر استراتيجية براغماتية تجمع بين إنفاق اجتماعي موسّع وإصلاح ضريبي يستهدف الأثرياء ودبلوماسية اقتصادية نشطة تُعيد البرازيل إلى الساحة الدولية كقوة كبرى في الجنوب العالمي. على الصعيد الخارجي، يقود لولا مسعى طموحًا لتوسيع مجموعة بريكس وتعزيز التعاون بين دول الجنوب، مع الحفاظ على علاقات متوازنة مع واشنطن وبكين. هذا التوازن الدقيق يُجسّد النضج السياسي الذي يُميّز الموجة الوردية الجديدة عن سابقتها.

بوريتش وبيترو وشينباوم: تجارب متباينة بطموحات مشتركة

لكن الموجة الوردية ليست كتلة واحدة، فكل تجربة تحمل سماتها الخاصة وتحدياتها المتفردة. في تشيلي، وصل غابرييل بوريتش، أصغر رئيس في تاريخ البلاد بعمر 36 عامًا، إلى الحكم عام 2022 حاملًا وعودًا بدستور جديد ودولة رفاه على النمط الاسكندنافي. لكن الواقع صدمه بسرعة: فشل الاستفتاء على الدستور الجديد مرتين، وتباطأ الاقتصاد، وارتفعت شعبية اليمين. بوريتش اضطر إلى تعديل طموحاته بشكل كبير، ليتحوّل من ثوري إلى إصلاحي حذر يحاول تحقيق تغييرات تدريجية ضمن هوامش ضيقة. في كولومبيا، يخوض غوستافو بيترو، أول رئيس يساري في تاريخ البلاد، معركة أصعب. بيترو المناضل السابق في حرب العصابات يحاول إصلاح واحد من أكثر المجتمعات تفاوتًا في القارة، حيث يملك 1% من السكان أكثر من نصف الأراضي الزراعية. إصلاحه الزراعي وضريبته على الثروة ومحاولته إعادة هيكلة قطاع الصحة تواجه مقاومة شرسة من النخب الاقتصادية والكونغرس وحتى من أجنحة داخل تحالفه الحاكم. أما في المكسيك، فقد انتقلت الرئاسة من أندريس مانويل لوبيز أوبرادور (أملو) إلى كلاوديا شينباوم، أول امرأة تحكم المكسيك، في تجربة فريدة لاستمرارية يسارية عبر صناديق الاقتراع. شينباوم ورثت اقتصادًا يستفيد من «النقل القريب» (nearshoring)، تحويل سلاسل التوريد من الصين إلى المكسيك، لكنها تواجه تحديات ضخمة في مكافحة الفساد وتطوير البنية التحتية والتعامل مع جار شمالي صعب المراس.

علم برازيلي يرفرف فوق مبنى حكومي في برازيليا

ميلي والموجة المضادة: صدمة الليبرتارية في بوينس آيرس

لكن الموجة الوردية لم تجتح القارة بالكامل، فقد ارتطمت بسدّ أرجنتيني غير متوقع. وصول خافيير ميلي إلى رئاسة الأرجنتين في ديسمبر 2023، بأسلوبه الاستعراضي ومنشاره الكهربائي الذي يرمز لقطع الإنفاق الحكومي، شكّل صدمة أيديولوجية للمنطقة بأسرها. ميلي ليس يمينيًا تقليديًا، إنه ليبرتاري متطرف يُريد إلغاء البنك المركزي ودولرة الاقتصاد وخصخصة كل شيء وتقليص الدولة إلى الحد الأدنى. وقد نفّذ فعلًا إجراءات قاسية: خفض الإنفاق الحكومي بنسبة 30%، وألغى دعم الوقود والنقل، وسرّح عشرات الآلاف من الموظفين الحكوميين، وخفّض قيمة البيزو بنسبة 54% دفعة واحدة. النتائج الأولية مثيرة للجدل: التضخم بدأ بالتراجع من ذروته المجنونة عند 25% شهريًا، لكن الركود يضرب الاقتصاد بقوة ونسبة الفقر ارتفعت إلى أكثر من 57%، أعلى مستوى منذ عقدين. ميلي يُجسّد ظاهرة أوسع في أمريكا اللاتينية والعالم: أن فشل اليسار لا يعني انتصار الوسط، بل قد يعني صعود يمين متطرف يُقدّم «العلاج بالصدمة» كبديل عن الإصلاح التدريجي. والأرجنتين تتحوّل إلى مختبر حقيقي لأكثر التجارب الاقتصادية تطرفًا في العالم المعاصر، ونتائج هذا المختبر ستُحدد إلى حد بعيد مسار النقاش الاقتصادي في القارة لسنوات قادمة.

لعنة السلع الأولية: القيد الهيكلي الذي لا يكسره يمين ولا يسار

ما يجمع بين يسار أمريكا اللاتينية ويمينها، رغم اختلافاتهما الجذرية، هو عجزهما المشترك عن كسر لعنة الاعتماد على تصدير المواد الخام. البرازيل تُصدّر فول الصويا وخام الحديد واللحوم. تشيلي تعتمد على النحاس. كولومبيا على النفط والفحم. الأرجنتين على الحبوب والليثيوم. هذا الاعتماد يجعل اقتصادات القارة رهينة لأسعار السلع العالمية، فحين ترتفع الأسعار يرتفع كل شيء ويبدو أي نموذج اقتصادي ناجحًا، وحين تنخفض ينهار كل شيء ويبدو أي نموذج فاشلًا. الموجة الوردية الأولى استفادت من «الدورة الفائقة» للسلع الأولية (2003-2013) حين كان الطلب الصيني يدفع الأسعار إلى مستويات قياسية. هذا الرخاء السلعي هو الذي موّل البرامج الاجتماعية الطموحة التي نجح بها لولا وكيرشنر وشافيز. لكن حين انخفضت الأسعار بعد 2014، انكشفت هشاشة النموذج: البرازيل دخلت أسوأ ركود في تاريخها، وفنزويلا انهارت اقتصاديًا بشكل كارثي، والأرجنتين عادت إلى دورة أزمات الديون. الموجة الوردية الجديدة تواجه التحدي ذاته بظروف أصعب: الاقتصاد الصيني يتباطأ، وأسعار السلع الأولية متقلبة، والمنافسة على رؤوس الأموال أشدّ. والسؤال الجوهري هو: هل يستطيع يسار القارة هذه المرة أن يتجاوز إعادة توزيع عوائد المواد الخام إلى بناء قاعدة إنتاجية صناعية وتكنولوجية حقيقية؟

عمال في منجم نحاس مفتوح في أمريكا الجنوبية

بريكس والجنوب العالمي: البعد الدولي للموجة الوردية

أحد أبرز ملامح الموجة الوردية الجديدة هو بُعدها الدولي. فبخلاف الموجة الأولى التي كانت في جوهرها مشروعًا محليًا لإعادة توزيع الثروة، تحمل الموجة الجديدة طموحًا جيوسياسيًا واضحًا يتمثّل في إعادة تشكيل النظام الدولي ذاته. البرازيل بقيادة لولا تقود مع الصين والهند وجنوب إفريقيا مسعى لتوسيع مجموعة بريكس، التي انضمّت إليها السعودية ومصر والإمارات وإثيوبيا وإيران، وتحويلها إلى ثقل موازن للهيمنة الغربية. كولومبيا وتشيلي تدفعان نحو إصلاح مؤسسات بريتون وودز، صندوق النقد والبنك الدولي، لتعكس بشكل أفضل وزن دول الجنوب. والمكسيك تستفيد من موقعها الجغرافي الفريد كجسر بين الشمال والجنوب لتُعظّم نفوذها الاقتصادي. هذا البعد الدولي يعكس إدراكًا متزايدًا لدى يسار القارة بأن التغيير الداخلي وحده لا يكفي في عالم معولم، وأن القيود الهيكلية التي تُعيق تنمية الجنوب مُتجذّرة في بنية النظام الاقتصادي الدولي نفسه، من قواعد التجارة إلى هيمنة الدولار إلى شروط الديون. لكن بريكس ليست بديلًا جاهزًا، فأعضاؤها تتضارب مصالحهم أحيانًا كما تتوافق. والطريق إلى نظام دولي أكثر عدالة يمر بتناقضات معقدة ومساومات صعبة.

البحث عن الطريق الثالث: دروس لاتينية للعالم

أمريكا اللاتينية تبقى، كما كانت دائمًا، مختبرًا حيًا للأفكار الاقتصادية الكبرى. النيوليبرالية المتطرفة جُرّبت وأنتجت نموًا بلا عدالة. واليسار الشعبوي جُرّب وأنتج توزيعًا بلا استدامة. والليبرتارية المتطرفة تُجرَّب الآن في الأرجنتين بنتائج لا تزال غامضة. الموجة الوردية الجديدة، بكل تنوّعها وتناقضاتها، تُمثّل محاولة للبحث عن طريق ثالث: اقتصاد سوق لكن مع دور فاعل للدولة في الحماية الاجتماعية وتوجيه الاستثمار، وانفتاح على العالم لكن مع حماية للقطاعات الاستراتيجية، وديمقراطية تمثيلية لكن مع مشاركة شعبية أوسع. هل ينجح هذا الطريق؟ لا أحد يعرف بعد. لكن ما نعرفه بيقين هو أن القارة التي أنتجت غاليانو وبورخيس وماركيز لا تعدم الخيال، والخيال، في الاقتصاد كما في الأدب، هو الخطوة الأولى نحو واقع مختلف. فالأمم التي تكفّ عن الحلم بعالم أفضل تكفّ عن بنائه، وأمريكا اللاتينية، رغم كل خيباتها، لم تكفّ بعد عن الحلم. وهذا، في ميزان التاريخ، قد يكون أثمن من كل ثرواتها الطبيعية مجتمعة. لكن الحلم وحده لا يكفي، فالتاريخ اللاتيني يزخر بأحلام جميلة تحطّمت على صخرة البنى المؤسسية الهشّة والفساد المستشري والتبعية الهيكلية لأسواق السلع الأولية. والسؤال الذي يُلحّ على كل مراقب جاد هو: هل تملك حكومات الموجة الوردية الجديدة، في برازيليا وبوغوتا وسانتياغو ومكسيكو، الصبر الاستراتيجي والانضباط المؤسسي اللازمين لتحويل الخطاب إلى بنية إنتاجية حقيقية تصمد أمام تقلبات أسعار النحاس وفول الصويا وخام الحديد؟ إن ما يحتاجه الجنوب العالمي ليس يسارًا شعبويًا ولا يمينًا متوحشًا، بل مشروعًا تنمويًا يجمع بين عدالة التوزيع وكفاءة الإنتاج، وهو مزيج نادر لكنه ليس مستحيلًا، كما أثبتت تجارب كوريا الجنوبية ودول الشمال الأوروبي في سياقاتها المختلفة. وما يمنح أمريكا اللاتينية فرصة فريدة هو أنها تجمع بين ثروات طبيعية هائلة وطاقة بشرية شابة وتراث فكري يمتد من سيمون بوليفار إلى باولو فريري، وكل ما ينقصها هو أن تجد الصيغة التي تُحوّل هذه العناصر المتفرقة إلى مشروع متماسك.

حسام بعكة

حسام بعكة

كاتب ومحلل اقتصادي متخصص في شؤون الشرق الأوسط والاقتصاد العالمي. يقدم تحليلات معمّقة تربط بين الجيوسياسة والأسواق والتحولات الاقتصادية الكبرى.

المزيد عن الكاتب

مقالات ذات صلة